كم تبلغ تكلفة رسم لوحة زيتية؟ بضعة مئات من الدراهم؟ ان كل ما عليك ان تحضره قطعة قماش واطار تشد عليه القماش ومجموعة من الفراشي مختلفة الاحجام وصناديق الوان. وهذا كل شيء. لكن ولسبب ما وبمرور الوقت تكبر قيمة تلك الاشياء مجتمعة وتنمو وتكتسب قيمة مالية جديدة حتى تأتي اللحظة التي يتهافت فيها هواة اقتناء اللوحات الفنية ويشتجرون مستخدمين سلاح الدولار على تلك اللوحات في كبرى قاعات المزادات في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. ومن الطريف ان هؤلاء يدركون جيداً ان ادوات الرسم متاحة للجميع، ومع ذلك ينفقون الملايين سعياً لامتلاك لوحة. لابد أن يكون اولئك الهواة قد وجدوا شيئاً ما في تلك اللوحات. شيء لم يشد انظار الآخرين، شيء يجعل اللوحة اكبر من مجرد الادوات التي رسمتها، هل يمكن ان يكون ذلك الشيء هو القبض على البرق ووضعه داخل اناء زجاجي شفاف؟ وهل هي تلك اللحظة العبقرية التي تجمدت وأرسلت اشعاعها الساحر حتى يراها الجميع؟ ليس هذا او ذاك، انها النزعة الانسانية نحو امتلاك كل ماهو نادر، حتى وان كان ذلك لبن العصفور. انها روح الفنان التي تسكن اللوحة وتطل من كل زاوية فيها. انه مزيج بين النزوع الانساني نحو التملك وعبقرية الفنان التي لا تتأكد الا بعد وفاته بسنوات طويلة. لقد دفع هواة اقتناء اللوحات الفنية والتحف ما يزيد على نصف مليار دولار اميركي لشراء عشر لوحات فقط. معظم هؤلاء اثرياء ومليارديرات قد لا تعني الملايين شيئاً بالنسبة لهم، لانهم يمتلكون اضعافها مضاعفة. ولندلف الآن الى عالم اللوحات العشر الاعلى سعراً في تاريخ الرسم والفنون التشكيلية، ونبدأ من اقلها سعراً تدرجاً نحو اللوحة الاغلى ثمناً. اللوحة التي تحتل المرتبة العاشرة يتجاوز سعرها 43.5 مليون دولار اميركي فقط. انها بورتريه يو بيكاسو التي رسمها الفنان الشهير العام 1901 وتم بيعها بقاعة ثوثبي بنيويورك العام 1989 بهذا الثمن المتواضع. ولنتذكر هذا الاسم لانه سيرد في غير مرة. رسم بابلو بيكاسو هذه اللوحة إبان ما يعرف بالمرحلة الزرقاء، وهي احدى المحطات المهمة في تطور هذا الفنان الاصلع كثير العشيقات. رسم بيكاسو اللوحة وهو يعيش حالة حزن لموت صديقه، ومن ثم غلب اللون الازرق على معظم اعماله. وبعد ثماني وثمانين سنة، اي في الزمن الخطأ بالنسبة للرسام، تم عرض اللوحة بأحد مزادات ثوثبي حيث اشتراها احد هواة التحف بهذا المبلغ الضخم. اللوحة التاسعة على القائمة هي عارية على اريكة سوداء وهي من رسم بيكاسو ايضاً. وهي واحدة من اللوحات العديدة التي شخص فيها الفنان الاسباني احدى عشيقاته، وهي ماري ثيرسي ووالتر. ويقال ان امها لم تعرفها عندما شاهدت اللوحة، ولهذا قد يكون بيكاسو قد قال لزوجته: انها مجرد شجرة يا عزيزتي! وبالرغم من ان المرأة تبدو وهي تجلس على اريكة ويداها ممدودتان فوق رأسها في مشهد موح، الا ان هناك من وصف اللوحة بأنها: ان هذه المرأة تبدو وكأنها سلة سندوتشات للرحلات. ولهذا فان لوحات بيكاسو لا تقدر بثمن هذه الايام. وفي واحدة من نوبات الهوس الفني النادرة دفع احد الاثرياء 45.2 مليون دولار نظير سلة الساندوتشات تلك، وسنرى كيف دفع هذا الثري اكبر مبلغ مقابل اقتناء لوحة في تاريخ الانسانية. وكما يقول المثل الأميركي الشعبي القرد الثري يرى، اذن القرد الثري يفعل. وهذا مثل يدلل على الغباء المتأصل. انه بيكاسو هذه المرة ايضاً. ولكنه ليس وحده، ان بصحبته عشيقة اخرى غير واضحة المعالم في اللوحة التي جسدها فيها. انها لوحة «الحلم» التي دفع فيها احد هواة اللوحات الفنية مبلغ 48.4 مليون دولار اميركي فقط. وفي واقع الامر هناك لوحتان بهذا الاسم، هما عبارة عن خطوط متعرجة وما يبدو انه امرأة يتأرجح رأسها يمنة ويسرة وهي تعيش حلماً وردياً. رسم بيكاسو هذه اللوحة العام 1932، راجت بعدها شائعة تقول انها قد تكون احدى عشيقاته. قد تكون، ربما نعم، ربما لا، فقد كانت التكعيبية ـ كما يدعي البعض ـ اكبر «نكتة» واسلوبا يتلاعب فيه الرسامون بالاشكال لمجرد اشاعة جو من المرح، ثم ينتظرون ما يقول الاخرون عن المسألة برمتها. وقد اشتهر بيكاسو بتحطيم التابوهات والولوج الى عوالم لا تخطر على بال احد. وهنا، في المحطة السابعة يتدخل فان جوخ ليوقف اكتساح بيكاسو بلوحة ايريسيس، التي بلغ سعرها 49 مليون دولار اميركي فحسب. ولهذا الرسام ثلاث لوحات ضمن هذه القائمة، ولكنه وياللاسف لم يكن يدرك قيمته الفنية، ومات وهو مسكون بالهوس وجنون الرسامين الكبار. ويتدخل بيكاسو، الذي يأبى الا ان يسجل حضوراً طاغياً. امرأة في الحديقة، نحو 50 مليون دولار فقط. لم تكن المرأة سوى دور مارا، عشيقة بيكاسو ايضاً. يرى النقاد انه لم تكن هناك امرأة، ولم تكن هناك حديقة، ولكن هناك خطوطاً متعرجة واشكالا لا يمكن ان تكون لجنس بني البشر. المبلغ الذي دفعه «احدهم» لاقتناء اللوحة يساوي ثلاثة ملايين دولار لكل ساعة رسم. وهذا ليس رقماً خرافياً فحسب، ولكنه رقم يتجاوز الفعل الذي بذله بيكاسو في رسم اللوحة. المرتبة الخامسة للرسام الاسباني بيكاسو ايضاً، 51.7 مليون دولار فقط وفيها احدهم في لوحة غامضة، شخوصها خطوط متعرجة ونساء ضخمات يعتبرها النقاد ثمرة الجنون والفقر والاستماتة في الدفاع عن الذات المسكونة بهوى متجذر للغرابة والاندهاش. ويأبى بول سيزان الا ان يطل علينا بلوحة «سلة الفواكه» الذي لم يتجاوز سعرها 60.5 مليون دولار. تليها مباشرة لوحة فان جوخ «بورتريه الرسام التي صور فيها الفنان نفسه بدون لحية وفي اناقة لم يعهدها معاصروه عنه. وفي ذات المرحلة الفنية كتب الرسام خطاباً لشقيقه يطلب فيه بعض النقود. المسكين مات، وجاءت الملايين التي لم يستفد منها. ويأبى رينوار الا ان يسمعنا صوته، ويحتل المرتبة الثانية في قائمة اغلى الرسامين في منتصف العام 1990 حيث دفع راوي سايتو، المليادرير الياباني الذي سيشتري بعد يومين فقط من هذا التاريخ اغلى لوحة في التاريخ، 78.1 مليون دولار في لوحة، «او مولين دو لا جاليت» التي يصفها النقاد كواحدة من اروع لوحات مرحلة الانطباعية. ومع ذلك لم تكن اللوحة افضل ما رسم رينوار. «بورتريه دكتور جاشيت» فان جوخ. المليادير الياباني جامع اللوحات، ثلاثي رهيب سجل السعر الاعلى في تاريخ مزادات اللوحات الفنية. نحو 83 مليون دولار مقابل لوحة واحدة لا تتجاوز مساحتها سوى بضع سنتيمترات. ماذا تقول اللوحة؟ انه الطبيب النفساني الذي كان يعالج فان جوخ والذي كان يطارده وهو يحمل حقنة مهدأة. وقد يكون سايتو، المليادير الياباني واحداً من المصابين بمس الجنون الذي اصاب فان جوخ، والا لماذا هدد قبيل وفاته بحرق اللوحة ورميها في جمر ملتهب حتى لا يرثها الوارثون، لانها ستضيف لثروتهم، وسيدفعون اموالاً طائلة لهيئة الضرائب. هل نفذ المليادير تهديده ام لا. لا احد يدري فقد اختفت اللوحة الغالية بعد ان لفظ المليادير انفاسه بعد ست سنوات من دفع ذلك المبلغ الخرافي. مأمون الباقر