أجرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز حوارا مؤخرا مع جيمس ووسلي الذي شغل منصب مدير الاستخبارات المركزية الاميركية في الفترة من 1993 الى 1995، تم خلاله القاء الضوء على عدد من القضايا، منها مدى النجاح الذي تم تحقيقه في اطار الحرب على الارهاب، وموقف الولايات المتحدة الاميركية تجاه كل من المملكة العربية السعودية والعراق، وما هي افضل السبل لتحقيق نجاح مطمئن في اطار الحملة العالمية ضد «الارهاب». وجاء الحوار كالتالي: ـ مر عام على الهجمات التي شنها تنظيم القاعدة على نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر الماضي. فما هي النجاحات التي تم تحقيقها في اطار الحرب على الارهاب؟ وما هو الذي يبقى ويتوجب فعله؟ ـ على الرغم من حالة اللايقين التي تبقى مسيطرة على مستقبل افغانستان، يجب النظر والتعامل مع الحرب ضد الارهاب على انها نصر كبير. فقد تم حرمان القاعدة من قاعدة عملياتها. وتم اعتقال وضبط عدد كبير من كبار قادتها، على الرغم من اننا لا نزال لا نعرف مصير اسامة بن لادن نفسه. ولكن فيما وراء ذلك يظل تهديد الارهاب يواجه الولايات المتحدة الاميركية، فهناك ثلاث حركات تحارب ضدنا: الاسلاميون الشيعة المتمثلون في الطبقة الدينية الحاكمة لايران، والاسلاميون السنة في القاعدة، وآخرون تقوى شوكتهم بفضل الدعم الذي يتلقونه من السعودية والطوائف الدينية الاخرى الشديدة التقارب معهم مثل الطائفة الوهابية والاسلاميين المنتمين الى جماعات اكثر عصرية في توجهاتها ومستمدة من جماعة سيد قطب في مصر. أما الحركة الثالثة فمتمثلة في البعثيين الذين يسيرون على نمط الفاشيين في أوروبا. وهنا أنا أتكلم عن حزب البعث العراقي، على الرغم من انه يمكن ايضا تضمين سوريا في هذا النطاق. جميع تلك الحركات استهدفت وتستهدف الولايات المتحدة منذ فترة: فالشيعة يستهدفون أميركا منذ 1979 والبعثيون منذ 1991، لأنه تبعا لمعتقداتهم وكما قال «الرئيس العراقي» صدام حسين ان «حرب الخليج لم تنته بعد» فهؤلاء يواصلون العمل على بناء وشراء اسلحة دمار شامل خارقين بذلك تعهداتهم بشأن وقف اطلاق النار بموجب قرارات الأمم المتحدة، وتواصل استخباراتهم العمل مع عدد من الجماعات الارهابية.اما السنة فكانوا يركزون جهودهم على «العدو القريب» من القادة والأنظمة العربية وذلك حتى منتصف التسعينيات عندما قاموا تحت قيادة القاعدة بتغيير هدفهم وقرروا استهداف «الصليبيين واليهود». كل تلك الحركات تعتبر نفسها في حرب ضد اميركا. وتم التعامل بشدة فقط مع القاعدة من قبل أميركا وحلفاءها. ولحسن حظ الغرب، يعاني الشيعة من صراعات داخلية لا تنتهي. فهم يسيئون التعامل مع اقتصادهم وكلهم يقومون باستغراب وتغييب شبابهم من رجال وسيدات حتى اصبح مصيرهم اكثر شبها بقادة الكرملين عام 1988 او الملكية الفرنسية عام 1788. ان العاصفة لم تهب بعد، ولكنها آخذة في التجمع. الشيء المهم هنا هو ليس العمل على التفاهم مع القادة الاصلاحيين مثل الرئيس خاتمي ـ فمن الواضح ان الطبقة الحاكمة في ايران تسعى للحصول على الاستثمارات التي ستصل للبلاد في حال الوصول الى علاقات افضل مع الاوروبيين ـ ولكن العمل على دعم الاصلاحيين الحقيقيين من الطلبة ومحرري الصحف المعتقلين وآية الله حسين علي منتظري. ـ اذن فان الباقي من برنامج الحرب على الارهاب يتعلق بالسعودية والعراق، دعنا نتحدث عن السعودية أولا. ماذا يجب القيام به هناك؟ ـ المسلمون السنة والوهابيون والاموال السعودية التي تساعدهم كلها اشياء تمثل لب المشكلة الضخمة هناك. لذلك فانه بجانب العمل على القضاء على القاعدة والاسلاميين السنة، نحن في حاجة الى تحطيم قوة سلاح النفط السعودي، وهو السلاح الذي يستخدمونه ويرفعونه في مواجهة الغرب. ان قدرة الانتاج النفطي «المتأرجحة» المتمثلة في قدرة السعوديين على زيادة انتاج ثلاثة ملايين برميل من النفط يوميا او ايقافها ـ وهي القدرة التي يصفها خبراء البترول بأنها «السلاح النووي السعودي» هي التي تدفع بأسعار البترول، الى أعلى والى أسفل بشكل يومي. لذلك فاننا بحاجة الى التحرك سريعا وبشكل حاسم للتوصل الى أنواع متجددة من الوقود وبحاجة الى انشاء خطوط انابيب اضافية مع روسيا، وبحاجة ليس فقط الى توسيع احتياطات النفط الأميركي ولكن تشجيع حلفائنا الى توسيع احتياطاتهم حتى نكون في حال تهديد السعوديين باستخدام سلاح النفط، قادرين على تحييد تأثير هذا التهديد على السوق العالمي. هذا الامر سوف يقلل من قدرتهم على استخدام اداة القوة الحقيقية الوحيدة التي يملكونها ان السعوديين كانوا حلفاء أميركا اثناء الحرب الباردة وكانوا حتى اصدقاءنا. ولكننا تعدينا هذه المرحلة الآن. ـ اذن ماذا بشأن العراق؟ ـ من المهم التأكيد على اننا بينما نمضي نحو تغيير النظام في العراق، يجب علينا ان نقوم بالامر بشكل حاسم وبطريقة تعلم الجميع بأننا مصممون على النجاح. من المهم جدا ان يكون هدفنا العمل على احلال نظام يعمل نحو الديمقراطية، وليس فقط القيام بمحاولة انقلاب تأتي بديكتاتور اخر محل الديكتاتور البعثي. فاذا انضم الينا حلفاؤنا في الناتو وبريطانيا وتركيا، واصبحنا قادرين على استخدام قواعدنا في الخليج، سوف ننجح في هذا الامر. سيكون من المفيد ان تكون لدينا قاعدة عمليات في السعودية، ولكن الامر ليس حيويا. في الواقع، ان السبيل الوحيد للحصول على تعاون السعودية هو عندما يرون هم اننا باستطاعتنا التقدم من دونهم وبدون مساعدتهم. حينذاك لن يرضوا بأن يظلوا على الجانب الخاطئ من التاريخ الذي يتمسكون به الآن. ـ ما هو السيناريو العسكري الذي يضمن النجاح؟ ـ هناك حاجة الى استخدام القواعد الموجودة في تركيا. ونحتاج ايضا الى تعاون البريطانيين، الذين، كما تبين في الحملة على افغانستان، لديهم القدرات الحربية التي تتماشى مع قدراتنا بالشكل الذي لا يستطيع توفيره حلفاؤنا الآخرون. فمعظم الدول الأوروبية مسلحة بشكل جيد للدفاع عن اراضيها ضد غزو يأتي مثلا من روسيا البيضاء مكون من قوات مشاة ومدفعية، ولكنهم لا يملكون الا قدرات محدودة لمواجهة الحرب الكيميائية والبيولوجية وليس لديهم قوات خاصة جيدة جدا. ولكن هنا تكمن النقطة الرئيسية: في حرب الخليج استخدمنا 5% من اسلحتنا الذكية، ولم نقم باستهداف، بشكل مباشر، مراكز التحكم والقيادة او ادوات ووسائل قوة الدولة. اما في افغانستان، فقد استخدمنا 65% من اسلحتنا الذكية. فبفرض ان قمنا باستخدام النسبة نفسها من أسلحتنا الذكية وقمنا بمهاجمة مراكز القيادة والتحكم والمؤسسات والادارات الرئيسية للدولة العراقية، مثل قوات الحرس الجمهوري ومواقع الاسلحة، سوف يكون للحملة الجوية نتيجة حاسمة بشكل مبكر نسبيا. وبالتأكيد سيقنع المدى الشديد من القصف الموجه الذي سنقوم به الجيش العراقي ـ الذي يقل الآن عن نظيره في حرب الخليج بمقدار النصف ـ بالاستسلام امام اي طرف يأتي الى العراق. فالامر لن يستغرق اكثر من خمسة اسابيع، تماما مثلما حدث في 1991 عندما استسلم هذا الجيش امام اي طرف اتى الى العراق، بمن فيهم اعضاء التلفزيون الايطالي. وهناك حتى فرصة ان نعد قوة عسكرية فعالة مماثلة لتحالف الشمال في افغانستان، اذا وجد تعاون صحيح مع الأكراد، والتركمان في الشمال. اما في الجنوب فلا يوجد قوة شعبية مماثلة، حيث نحتاج هناك الى ما بين 100 الى 200 الف جندي اميركي. وفي حال دخل الحرس الجمهوري العراقي في حرب داخل بغداد، حتى في حالة استسلام الوحدات الاساسية من الجيش العراقي، فان المعركة ستكون دموية بشدة ولذلك يتوجب علينا ان يكون لدينا قوة كبيرة من الجنود والقوات هناك. ـ هل قلقك يتركز في امكانية ان تستخدم العراق اسلحة الدمار الشامل لديها ضد الولايات المتحدة ام ان يتم تسريب تلك الاسلحة بشكل سري او تقع بأي شكل من الاشكال في ايدي «ارهابيين» يستفيدون منها؟ ـ انا قلق من الامكانيتين. فالسماح للنظام العراقي، في ضوء علاقاته بالارهاب وطموحاته التاريخية واستعداده الذي تمثل في استخدام اسلحة كيماوية ضد ايران وضد شعبه الكردي، بمواصلة تطوير قدرته في هذا الشأن مع مرور كل شهر يعتبر خطأ واضحاً نحن متأكدون من اننا يمكن ان نندم عليه. وسوف يكون كذلك خطأ تاريخياً مشابهاً في فداحته لخطأ الفشل في مواجهة هتلر، بعد ان استولى على الراين عام 1934، اذا تركنا صدام يواصل يوماً بعد يوم تحقيق هدفه في الحصول على صواريخ بالستية بعيدة المدى وقدرات نووية وكيميائية اضافية. فعندما قررت اوروبا اخيراً ايقاف هتلر عندما قام بغزو بولندا بعد ذلك بأربع سنوات وبالتحديد عام 1939، كان هتلر وصل الى درجة من القوة يصعب معها ايقافه. ولنفس السبب لا يمكن للغرب ان يجلس وينتظر حتى يبني صدام اسلحة دمار شامل.المفهوم الجديد الذي نشأ من هذه الحرب «اللامتوازية» ضد الارهاب هو مفهوم «الردع الوقائي» او الهجوم الاحترازي. ولأن الارهابيين دائماً ما تكون لهم ميزة الضرب بشكل مفاجئ وفي اي وقت عن طريق الوصول الى اراضيك، فإن الوسيلة الوحيدة للدفاع هي الوصول اليهم حيثما هم الان قبل ان يطوروا قدرة على القيام بهجمة مدمرة. ـ هل توافق على المفهوم الجديد للحرب في القرن الواحد والعشرين؟ ـ هذا يعتبر جزءاً مهماً من التفكير الجديد. ففيما يتعلق بالجانب القانوني، نحن لا نزال في حرب ضد العراق، وهي حرب وافقت عليها الامم المتحدة والكونغرس الاميركي في عام 1991 وصدام حسين نفسه لا يعتقد ان الحرب انتهت. فهو لا يزال ينتهك اتفاقية وقف اطلاق النار. ان المخاطرة الحقيقية هنا هي ان يأتي احد من الامم المتحدة بمشروع لاجراء تفتيش وهمي عن الاسلحة يوافق عليه صدام ويقول الناس ان «المشكلة قد تم حلها» هذا هراء. لقد خدع صدام نظام التفتيش من قبل. وكذب بشأن وجود اسلحة بيولوجية حتى هرب زوج ابنته من العراق وافشى كل شيء. والان يكذب صدام ويقول انه دمر كل تلك الاسلحة، ونحن نعلم ان لديه معامل متحركة. كيف لنا ان نصدق نظام تفتيش يقوم بالبحث داخل معامل متحركة تتحرك الى الخارج عن طريق باب خلفي عندما يتم النقر على الباب الامامي؟ قدرات صدام متنوعة ومتفرقة بشكل كبير وقدر كبير منها مدفون تحت الارض. وأي شخص يعتقد ان نظام التفتيش سوف يجدي فإنه ينكر الحقيقة، ويخفي رأسه في الرماد كما تضع النعامة. نحن نخوض حرباً جديدة تسيطر فيها عمليات الاغتيال والخداع واخفاء الهوية، وهي الصفات التي تنطبق بشكل تقليدي على حروب الصحراء ـ على استراتيجية العدو. لا يمكننا محاولة خوض تلك الحرب كما تقوم دولة بمحاربة اخرى وتعبر الحدود وترفع الاعلام. علينا ان نخوض الحرب التي فرضت علينا. لقد شن الشيعة والسنة حربهم علينا عن طريق خطف الطائرات والهجمات الارهابية في الخفاء وتحويل الاموال بطرق سرية. وقام الفاشيون البعثيون بقيادة صدام حسين بخوض حرب اكثر تقليدية بغزوهم الكويت. في هذه المرحلة لن يكرر صدام الخطأ نفسه. فهو سوف يحاول تأكيد نفوذه لأنه يملك اسلحة دمار شامل، وسيحاول ان يعطي هذه الاسلحة الى جماعات ارهابية لضربنا بها، كما هدد ابنه قصي مؤخراً.سوف يكون عملا احمق من طرفنا اذا ادعينا ان اعداءنا سوف يلتزمون بقواعد اتفاقية على غرار اتفاقية ويستفاليا التي انهت حرب الثلاثين عاماً في المانيا عام 1648. فاليوم نحن نواجه حرباً اكثر صعوبة من تلك التي تنشب بين دولتين مسلحتين. لذلك فإنه علينا ان نرد بنفس الصورة. وينبغي ان يكون الهجوم الاحترازي او الردع الاستباقي بالتأكيد احد الوسائل الجديدة في ترسانتنا. ترجمة :حاتم حسين عن « لوس انجلوس تايمز»