الاحتلال الاسرائيلي يلحق اضرارا فادحة بالاطفال الفلسطينيين ومجتمعهم وعلى الاسرة الدولية ان تتدخل بسرعة وان لا تكتفي باصرار القرارات الرمزية. استطلاع نشر مؤخرا يشير الى وضع طاريء في كل ما يتعلق بتغذية الاطفال الفلسطينيين: 22 في المئة من الاطفال يعانون من سوء تغذية حرج او مزمن بدرجة معتدلة حتى شديدة وخمسهم يعانون من فقر الدم المعتدل حتى الشديد. الدراسة تمت باشراف مدرسة الطب العامة في جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة الاميركية. وقد قامت بفحص مستوى تغذية وتوفر الغذاء في الاسواق والاستهلاك البيتي. الدراسة وجدت ان الارتفاع الخطير في معدل الذين يعانون من سوء التغذية يرتبط مباشرة بقيود الحركة التي تفرضها اسرائيل وللوضع الاقتصادي الصعب في المناطق الفلسطينية. النقص في الغذاء يعود في الدرجة الاولى لاغلاق الطرق والحواجز ومنع التجول الذي تفرضه اسرائيل. اما الوضع الاقتصادي واثره فقدان قوة الشراء فقد كانوا العامل المركزي من وراء عدم استطاعة الناس شراء الغذاء اللازم. 56 في المئة من العائلات قالت انها قد اضطرت الى تقليص كمية الغذاء الذي تستهلكه طوال اكثر من اسبوع واحد خلال الاسبوعين اللذين سبقا اجراء الاستطلاع. ثلثيهم قالوا ان السبب يعود الى نقص المال والثلث نسبوا ذلك لمنع التجول والاغلاق المفروض من قبل الاسرائيليين. الدراسة وجدت ان 36.6 في المائة من العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة غير قادرة على انفاق يسمح لهم بالغذاء المتواصل والمستمر والثابت. الوضع الاكثر سوءا كان في غزة و3.41 في المئة من العائلات تحدثت عن انها قد اضطرت لبيع ممتلكاتها لشراء الغذاء. العقاب الجماعي يؤثر بهذه الطريقة: اسرائيل تفرض قيودا على الحركة فيفقد الفلسطينيون اماكن عملهم في داخل اسرائيل ولا يستطيعون الوصول الى مكان عملهم في المناطق المحتلة فينخفض مستوى مداخيلهم. على حد قول البنك الدولي وصلت نسبة العاطلين عن العمل في المناطق الى 35 في المائة في عام 2001. حسب معطيات مركز الاحصاء المركزي الفلسطيني عاش اكثر من ثلثي العائلات الفلسطينية تحت خط الفقر البالغ 340 دولار في الشهرين الاوليين من عام 2002. كيف يؤثر الامر على الاطفال؟ الدراسة اعطت الجواب على ذلك: تجار المفرق والجملة الفلسطينيين يجدون صعوبة في جلب الغذاء للسوق خصوصا اللحم الطازج ومنتوجات الحليب (الهام للاطفال). وحتى ان استطاعوا جلب الغذاء للسوق فلا تتمكن اسر كثيرة من الوصول للمحلات بسبب قيود الحركة وعدم قدرتها على شراء غذاء ذو نوعية معقولة. الفلسطينيون اضطروا لشراء كميات متناقصة تدريجيا من الاغذية الثمينة وذات البروتينات العالية مثل الاسماك ولحوم الابقار والدجاج. نقص البروتينات هو احد الاسباب المباشرة لسوء التغذية وفقر الدم.الاستطلاع يرى ان الاحتلال الاسرائيلي هو اكثر من مجرد جندي يحمل بندقية، انه جهاز سيطرة يطبع بصماته بشكل جيد على حياة ثلاثة ملايين فلسطيني 53 في المئة منهم اطفال. للعمليات الاسرائيلية تأثير مشابه ايضا على مجالات اخرى ذات علاقة برخاء ورفاهية الاطفال. سياسة الاحتلال تمنعهم من الغذاء الجيد والتعليم وتحرمهم من البيوت والاباء والاخوة وتتسبب في موتهم واصابتهم واعتقال الالاف منهم وسجن مئات الاف من الاطفال في البيوت طوال ايام كاملة تحت منع التجوال.التأثيرات النفسية المتراكمة للعامين الاخيرين على الاطفال الفلسطينيين كانت هائلة وستتطلب سنوات طويلة من العمل المكثف لمواجهتها. هذه العوامل تستلب من الطفل احتمالات حصوله على مستقبل لائق. الحكومة الاسرائيلية تعود وتقول انها لا تعتبر المدنيين الفلسطينيين هدفا لها ولكن ليس من الممكن تطبيق هذه السياسة من دون انزال المجتمع على ركبته واركاعه. الاسرة الدولية لا تستطيع ان تواصل غض البصر. في الخامس من اغسطس اتخذت الجمعية العامة للامم المتحدة قرارا رمزيا اضافيا يدعو الى وقف العنف في كلا الجانبين. ولكن المطلوب من الاسرة الدولية هو التدخل بواسطة عمل محدد يضع حدا للاحتلال الاسرائيلي.في توصيات الدراسة جاء ان «سوء التغذية الحرج اليوم سيصبح سوء تغذية مزمن غدا ان لم تحدث سلسلة من الخطوات ذات العلاقة بالاقتصاد والسياسة والصحة». الاسرة الدولية ستحسن صنعا ان استيقظت وتحركت. اذ كيف سيبدو الوضع بعد 10 - 20 سنه عندما يصل هذا الجيل من اطفال سوء التغذية الى سن البلوغ والرشد؟ عن « هآرتس »