سبق ان قلنا ان السينما ليست مجرد التعبير عن الواقع فقط، بل التحريض على تغييره للأفضل والانفع، وذلك من خلال لغة سينمائية مؤثرة وفاعلة، تدق جرس الانذار لمن يهمه امر ما يعصف بالناس من خلل وضيق يعتمل في صدورهم بضراوة كبيرة.فالتعبير المحض عن الواقع الصعب لا يفيد المتلقي في شيء، لانه مهما بلغ من قدرات السينمائيين في رصد ما يحدث فان المشاهد على اطلاع أوسع واهم واخطر مما يراه على الشاشة الفضية. واذا كانت بعض الافلام تراهن على تحفيز المتلقي العادي على تغيير واقعه بنفسه، فإن نظرة متأنية لهذا الرهان تكشف عن السذاجة التي تهم هذا الرهان، لان المسئولين عن هذه النوعية من الافلام هي في واقع الامر تلون بحالة من «اثبات موقف» ودمتم.. لان الانسان العربي نفسه لا يبشر بأية رغبة حقيقية حتى في فهم ذاته، فما بالنا بالتغيير (!) فهو يتعامل مع قضاياه الخاصة جداً بمصمصة الشفاه، والبكاء على حاضره المطحون، وهو امر معروف لدى كثير من المجتمعات الثالثية. الادهى من ذلك ان معظم الافلام التي تتناول مواضيع حساسة تمس حياة الناس في الصميم لا تلقى بالاً الى التفكير المضمون لتحقيق تغييرات مهمة تفيد المجتمع، بمعنى ان السينمائيين لا يكلفون انفسهم عناء البحث عن المنطقة التي يمكن مخاطبتها لتتولى التغيير وهو جهل وتجاهل يفضحه المنطق الذي مفاده ان اي تغيير لصالح الناس او ضدهم لا يمكن ان يتأتى الا من قمة الهرم السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي وهي صفة تشكل القاسم الاكبر للمجتمعات الشرقية والدليل على ذلك اننا لم نسمع عن مظاهرة واحدة ضد فيلم نال من احد ثوابتنا بدرجة او بأخرى، مثلما حدث في الشارع الاوروبي ضد فيلم «الاغواء الاخير للمسيح» طبعاً نحن لا نتحدث عن الهجمات النقدية الشرسة ضد بعض الاعمال، فحتى ان اية ادعاءات بأن بعض افلامنا تمتلك الجرأة الكافية لاقتحام قضايا حساسة ومهمة، مردود عليها، لانه ما من فيلم ادعى ذلك استطاع ان يحرك اصحاب القرار على قمة الهرم لتحرير هذه القضايا من اشكالياتها. ومع كل هذا البؤس الآنف واليأس السالف، فإن نظرة استعادته لتاريخ السينما العربية تجعلنا نتحسر على هذه الايام الخوالي، حيث كانت بعض الافلام قادرة على تحريك المسئولين للتعامل مع الجانب الانساني في هذا الفيلم او ذاك قلة قليلة من هذه الافلام هاجمت الواقع بقسوة غير استعراضية، وبهدوء رائع وجميل يجعل الجميع ينتبه لهذه القضية او تلك حيث خضع المشرعون الى الخطاب السينمائي الذي تحول بفنية كبيرة من مجرد مناشدة الى مطالبة مشروعة تجهس بها شرائح شعبية واسعة. ففيلم «جعلوني مجرماً» للراحل فريد شوقي دفع المشرعين الى الغاء السابقة الاولى للمجرم لكي يواصل حياته العادية، وفيلم «كلمة شرف» دفع القانونيين الى السماح بزيارة السجين لاسرته وليس العكس، اذا لزم الامر، وفيلم «اريد حلاً» ساعد على تغيير بعض قوانين الاحوال الشخصية لحماية المرأة من غوائل الدهر.افلام قليلة جعلت السينما هي الوسيط الحقيقي بين مطالب الناس والسلطة التشريعية، اعمال ستظل عالقة بالاذهان، لانها حررت وظيفتها من نشوة الامتاع المزيف، وثرثرة التناول الى هم حقيقي ومعتبر يكتنف كاميراتها وحواراتها، اين افلامنا هذه الايام الغبراء من هذه المهمة المقدسة فلقد حولوا الناس الى متفرجي سيرك والاسم «تغريم الناس».انني اراهن بكل معرفتي المتواضعة ان السينمائيين الحاليين أبعد ما يكونون عن الخبث واللؤم وتعمد التخدير انهم بامتياز جهلاء جهلاء جهلاء، لا يعرفون شيئاً من متاعبنا الحقيقية ولا يفقهون كيف يخاطبون المسئولين عن تغيير الواقع، ومن هم؟ مجدي ابو زيد