يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. يوم افتتاح دورة المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة، بكرت في الحضور إلى المبنى الكبير ذي الرواق والأبهاء الفسيحة. وهناك وقع نظري على محمود درويش مقبلاً وحوله جمع من أصحابه والراغبين في صحبته. وكان هؤلاء يتدافعون بأدب وغير أدب ليظلوا بلصق النجم الذي اندفع نحوه المصورون. ولعلك تتذكر كيف سبق لي أن تعرفت على محمود في صوفيا في العام 1968 حين جاء هو إلى العاصمة البلغارية عضواً في وفد شبيبة الحزب الشيوعي الإسرائيلي «راكاح» إلى مهرجان الشباب العالمي. وإذا تذكرت هذا فلابد من أن تتذكر المشاكل التي سببها لي هذا اللقاء وكيف أفضت إلى طردي من حزب البعث وإلصاق تهم شتى بي. ولعل من المفيد أن تعرف أن محمود اغتنم بعد سنتين فرصة وجوده خارج البلد الذي يعدّ فيه إسرائيلياً وتدبر أمر التجائه إلى القاهرة. وقد رحبت القاهرة بالشاعر الفلسطيني الكبير وكرمته، ونوه الرئيس عبد الناصر نفسه بأهمية حلوله فيها. وكان محمود قد استحق قبل هذا اللجوء مكانته الرفيعة في كوكبة رواد الشعر العربي الحديث، وبعد اللجوء، أخذت قامة محمود الشعرية تطاول قامات الذين سبقوه من هؤلاء الرواد. والواقع أن محمود استشرف الفارق بين إقامته المضيّق عليها في إسرائيل وبين الأرجاء المفتوحة للحركة والانطلاق خارجها. ولعل الشاعر المجبول بالحساسية إزاء سمعته ورهافة الحس قد التقط شيئاً أمضه كثيراً، فقد لاحظ وهو في إسرائيل أن معظم المفتونين بشعره يميزونه عن غيره ليس بموهبته التي يستحق أن يُميّز بها وحدها ولا بالقيمة الحقيقية لمنجزه الشعري، بل بموقعه هو الذي يقاوم مغتصب وطنه داخل هذا الوطن. ملابسات هذه الحكاية لم أعرفها أنا إلا بعد حين. أما وقتها فإن النبأ فاجأني ولك أن تضيف أنه صدمني صدمة عنيفة، كما أن لك أن تعرف سبب الصدمة. فقد قست لجوء محمود بالمقياس السياسي العام وحده، وكان مقياسي حاداً كما صرت تعلم. واستهولت أن يترك الشاعر المعدود من رموز المقاومة الوطنية ضد إسرائيل أرض وطنه باختياره. وقضيت بأنه يقدم بهذا أمثولة سيئة للصامدين في الوطن ويسييء إلى قضيتهم وبمقياسي هذا، كتبت مقالاً جعلت له هذا العنوان وصار له في حينه بعض الشهرة: «محمود الذي غادر سربه». ولابدّ من أن مقالي ساء محمود إن كان قد قرأه بنفسه أو ساءه أكثر إن كان المضمون قد نقل إليه من الذين ينافقونه بتضخيم إيذاء الآخرين له. وعندما التقيت محمود في رواق مبنى الجامعة العربية، كنت لا أزال متأثراً بسلبيتي إزاء خطوته، ولعله كان لا يزال متأثراً برأيي القاسي فيه. وهكذا، لم نتقابل إلا كما يتقابل المتخاصمون. حياني محمود ببرود ظاهر وإن لم تجعله اللباقة شديد الفظاظة. إلا أن هذا، وقد انضاف إلى سخطي أنا عليه، لم يجعلني أقل فظاظة أو يحملني على التأدب في حضرة الشاعر الذي تعلو قامته الأدبية قامتي علواً شاهقاً. وعندما نوه محمود بموقفي منه في صوفيا وفاه بكلمات شكر، صاغ السخط وحده ردّي: «أنت غير مدين لي بأي شكر، لم أفعله من أجل شخصك». إلا أن محمود الذي لا تعوزه الفطنة في أي موقف، بدا لي تلك اللحظة أكرم مني بكثير، أو قل إنه كان أكثر مني سيطرة على نفسه، فكتم حنقه، ودعاني إلى زيارته في منزله. وهناك، أصغى محمود إليّ وأنا أبسط رأيي بكامله، وحاججني فيه، وبسط هو دوافعه فلان السخط ، وتأسست بداية علاقة مستمرة به منذ ذلك الوقت. نقطة واحدة في الحديث بقيت عالقة، إذ أني أخذت على محمود التجاءه إلى غير منظمة التحرير: «ما دمت قد قررت مغادرة إسرائيل فلماذا لم تجئ إلى ثورة شعبك ؟ ولم يقرّ محمود بأني مصيب في هذه النقطة ولم يدع أنه هو المصيب. وسألقاه بعد ذلك في لقاءات عدّة، وسيتكرر الحديث عن هذه النقطة، وسينتهي الأمر بمحمود كما لابد من أنك تعلم إلى الانهماك في شئون شعبه وثورته، وسيسألني: «هل أرضاك ما فعلته ؟» وسأجيب «نعم !». وأياً ما كان عليه شأني مع محمود، فإن أعمال الدورة التي جئت لأشهدها استغرقتني. وقبل أي شيء آخر، حضرت في الدورة الهموم التي اقترنت بفاجعة سبتمبر وأججت المزايدة التي بدت في ظل النتائج العيانية أبغض مما كانت في أي وقت سابق. افتتحت الدورة بالمراسم التي تفتتح بها دورات المجلس في القاهرة. واتبع الرئيس السادات التقليد الذي كرسه عبد الناصر فرعى الافتتاح بنفسه. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أشهد فيها هوس السادات بمظاهر الأبّهة. فقد وصل الرجل إلى المبنى مسربلاً بأناقته المدروسة ومحاطاً بحشد كبير من المرافقين الذين يحفّون به كما تحف النجوم بالقمر فيظهر تميزه. وعند الباب، كان في الانتظار ياسر عرفات ونجوم العمل الوطني الفلسطيني. وقد صحب هؤلاء الرئيس إلى بهو مجاور لقاعة الاجتماعات حيث احتشد خلق كثير. وتزاحم الناس حول عرفات والسادات من أجل التقاط الصور معهما. وكم كان مثيراً أن تراقب زعيمين محبين للأضواء وهما معاً أمام آلات التصوير ! أما ما كان أشدّ إثارة فالمقارنة بين حركات السادات المدروسة والمضبوطة بضوابط شتى وبين حركات الذي لا يقر له قرار ولا يثبت على وضع. وعندما توجه الاثنان وحولهما الحشد الكبير إلى قاعة الاجتماعات، تأنّى السادات وهو يلج القاعة، ثم وهو يتجه إلى المقعد المخصص له على المنصة وبدا لي أنه يتأنى كي يطول أمد التصفيق الذي استقبل به. يومها، كان السادات في إبان صراعه مع خصومه في السلطة في مصر وهو بحاجة إلى استثمار أي مظهر من مظاهر التأييد الفلسطيني له، فلم يقصر في هذا المجال كما لم يقصر عرفات في توفير الفرصة. وقد استغرق هذا كله وقتاً بدا لي دهراً مديداً. وكنت أكاد أنفلق بسبب ما عددته نفاقاً لا لزوم له لرئيس لم أر أنه يستحقه، أنا الذي لم أعدّ السادات في أي وقت بين ممثلي وجه مصر الذي أحبّه. وفي خطابه، استخدم السادات الأسلوب المنمق الذي يتقنه وأفرط في التنميق، ثم لم يأت بجديد. ولأن كلام الرجل لم يستغرقني، فقد راقبت حركاته وتمعنت في تعابير وجهه أكثر مما تابعت الكلام. وكان من الشائق، كما ينبغي القول، مراقبة التعابير التي تتلون وتتبدل لتوائم ما تتوخى العبارات الإفصاح عنه فتجتذب الانتباه أكثر مما تجتذبه العبارات. في تلك الدورة، انطلقت المناقشات من الاعتقاد بأن الثورة الفلسطينية تتعرض لمحاولات تستهدف تصفيتها. وانصب كلام كثير على مؤامرات قيل إن الأردن أعدها. وانشغل المتحدثون في مناقشة ساخنة لمشروع أعدّته القيادة الفلسطينية وسمّته «برنامج العمل السياسي والهيكلي للوحدة الوطنية لقوى الثورة الفلسطينية». واشترك في المناقشة عدد كبير من الأعضاء. وظلت النبرة المزايدة هي الغالبة، لكن الأذن المدققة كان بإمكانها أن تلتقط جديداً يحاول الإفصاح عن ذاته. ولما كانت الرغبة في الانتقام هي التي حركت الألسنة فيما كان تأثير «أيلول الأسود» لا يزال طازجاً، فقد انطلقت الدعوة إلى إبراز مطلب إسقاط النظام الأردني في البرنامج. وبدا أن هذه الدعوة غير قابلة للاختراق. وقد واجه صوت العقل دعوة غابت عنها معطيات الواقع، واجهها بحياء في الجلسات العامة وبشدّة في جلسات اللجان والكواليس. وكان هذا هو البروز الأول لصوت العقل بعد سبتمبر. وفي المحصلة، أدرج المطلب في البرنامج الذي صوت عليه المجلس في جلسته الأخيرة بكثير من الضجيج، لكنه غاب عنه عند نشره بمبادرة من رجل المناورات البارع ياسر عرفات. لهذا الرجل الذي ترك للمزايدين أن يفرغوا ما في أجوافهم حتى اللحظة الأخيرة، توجه إلى أعضاء المجلس بعد التصويت قبيل اختتام عمل الدورة وطلب منهم، فيما هم يتهيئون للانصراف، أن يخوّلوا اللجنة التنفيذية التي انتخبوها لتوهم حق تنقيح صياغة البرنامج. قال عرفات إن التعديلات الكثيرة التي أدخلت أثناء المناقشة على صياغة البرنامج جعلتها ركيكة ومن المعيب أن يصدر عن مجلس يمثل الشعب الفلسطيني برنامج ركيك الصياغة. وبهذه الحجة الدامغة، انتزع عرفات حق التنقيح. وباستخدام هذا الحق، أذيع النص الختامي بعد عودة الأعضاء إلى البلدان التي جاءوا منها وقد خلا من الشعار الطنان. واللافت للنظر أن التقدميين من أعضاء الفصائل والمستقلين هم الذين حاولوا إبراز صوت العقل، أو لأقل إن نسبة العقلاء بين التقدميين كانت كبيرة.دعوة أخرى كانت في موضع المنافسة وانقسم التقدميون أنفسهم في الرأي حولها فأيدها غالبيتهم واعترض عليها بعضهم، وهي الدعوة إلى دولة واحدة في فلسطين كلها يعيش فيها العرب واليهود، أو هي، كما شاعت تسميتها، الدعوة إلى الدولة الديمقراطية. اعترض المتزمتون على هذه الدعوة لأنها تنطوي على الإقرار لجميع اليهود الذين وفدوا إلى فلسطين بحقوق مساوية لحقوق أهلها العرب، وعدّوا هذا إقراراً بأمر واقع لا يقرّون بشرعيته. وفي معارضتهم للدعوة، تسلح هؤلاء بنص الميثاق الوطني الفلسطيني الذي قصر حق المواطنة في فلسطين المأمولة على أهلها العرب ولم يشمل من اليهود إلا من كانوا فلسطينيين، أي اليهود الذين كانوا في فلسطين قبل بدء الغزو الصهيوني لها. أما بعض اليساريين فقد اعترض على الدعوة لأنه رأى فيها صياغة مواربة لشعار إزالة إسرائيل من الوجود الذي هو شعار غير واقعي. وفي سياق معارضته الدعوة، تميز موقف عدد كبير من المؤمنين بالقومية العربية، تقدميين وسواهم، فهؤلاء لم يعارضوا فقط الدعوة إلى مثل هذه الدولة في فلسطين، بل عارضوا أي دعوة إلى أي دولة فلسطينية مستقلة، بذريعة الحرص على التوجه نحو إقامة دولة العرب الواحدة الوحيدة من المحيط إلى الخليج.لم يكن لي، أنا العضو المراقب، حق الكلام في الجلسات. فنشطت في الكواليس، وكنت عالي الصوت، صريحاً في الحثّ على نبذ المزايدة ومواجهة المزايدين. ولئن نفعتني كثيراً معرفتي الشخصية لمعظم أعضاء المجلس، فإن صلاتي الصحافية نفعتني أكثر. فأمكن أن أروّج أفكاري على أوسع نطاق. وفي هذا كان سعيد حمامي شريكي الذي لا يكل ولا يهاب. وقد شكلنا، سعيد وأنا، ثنائياً جهر بالدعوة إلى التعقل وطالب بصياغة سياسة تضع للعمل الوطني الفلسطيني أهدافاً ممكنة التحقق وتجنّبه التوهان في سراب الأوهام. ووفرت نتائج سبتمبر الأسود الماثلة جواً استفدنا منه في الدعوة إلى إيلاء الواقع ما يستحقه من اعتبار. وهيأ نفوذ مصطفى الحسيني في «روز اليوسف» الفرصة لي ولسعيد كي نكتب في المجلة المصرية الشهيرة. وكتبت أنا مقالاً جعلت له هذا العنوان سافر الدلالة: «مشكلة العمل الفلسطيني سياسة لا» ثم كتبت غيره. وكتب سعيد في المنحى ذاته. وبدونا بهذا أشبه ما نكون بجنديين مقدامين يشقان درباً في حقل مليء بالألغام ولا يخشيان العواقب. ولئن أحنق ما كتبناه كثيرين حتى من أصدقائنا المقربين، فقد تلقينا تشجيعاً سرياً من بعضهم وعلنياً من آخرين. والواقع أن سعيد حمامي بزّني في الدعوة إلى الواقعية. ففي واقعيتي أنا، انطلقت من الإيمان بأن الحدّ الأدنى المقبول في التسوية السياسية مع إسرائيل ينبغي أن يشتمل على إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الأرض التي احتلتها إسرائيل من فلسطين في العام 1967 ويبقى الباب مفتوحاً أمام تطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بقضية فلسطين وأخصها قرار التقسيم الذي صدر في العام 1947 وقرار عودة اللاجئين. وإذا جاراني سعيد في هذا، فمن باب الحصافة وحده دون أن يبدل اعتقاده بأن إقامة دولة الضفة والقطاع ستكون الحد الأقصى وليس الأدنى. إلاّ أن التمييز بين واقعية وأخرى، بين حدّ للتسوية أو غيره، لم يكن آنذاك في مركز الانتباه. وكيف ينشغل أحد بهذا التمييز حين تكون الأغلبية ممن يدينون أي واقعية ! وقد واصلت أنا الكتابة بعد أن رجعنا من الدورة كما واصلها سعيد. ولأننا كنّا، كلانا، على صلة وثيقة بياسر عرفات فإن الخصوم الذين يأخذون على الزعيم الفلسطيني أي إشارة دالة على التعقل ظنوا أننا نحظى بتشجيعه فراجعوه بشأن ما نكتبه فكان جواب عرفات هو هذا الذي أشهد بأنه مطابق لواقع الحال: «سعيد وفيصل يكتبان أشياء لا أوافق عليها، إلا أنهما ابنان عزيزان من أبناء الثورة». وما أكثر ما هاجمنا المزايدون واتهمونا كلينا كما اتهموا غيرنا من أمثالنا بأننا زمرة «مستزلمة» لعرفات، وما أكثر ما تقولوا !بعد الانتهاء من عمل الدورة وفي حمأة عقابيله، بقيت في القاهرة أياماً أخرى، وانتقلت إلى شقة أخويّ من أمي اللذين لم ارهما منذ كانا يحبوان في غزة، وخصصت لهما وقتاً كافياً، ووثقت معرفتي بهما، وتمتعت معهما بهدية أخرى أتحفتنا بها الوالدة من غزة وتزودت بالمزيد من حكايات أمي وطرائفها. وبهذا، عوضت بعض ما فاتني وسعدت، وخفّ إحساسي باليتم، وفي هذه الأيام، تسنى لي أن أزور بعض مدن دلتا مصر وقراها وأعرف المزيد عن البلد الذي أحبّه وأوسع صلاتي فيه لأعود اليه بعد خمسة شهور. وخلال الشهور الخمسة، واصلت السلطات الأردنية عملها المثابر لاستكمال هيمنتها على البلد وتصفية الوجود الفلسطيني المسلح فيه. لاحقت السلطات خلايا المقاومة الفلسطينية التي أُبقيت في عمان سراً وفتتها واقتادت من وقعت عليهم أيديها إلى السجون. وحاصر الجيش الوحدات المسلحة الفلسطينية التي أجاز اتفاق القمة العربية بقاءها في أحراش جرش. فدافع المحاصرون عن وجودهم وتواترت الاشتبكات. وقد استفادت السلطات الأردنية من رخاوة رد الفعل العربي بعد رحيل عبد الناصر وغرق مصر في مشاكلها الداخلية وانصراف العهد الجديد في سوريا إلى تثبيت مواقعه فيها، فشددت الحصار وتوسعت في الملاحقات، وتوجب على الجانب الفلسطيني أن يواصل التراجع. ولما تراكمت تلال من المتاعب، اقتضى الأمر عقد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني بعد خمسة شهور فقط من الدورة السابقة. فتسنى لي أن أجيء إلى القاهرة مرة أخرى. وما كان أحبّ هذا إلى نفسي ! انعقدت الدورة في يونيو 1971. وكان السادات قد حسم وقتها مسألة ازدواجية السلطة في مصر وأتم ما أسماه حركة مايو ووضع قادة خصومه في السجن. وكانت المنازعات الفلسطينية الأردنية قد أحلّت مسألة تمثيل الشعب الفلسطيني في المحل الأول من اهتمام الفلسطينيين وأبرزت السؤال حول من يمثل هذا الشعب ومن يمثل، خصوصاً سكان ضفتي الأردن الفلسطينيين : «م. ت. ف.» أم النظام الأردني. وفي ظل الخصومات المتفاقمة، أوقع بروز هذا السؤال أعضاء المجلس الذين يحملون الجنسية الأردنية بين نارين، أو بين نيران عديدة. فالواحد من هؤلاء مرتبط بثورة شعبه ومطالبه الوطنية من جهة، فيما هو مضطر لمراعاة وضعه ومصالحه في الدولة التي يحمل جنسيتها، من الجهة الأخرى. وقد عاينت بغير قليل من الأسى، كيف كان كثيرون من هؤلاء حريصين على مصالحهم في الأردن واستمرار عيشهم فيه دون أن يؤيّدوا سياسة نظامه، وكيف كانوا هم أنفسهم حريصين أيضاً على صلتهم بالمقاومة الفلسطينية وولائهم لمنظمة التحرير دون أن يكونوا مفتونين بسياستها أو راضين عن أخطائها. أضرب لك مثلاً، إبراهيم بكر. فحين توسع وجود المقاومة في الأردن ذلك التوسع الصاروخي الذي تلا هزيمة 1967، كان إبراهيم قد غدا شخصية مرموقة في عمان وصارت له في البلد مكانة كبيرة بوصفه واحداً من قادة الحركة الوطنية. وقد دخل إبراهيم بكر اللجنة التنفيذية للمنظمة وتكرر انتخابه لعضويتها وصار أميناً لسرها، أي الرجل الثاني فيها، دون أن يكف عن توجيه الانتقادات للسياسة الفلسطينية، أو للسياسة الأردنية. وكانت في طبع الرجل شدّة تحول بينه وبين الرضا بالحدود الدنيا أو الحلول الوسطية. ولإن لم تستقم علاقات الرجل مع النظام الأردني، فهي لم تستقم أيضاً مع رئيس اللجنة التنفيذية لِ «م. ت.ف». ياسر عرفات.وقد ظل إبراهيم يأخذ على عرفات ما يعده وسطية مثلما يأخذ عليه ما يعده تفرداً منه في القيادة واستهانة بصلاحيات الآخرين، وحين جئنا إلى الدورة الجديدة، كان كيل إبراهيم قد طفح فقدم استقالته من اللجنة التنفيذية. وقد بدا لي، أنا الذي عرفت الرجل معرفة لا بأس بعمقها. أن قلق إبراهيم على وضعه في الأردن مع اشتداد الخصومة كان له تأثير على قرار الاستقالة. وأرجو ألا تخلص من هذا أني شككت في ولاء الرجل للمنظمة أو لقضية شعبه أو أني أشكك في جرأته أو قدرته على الثبات. كل ما في الأمر أن الذي ضاق بوضعه داخل سربه وجد نفسه مدعواً إلى تضحيات جسيمة وهو في هذا الوضع فلم تستطبها نفسه فآثر الاستقالة . ولأني تصورت أني وضعت يدي على شيء عميق، ثم لأني كنت من أنصار النضال ضد السلبيات من داخل «م. ت. ف.» فقد ندبت نفسي لمحاولة ثني الرجل عن استقالته. ولم أكن الوحيد الذي ندب نفسه لهذه المهمة. في هذا السياق، ضمتني إلى إبراهيم جلسة انعقدت في بهو فندق شبرد حضرها طلال سلمان، ومكرم محمد أحمد، وهو من كان آنذاك محرراً في «الأهرام»، ومصطفى الحسيني، ومصطفى نبيل. وكان فضولنا، نحن النواة المتماسكة لما سميناه حركة الفضوليين العرب، قوياً لمعرفة دوافع إبراهيم منه، وكنا عازمين كلنا على ثنيه عن الاستقالة. وفيما امتد النقاش، كان عضو اللجنة المركزية لـ «فتح» كمال عدوان جالساً إلى مائدة في البهو، وكان يراقبنا وهو قلق. وعندما جاء نادل في الفندق وطلب من إبراهيم أن يذهب إلى الهاتف لأن هناك من يطلبه، قلت، أنا المتنبه لوجود كمال: «صديقك كمال هو الذي أرسل النادل ليبعدك عنّا لأنه يخشى أن نستدرجك إلى البوح بما لا يحبّ»، فلم يستجب إبراهيم للطلب. عليّ هنا أن أستطرد لأقول لك إن علاقتي بكمال عدوان لم تكن على ما يرام. لا يتعلق الأمر بيساريتي أو بيمينيته، بل بواقعة بعينها أفسدت العلاقة. ولكي تدرك مغزى ما جرى، عليّ أن أمعن في الاستطراد وأروي تفاصيل الواقعة، ولعلك تعلم أن هذا العضو الفعال والمثابر على النشاط في قيادة «فتح» جاء إليها كما جاء كثيرون غيره من صفوف الإخوان المسلمين وبقي وهو في «فتح» كما بقي آخرون وفياً للعقيدة التي نشأ عليها، واحتفظ في عداد ما احتفظ به بعض الإخوان المسلمين للشيوعيين، وكان في هذا ما يكفي لتنفير الرجل مني ولكنه لم يكن سبباً للقطيعة لو لم تقع الواقعة التي أشرت إليها. فقد حدث أن شاباً من غزة منتمياً سراً إلى حزبها الشيوعي تيسرت له فرصة العمل سكرتيراً شخصياً لأمير من أمراء أسرة حاكمة في بلد خليجي. لن أذكر اسم الأمير فقد نسيته الآن. ولن أذكر اسم البلد فهذا مما لم تعد له أهمية. وسأسمي الشاب، هنا، ذكيّ ذلك أنه كان حقاً ذكياً، بل مفرطاً في ذكائه. وقد انتبه هذا الشاب إلى أن أميره ضالع في النشاط السري العالمي لحركة الإخوان المسلمين، فراح يراقب ما يقع عليه من وقائع هذا النشاط، ودأب على الاحتفاظ سراً بنسخ من المراسلات المهمة التي تمرّ بين يديه، حتى صارت في حوزته حقيبة مملوءة بوثائق خطيرة. وذات مرة، وقعت بين يدي ذكي وثائق تظهر أن الأمير موكل بإرسال شحنة أسلحة إلى جزيرة آبا السودانية، حيث يتمركز أنصار الإمام الهادي المهدي ويتهيأ هؤلاء للتمرد ضد النظام القائم الذي يرأسه النميري ويؤيده الشيوعيون. وقد حمل ذكي حقيبة وثائقه وجاء إلى دمشق وطرق باب منزلي.كان عطية المقداد وعبد الرحمن عوض الله اللذان يترددان كما تعرف على منزلي قد أوصيا عضو حزبهما السري هذا أن يتصل بي أو يراسلني إن احتاج لاتصال طارئ بهما. وعندما لم يجد ذكي قائدي حزبه ولم يمكن استقدامهما على عجل، اضطر أن يبوح لي بأسراره، وما أكثر ما اشتملت عليه حقيبة ذكي وما أخطر أسرارها ! وقد وجد السر الذي يخص السودانيين طريقة إلى المعنيين به. أما ما يخص كمال من هذه الحكاية فهو ما أظهرته واحدة من الوثائق وهو أن كمال كان موكلاً بالإشراف على مرور الأسلحة عبر الأردن في طريقها إلى السعودية ثم السودان. ولم أقدر وقتها عواقب اطلاعي على الأسرار الخطيرة، ففاتحت سعيد حمامي بالأمر، وكان مصطفى الحسيني الذي لا أخفي عليه أي سر حاضراً معنا. وطلبت من سعيد أن يتقصى ما إذا كانت قيادة «فتح» على علم بما أوكل إلى عضوها كمال أم أن التدابير تمت دون أن تعلم بها. وجاءني سعيد بالرد : لا علم لقيادة «فتح» بما جرى. ولأن سعيد مهذار، ولأن قيادة «فتح» تقصت الأمر مع كمال ذاته، فقد عرف المتهوم بما لا ينبغي أن يقدم عليه أني أنا الذي فضح السرّ . وفي غضون ذلك، كنت أنا قد أدركت خطورة ما أوقعتني هذه الحكاية فيه، فلجأت إلى الزوغان وقلت لسعيد، وبأمل أن يلم لسانه: لعلي أسأت فهم ما قرأته. وفي تلك الجلسة في بهو «شبرد»، لم يتركنا إبراهيم بكر حتى بعد أن كرر كمال المحاولة. فجاء كمال بنفسه إلينا وقال وقد أرعن الحنق صوته: «إبراهيم !، أحذرك، فأنت جالس مع صحافيين غير أمناء». وكانت هذه شتيمة لا نستحقها. وكان أسرعنا إلى رد الفعل مصطفى الحسيني، فقد قفز مستثاراً وفي نيته أن يشتبك مع الشاتم، وتعجلت أنا الإمساك بمصطفى قبل أن تطال يده الهدف، وأحطت به بذراعيّ وأوقفت اندفاعته. عندها، صرخ مصطفى غير حاسب حساب العواقب : «أتشتم يا جبان، أتظن أني أجهل حكاية الفلوس التي جاءت إليك من الهادي المهدي !». لم أكن أنا قد تحدثت في أي وقت عن أي فلوس. ولم يكن في الوثائق التي اطلعت عليها ما ينمّ عن أن كمال قبض فلوساً من أيما أحد غير أنه حنق مصطفى، وهو الذي أنطقه بهذه التهمة الجديدة. لحظتها، اختفى كمال فكأنه لم يظهر من قبل. ولم ينتبه إبراهيم المستغرق في مشكلته إلى مغزى عبارة مصطفى. غير أن ما حدث أو قيل وصل إلى صلاح خلف «أبو إياد» فأضاء شيئاً كان مستقراً في ذاكرته. وفي المساء، جاء أبو إياد إلينا، وقال بنبرة صوته المؤدبة: «باسم قيادة «فتح»، أعتذر لكم عن الإساءة». وشاء أبو إياد أن يستطرد، غير أني، أنا الراغب في طيّ المسألة، قاطعته وقلت إن الأمر كله لا يستحق هذا الاهتمام، وحاولت صرف الانتباه إلى موضوع آخر. ولكن المسئول عن أمن الثورة لم يكن قد جاء في واقع الأمر من أجل تقديم اعتذار فحسب، بل لغرض آخر لم تثنه مناورتي عن الإفصاح عنه. وقد توجه أبو إياد إلى مصطفى : «إيش حكاية فلوس الهادي المهدي ؟». وأحال مصطفى سائله عليّ. كان مصطفى قد هدأ وصار راغباً في التملص: «الحكاية عند فيصل»، وعندها جاء دوري لأتملص، فلم أجد أفضل من إنكار معرفتي بأي شيء. وأدرك أبو إياد أني متحرج، وكان كعادته لبقاً، فأرجأ الحديث إلى لقاء ضمني إليه في خلوة وفيه واجهني بغير مواربة: «سبق لك أن رويت الحكاية لسعيد. وفي السودان، عاتبنا النميري بدعوى أننا قدّمنا العون للمتمردين على نظامه». وقلت للرجل بعض ما أعرف وليس كلّه، وعندما تشبث العازم على جلاء الحكاية بأن يعرف مصدرها، قلت ما سأظل أردده في أي حال مماثلة: «حتى أمام القضاء لا يرغم الصحافي على كشف مصادره». والواقع أني لم أكن عند أبي إياد مجرد صحافي. لكن القائد الذي يحترم نفسه احترم حاجتي إلى الكتمان. وما أن انتهت دورة المجلس حتى عدت إلى دمشق. فقد وعدت رئيس التحرير صالح السغبيني المحتاج إلى وجودي بجانبه بأن لا أطيل غيابي عنه. وكان ثمة سبب آخر. فأثناء انعقاد الدورة، شدد الجيش الأردني حصاره على الوحدات الفلسطينية المتركزة في الأحراش وباشر هجمات تستهدف القضاء على وجودها هناك. وقد عكر هذا مزاجي فلم أعد قادراً على الانصراف إلى أي شأن شخصيّ بما في ذلك شأن أخويّ التوّاقين إلى بقائي معهما، وقوى دوافعي إلى العودة إلى عملي. وبعد أيام، اكتملت في الأحراش مأساة المقاومة التي ابتدأت في عمان. كنّا ما نزال في يوليو 1971، وفيه جرت تصفية المواقع الأخيرة للمقاومة، واستشهد القائد الفتحاوي الشهير أبو علي إياد وهو يقود المقاتلين الذين دافعوا عن وجودها، وفيه وقعت أيضاً الحادثة الأشدّ إيلاماً حين توجه بعض الناجين من الحصار ناحية الأرض المحتلة، لأنهم لم يجدوا طريقاً آخر للنجاة، فتسلمتهم سلطات الاحتلال. وبدا الفلسطينيون خارج الأردن الذين تحدثت بياناتهم عن مجزرة رهيبة عاجزين عن فعل أي شيء إزاءها سوى الاحتجاج والتفجع. بالنسبة لي، كان أوجع ما في هذا كله هو إدراكي أن ما وقع في الأردن هو ثمرة سياسات خاطئة وأخرى عاجزة، سياسات مغامرة وأخرى متهاونة، مارسها الفرقاء جميعهم وهي سياسات لم تتوقف، فلن يتوقف إذاً ، مسلسل نتائجها الناصعة. وبتأثير الهم الذي يكوي الروح ويوتر الأعصاب ويؤجج آلام الداء اللعين الذي يستوطن عامودي الفقري، كتبت تعليقي على الفاجعة ونشرته في عامودي الشهير. وفي هذا التعليق الذي ستعرف لماذا لا أنساه، حاولت أن أتعمق سبب النزاع الذي أفضى إلى العداء الدامي بين من كانوا إخوة تفرض عليهم ظروفهم أن يتكاتفوا بدل أن يتقاتلوا. وقلت في التعليق الذي كسته المرارة إن سبب الأسباب التي توقد الخصومة بين م، ت، ف، وبين الأردن يكمن في تنازعهما حق تمثيل الشعب الفلسطيني وصياغة مستقبله، هل تنفرد المنظمة الفلسطينية بهذا الحق فتمثل شعب فلسطين بأسره وبضمنه أبناؤه الذين يحملون الجنسية الأردنية، أم يستأثر الأردن به. وفي السياق، قلت إن الفلسطينيين طامحون إلى أن يكون لهم كيان مستقل يعترف به العرب جميعهم ويحترمونه وأن تكون م. ت. ف. هذه التي يرى الفلسطينيون فيها كياناً معنوياً، هي المسئولة عن صياغة مستقبلهم وتوجيه عملهم لتأسيس كيانهم في وطنهم. ثم تساءلت أما آن الأوان لكي تقرّ الدول العربية كلها بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وتحترم كيانه ؟ واتبعت هذا القول بما ختمت التعليق به: كيف يمكن أن نطلب من دول العالم أن تؤيد حقوق الشعب الفلسطيني وتحترم كيانه حين تحجم دول عربية عن فعل هذا ! وعليّ أن أقرّ بأن التعريض بمواقف «دول عربية» انطوى من جانبي على التعريض بموقف سوريا وليس الأردن وحده. ذلك أن سوريا كانت تتسلح بدعوتها إلى دولة العرب الواحدة وتعارض التوجه إلى تأسيس دولة فلسطينية مستقلة، وكان هذا يغيظني فكيف تجيز سوريا لنفسها أن تعترف بدول العرب العديدة كلها بما فيها دول كثيرة لا تتوفر لها من مقومات الكيان المتميز إلا رغبة ناسها في التميز ثم تأبى أن تقرّ مشروعية الدعوة إلى دولة مستقلة للشعب الفلسطيني. وقد استخدمت كلمة كيان في التعليق بدل كلمة دولة لأن استخدام الأولى كان جائزاً في الإعلام السوري أما الدعوة إلى دولة فلسطينية فكانت من المحرمات. وقبل أن أحدثك عن ردود الفعل على التعليق، يجدر أن أروي لك واقعة أظن أنها أججت ردود الفعل هذه. فقبل سفري إلى القاهرة، لبيت دعوة صديقي نور الدين محيي الدينوف السفير السوفييتي إلى احتفال نظمته السفارة. وكان هذا ، إن لم تخنّي الذاكرة، احتفالاً بيوم الصحافة السوفييتية، وقد حظيت فيه كالعادة بحفاوة ورعاية متميزتين. وفي الاحتفال، قادني السفير بيديه إلى حجرة جانبيه دعا إليها كبار الحاضرين من قادة الأحزاب والوزراء والذين لهم أهمية خاصة. ابتدأ الرجل بالجالس على يمينه وعندما تمت الدورة ووصل إلي أنا الجالس على يساره، كان قد شرب عدداً وافراً من الكؤوس وبهت تحفظه وانطلق لسانه. وهكذا، فأطنب السفير السوفييتي في مدحي واصفاً إياي بأني الصديق الكبير للاتحاد السوفييتي. وكان مما قاله السفير في مدحي إنني أنا الصحافي الذي كلما فتح هو جريدة «البعث» ووجد اسمي لا يزال فيها وعامودي اطمأن إلى أن سوريا لا تزال بخير. ولم أنتبه أنا إلى أي شيء غير عادي في إطناب من لسان أفلتت الفودكا ضوابطه. غير أن نبيه ارشيدات الجالس بجانبي همس في أذني: «سيكلفك هذا المديح غالياً عند البعثيين». وبعد أن ظهر التعليق الذي أجازه رئيس التحرير كما يجيز أي مقال لي، مضى اليوم الأول دون أن يقع ما يسوؤني. لكني فوجئت في صباح اليوم التالي حين وصلت إلى مكتبي في الجريدة مبكراً كالعادة بوجود دعوة لي أبلغت إلى الجريدة مع بداية وقت العمل في الثامنة تطلب مني التوجه فوراً إلى مكتب العميد ناجي جميل. وكان هذا وقتها عضواً في قيادة حزب البعث وقائداً للقوى الجوية ورئيساً لمكتب الأمن القومي الذي يشرف على أجهزة الأمن كلها، ولم تربطني به أي صلة شخصية تزيد على اللقاءات العابرة، ولم يكن في ما أعرفه عنه ما يشجعني على السعي لتوثيق علاقتي به.