قتل الفلسطينيون ابني اريك. لقد كان لاريك قامة طويلة وعينان زرقاوان وشعر ذهبي، وترى دائما في وجهه تلك الابتسامة، التي تنم عن براءة الاطفال، ولكنها في الوقت نفسه تشعرك بأنك أمام شخص متفهم ناضج. وإذا كان أخذ الثأر ممن قتله سيعني قتل أبرياء من الاطفال والمدنيين الفلسطينيين، فإنني سأطلب من الجيش الاسرائيلي ان ينتظروا فرصة اخرى للوصول اليه. إنني أفضل ان ارى اليد التي ستطلق الرصاص من البندقية او القنبلة من المدفع تهتز ولا تصيب قاتل ابني عن رؤية مدنيين أبرياء يقتلون وحينذاك سأقول للجنود الاسرائيليين: أنتم لستم القضاة، ولا يجب ان يكون الانتقام هو محرككم وحافزكم الوحيد، ولكن الدافع يجب ان يكون العمل على منع اصابة مدنيين ابرياء. فالأخلاق لا تتجزأ، فهي ليست ابيض وأسود، ولكنها على الدوام بيضاء، ويجب ان تكون خالية من كل مشاعر الانتقام والتهور وكل تصرف يجب التفكير فيه بعناية قبل ان يؤخذ قرار حتى يتبين ما اذا كان هذا القرار يتماشى مع المعايير الأخلاقية أم لا. وأخلاقنا اصبحت معلقة بخيط رفيع تحت رحمة كل جندي وسياسي. من غير الاخلاقي ان يتم قتل نساء وأطفال أبرياء سواء من الفلسطينيين أو الاسرائيليين، وكذلك من سوء الأخلاق ان يتم التحكم في شعب آخر ودفعه دفعا حتى يتبنى العنف. كما ان من سوء الاخلاق ايضا ان نطلق قنبلة تقتل فلسطينيين أبرياء، وغير أخلاقي كذلك الاخذ بالثأر من أناس ابرياء. وعلى الوجه الآخر، فإنه من صميم الاخلاق ان يتم منع مقتل كائن بشري. ولكن اذا كان هذا المنع سيسبب مقتل آخرين، فإن الاساس الاخلاقي لمحاولة المنع هذه سيفقد معناه. والدولة التي لا تستطيع ان تضع خطا للتفريق بين الاخلاقي واللأخلاقي فإنها تجد نفسها في النهاية في دوامة اتخاذ اجراءات غير اخلاقية ضد شعبها. الأسوأ في نظري لم يكن ما تم خلال الفترة الماضية، ولكن الذي أنا متأكد من أنه سيحدث يوما ما. هذا الأسوأ سيحدث لأن القيادة السياسية والعسكرية الاسرائيلية لا تملك القدر الاساسي من الاستقامة الذي تمكنها من القول: «نحن آسفون» لقد فقدنا المعايير الاخلاقية منذ وقت طويل قبل الهجمات «الانتحارية» فالنقطة الفاصلة بدأت عندما بدأنا السيطرة على شعب آخر. لقد ولد ابني اريك في دولة ديمقراطية لديها امل ان تحيا حياة طيبة ومستقرة. وولد قاتل اريك في جو من الفوضى والاحتلال. فلو كان ابني قد ولد في نفس المكان الذي ولد فيه قاتله لربما انتهى به الأمر وهو يقول الشيء نفسه. ولو ولدت أنا نفسي في نفس الأجواء التي يعيش فيها الفلسطينيون الآن، لكنت بالتأكيد حاولت ان أضر بالقوات المحتلة، ولو لم أقم بذلك لكنت قد خنت جوهري كإنسان حر. دعك من هؤلاء الذين يتكلمون ويصفون الفلسطينيين بالقتلة ودعهم ينظروا الى المرآة ويسألوا أنفسهم ماذا كانوا سيفعلون لو كانوا قد ولدوا تحت الاحتلال. بالنسبة لي أنا، اسحاق فرانكنتال، لو كنت ولدت تحت الاحتلال لكنت اصبحت مقاتلا في سبيل الحرية ولكنت قتلت أكبر عدد ممكن من قوات الطرف المحتل. ان هذا النفاق المستفحل الذي نتسم به في اسرائيل هو الذي يدفع الفلسطينيين الى محاربتنا بلا هوادة، هذه الازدواجية في المعايير هي التي تسمح لنا بامتلاك اكبر آلة عسكرية في الوقت الذي نقتل فيه بهذه الاسلحة اطفالا ابرياء. هذا الانعدام الاخلاقي هو الذي يفسدنا. لقد قتل ابني اريك عندما كان جنديا يخدم الجيش على يد مقاتلين فلسطينيين اعتقدوا وآمنوا بالأساس الاخلاقي لحربهم ضد الاحتلال. لقد قتل ابني ليس لأنه يهودي ولكن لانه جزء من دولة تحتل اراضي دولة اخرى. أعلم ان هذه الآراء لا تروق للكثيرين، ولكنني يجب ان افصح عنها بصوت عال وواضح، لانها تنبع من قلبي، قلب اب لم يعش ولده لأن شعبه اصابه عمى وبطش القوة. لا يمكنني القول بأن الفلسطينيين مسئولون عن مقتل ابني، فهذا يمكن ان يكون الطريق الاسهل لوصف الامر، ولكن الحقيقة هي ان الاسرائيليين هم المسئولون عن الاحتلال. وأي شخص يرفض ان ينتبه لهذا القول الصدق سوف يقودنا في النهاية الى الدمار. لا يمكن للفلسطينيين طردنا، فهم اعترفوا بوجودنا منذ زمن طويل. وهم مستعدون لأن يدخلوا في سلام معنا. ولكننا نحن الذين لا نرضى بهذا السلام معهم. ونحن الذين نصر على استمرار تحكمنا فيهم، ونحن الذين نقوم بتصعيد الموقف في المنطقة ونزيد من دائرة اراقة الدم. يؤسفني ان اقول ذلك، ولكن الحقيقة هي اننا نحن المسئولون. ولا أعني ان ارفع اللوم عن الفلسطينيين او ابرر هجماتهم على المدنيين الاسرائيليين بأي شكل من الاشكال. فلا يمكن تبرير اي هجوم على المدنيين. ولكن بصفتنا قوة محتلة، فإننا نحن الذين نطأ بأقدامنا على الكرامة الانسانية، ونحن الذين نحاول سحق حرية الفلسطينيين، ونحن الذين ندفع المنطقة بأكملها الى افعال مجنونة مبعثها الأسى واليأس. ترجمة : حاتم حسين عن« جارديان»