حوالي 700 متظاهر فلسطيني في بيت لحم كانوا في يوم السبت في انتظار النشطاء الاسرائيليين في حركة «الشراكة العربية ـ اليهودية، تعايش» للتظاهر معا في المدينة المحتلة. وما ان اتضح نهائيا بأن الجيش الاسرائيلي والشرطة لن يسمحوا للجانبين بالالتقاء اضطروا الى ان يقولوا واحدا للآخر بواسطة اجهزة الهاتف الخلوية ومكبرات الصوت بأن «هناك من يمكن التحدث معه وعن ماذا». كان هناك فلسطينيون وجدوا صعوبة في الاعتقاد بأن السلطات الاسرائيلية ستحول بالفعل دون حدوث مثل هذه التظاهرة. أحدهم قال انه سمع بعض المتظاهرين الشبان يقولون معلقين: «اذا كانوا لا يريدون مظاهرات فستحدث عمليات في هذه الحالة». كلام مجرد الا انه يشير بدرجة ما للأجواء السائدة في المناطق والتي تتحرك بها المجموعات والأفراد المقتنعين بأن العمليات في اسرائيل ليست الطريق الصحيح، وان كل عملية عسكرة الانتفاضة كانت خاطئة ربما. هؤلاء الشخصيات والمجموعات موجودون في شرك: فهم يتفقون مع الرأي الشعبي القائل ان الحكم الاسرائيلي في المناطق هو في الواقع عملية تخريبية تتواصل يوما بيوم وساعة بساعة ضد ثلاثة ملايين مواطن. من هنا يصعب عليهم ان يصرحوا أمام الناس بتحليلات عقلانية منطقية وانتقادية لظاهرة العمليات الانتحارية والدعم الذي تلقاه والرأي القائل ان مشاعر الانتقام ليست اتجاها جيدا للانتفاضة. القيادة الفلسطينية فشلت منذ البداية في تحديد استراتيجية كفاحية واضحة: صحيح ان الاوساط الاسرائيلية على قناعة حتى اليوم ان هذه القيادة قد بادرت الى اشعال الانتفاضة. أما في المناطق فيعرفون انها انجرت وراءها. ولكن نهج واسلوب اتخاذ القرارات المستقل الذي اتبعه ياسر عرفات وجهود كبار المسئولين للحفاظ على مواقعهم ومناصبهم وخوفهم من تحول الانتفاضة ضد السلطة تمخض عن فراغ في عملية رسم وتحديد السياسة الفلسطينية. والمبادرات العسكرية هي التي ملأت هذا الفراغ. ومن وجهة نظر الجمهور الفلسطيني تبرهن العمليات في اسرائيل عن عدم قدرة المنظمات الفلسطينية على تطوير تكتيك عصابات في المناطق على طريقة حزب الله. وحسب رأي الكثيرين في هذا الجمهور يتوجب بذل جهود كبيرة لايجاد نقاط ضعف في الجهاز العسكري الاسرائيلي في المناطق. مقارنة مع مداخل اسرائيل وفي داخلها. أضف الى ذلك: ان دعم التصعيد واختياره نابع من وجهة نظر الفلسطينيين ايضا من فشل القيادة الفلسطينية ليس فقط في تحقيق الاستقلال من خلال المفاوضات وانما في ايقاف التصعيد الدموي الناجم عن سياسة الجيش الاسرائيلي من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية. منذ انشاء «م.ت.ف» كرست الحركة الوطنية الفلسطينية مبدأ الكفاح المسلح الى ان تحولت تقريبا من وسيلة الى هدف. الطريق كان قصيرا من تقديس المبدأ الى تقديس كل حامل سلاح - حتى اذا كان هذا السلاح هو الشخص نفسه. الاعتراف بالضعف العسكري والسياسي شق الطريق أمام التصعيد وبروز ظاهرة يتوجب ان تقلق كل فلسطيني. استعداد جموع الشبان للانتحار كوسيلة سلاح. من ناحية الانتحاري الوحيد لا يوجد فرق كبير بين الحركات الاسلامية وفتح والتنظيمات العلمانية: عدد الشبان المستعدين للموت يفوق عدد العمليات التي يمكن التخطيط لها. وربما كان عدد المؤمنين بجنة عدن كبيراً فعلا في صفوف المستعدين للموت. الا ان المراقبين العلمانيين الفلسطينيين على قناعة بأن الاستعداد للموت جاء أولا ومن بعده تأتي الاستعانة بالعقيدة الدينية. ولكن المتدينين والعلمانيين على حد سواء على قناعة بأن المستعدين للتضحية بأنفسهم انما يفعلون ذلك في اطار السياق السياسي - العسكري الواضح حيث يوجد تفوق اسرائيلي وسيطرة اسرائيلية محكمة على حياة الفلسطينيين. ومن يختارون قتل انفسهم ليسوا محبطين يائسين شخصيا بالضرورة: ولكنهم يرون انفسهم كممثلين للاحباط والغضب العام على الحياة التي لا يجدر ان تسمى حياة والتي نجمت حسب وجهة نظر الفلسطينيين عن سياسة اسرائيلية منهجية: يعيشون في الأقفاص وفي الفقر والفاقة والامراض والجهل المترافقة مع القتل اليومي وحظر حرية الحركة والتنقل والاهانات. «اذا كنا نموت ونحن أحياء فلنختر التوقيت وطريقة الانتقام على الأقل» هذا استنتاج سائد في صفوف الجمهور الفلسطيني. وفي الوقت الحالي كلما صعدت اسرائيل من خطواتها العسكرية تعزز دعم الجمهور الفلسطيني المستضعف هذا للعمليات عموما والعمليات الانتحارية خصوصا. والأحاديث حول القسوة لا تقنعهم: فهم يقولون ان من حق الأفراد ان يردوا بقسوة على الوحشية الاسرائيلية الرسمية. قرارات القيام بعمليات انتحارية في فتح هي مبادرات موقعية محلية فردية ونابعة من التنافس مع حماس حول كسب التعاطف الشعبي. وبالنسبة لحماس فالعمليات استراتيجية مركزية ومدروسة. وطالما كانت حركة حماس تشعر ان الجمهور يؤيد العمليات فلن تتوقف عن هذا النهج العملياتي. من تحت السطح تجري محاولات كثيرة لفتح حوار داخلي فلسطيني يقلص من الدعم الجماهيري الفلسطيني للعمليات في داخل اسرائيل من دون انتظار حدوث تغيير في السياسة الاسرائيلية. ومبادرة التظاهر المشتركة مع حركة «تعايش» هي خطوة من هذا القبيل، وهي محاولة قد منيت بالفشل. عن « هآرتس»