السفر من الهوايات الجميلة التي يعشقها الناس منذ القدم ورغم ما يعانيه المسافر من تعب وارهاق أثناء سفره الا انه ينسى ذلك كله ما أن يصل وجهته، والعناء المرير، الذي كان يتكبده المسافر قديما والذي ربما يحمله كذكرى مؤرقة ومؤلمة اصبح لا وجود له حاليا اذ غدا السفر أكثر راحة وسهولة ابتداء بالحقائب التي تحزم قبيل السفر والتوجه الى المطار وانتهاء بالصعود على متن الطائرة والاسترخاء على الكرسي وخلال ساعات قليلة يصل الشخص الى غايته، فالسفر اصبح مريحا من الناحية النفسية ولا مشكلة فيه ولكن المشكلة هو الصديق الذي يرافقك في سفرك، فالكثير منا يقرر السفر برفقة صديق له وهناك يكتشف حقيقة هذا الصديق ويصدم لسوء اخلاقه وطباعه ويأسف لاختياره رفيقا له في سفره. «دنيا الناس» تناقش مع الجمهور الاسس والمقومات التي يجب توافرها في الصديق حتى يتم اختياره مرافقا للسفر.سعيد احمد ـ موظف ـ يقول ان الصديق يجب ان يختبر حتى تتم معرفته جيدا فهو سيكون رفيق الحياة وسيطلع على اسراري قليلها وكثيرها جيدها ورديئها وبالتالي يجب علي ان اضع سري عند من اذا اعطيته الامانة حفظها واذا امليت عليه السر كتمه واذا ما غبت عنه حفظني وهذه جميعا اسس يجب ان تتوفر في الصديق، والاصدقاء في رأيي درجات وافضلهم الصديق الذي يكون مصاحبا لي في السفر فيجب ان يكون على درجة كبيرة من الأمانة وصدق الحديث وحسن الاخلاق بعيدا جدا عن الكذب وفساد الطباع لأنني عندما اختار الصديق الذي سوف يصاحبني في سفري فأنا ادرك تماما انه سوف يكون قريبا مني حيث اقضي معه اليوم بأكمله وتحتضننا غرفة واحدة وسوف نكون متلازمين مع بعضنا بعضا وكأننا شخص واحد ونعطي انطباعا واحدا عن انفسنا ويطلق الحكم علينا من خلال احدنا وهذا عبء كبير اتحمله وحدي فان لم احسن الاختيار وقعت في المحظور والصقت بي افعال لم افعلها واقوال لم اقلها في يوم ما واخلاق سيئة لم أتصف بها في حياتي ولكنها الضريبة التي اجنيها من خلال الصديق السيئ، ولذا فأنا انصح كل من يفكر باصطحاب صديق معه في السفر ان يعلم حقيقته من حيث القول والفعل فان كان حسنا فقد حسنت معه الرحلة وان كان سيئا فقد ساءت معه الرحلة ولينظر احدنا ما ينفعه ويترك ما يضره. تجربتان متناقضتان ومن خلال المحطات الكثيرة في ذاكرتي كانت لي محطتان متناقضتان الاولى السفر الى احدى الدول ذات السمعة السيئة والله يعلم انني ذهبت بقصد السفر لذاته وليس بحثا عن الملذات وكان الصديق انسانا فاضلا فهو دمث الاخلاق صادق كتوم للسر حافظ للامانة ولم اخش منه على نفسي وكان بحق الصديق الذي لا يرى مثله في هذه الايام، وكان جدولنا يشبه تماما الجدول الذي نقضيه في بلادنا حيث نصحو باكرين فنبدأ بصلاة الفجر ثم الافطار ومن ثم النزول من الفندق والذهاب الى الاسواق للتعرف عليها وعلى طرقاتها والناس وكل ما في تلك البلاد وبقينا قرابة الشهر لا نفترق ابدا الا عند النوم ولم نذهب الى اماكن السوء والفساد وكان صديقي بعيدا عن تلك الامور ولم يحدثني بتاتا عنها وكانت معرفتي به قليلة لم تتجاود الاربعة اشهر فقط وعندما نفدت أموالي ولم أدر ماذا افعل اصبحت شاحب الوجه وتغيرت احوالي معه فسألني عن السبب فأخبرته ان المال الذي بحوزتي قد نفد وباقي على العودة اربعة ايام فقال لي وهل هذا يستوجب منك ان تكون بهذه الحالة فمالي لم ينفد وخذ منه ما شئت فأنا وأنت جميعنا واحد ولم نأت هنا الا للراحة وقضاء وقت جميل فأخجلني تماما صنيعه وفور عودتي الى البلاد ذهبت اليه لأرد المبلغ فقال لي ان كنت تريد دوام الصداقة بيننا فخذ مالك وان كنت تريد انهاءها فسوف آخذه منك الآن وعندها علمت ان الصديق الوفي هو انبل من في الوجود. اما المحطة الثانية التي اتمنى ان يمحوها الله من ذاكرتي فهي انني سافرت بصحبة صديق قديم لي الى احدى الدول العربية وهذا الصديق تتجاوز معرفتي له السنوات العشر ولم أر منه الا ما يسر فقررت اصطحابه معي وفور وصولنا الى تلك الدولة انطلق مسرعا لشراء علبة سجائر وقال لي اتريد واحدة؟ فقلت له: لم اعهدك يا صديقي تدخن! قال: ان السفر يفرض على الشخص بعض الاعتبارات احيانا، فأوجست في نفسي خيفة منه وعندما وصلنا الى الفندق توضأت للصلاة فقلت له الا تريد الصلاة؟ فقال: اني مرهق من هذه الرحلة وسوف انام قليلا وبعدها اصلي ان شاء الله وعندها تأكدت انني احضرت معي شرا مستطيرا وكما توقعت رأيته امام المرآة لابسا افضل ما عنده وقد عبقت الغرفة برائحة العطر التي سكبها على جسده وثوبه وقال لي هيا تجهز للنزول معي فقلت له الى اين قال لي لنرى الدنيا الجميلة فقلت له اذهب لوحدك فاني مرهق ولا اقوى على الذهاب فقال لي انت الخسران فنزل وجاء الى الغرفة وقد شق الفجر خيوطه الاولى ورأيت الذي لم أر الا في الافلام كان شاربا ثملا لا يستطيع المشي ورائحة الخمر تفوح من فمه وكان هذا دأبه طيلة السفر وفي احد الايام اقدم على سرقة نقودي، عندها قررت العودة الى بلادي ومقاطعة هذا الذي كنت اسميه صديقا. النجاة في الاختيار ويقول احمد عبدالجبار صليعي ـ موظف ـ الصداقة في نظري انواع فمنها صداقة العمل والدراسة والاسرة والطريق والعمل والسفر وبعض هذه الصداقات كصداقة العمل والدراسة عزيزة على النفس ومرتبطة بالزمان والمكان في نشأتها. ولكن على قمة هرم الصداقة تأتي صداقة السفر فلرب صديق صادقته اكثر من خمس أو ست سنوات وفي السفر تراه شخصا اخر ومناقضا تماما للحال التي عهدتها عليه والعكس صحيح ربما تصادق شخصا لا تعرفه الا لبضع دقائق وتتخذه صديقا لك في سفرك فتراه نعم الصديق الذي لا يعوض ولا يبدل وخسارته هي الخسران المبين ولذلك نرى في بعض المعاجم اللغوية ان من معاني كلمة السفر انها تسفر عن احوال واخلاق الرجال وذلك في المسافرة اي يسفر عن وجهه والسفر يكشف الحقائق الدفينة عند الشخص وكثيرا ما حثت كتب الادب على اختيار الصديق المناسب عند السفر وقد قال احد الاشخاص لعلي بن الحسين بن علي بن ابي طالب: اني اريد السفر وارجو ان تكون صديقي في السفر فقال له علي: اتركنا فقط صديقين هنا ولا تصاحبني في سفر علّني القى منك ما أكرهه أو تلقى مني ما أكرهه. وهذا يدل دلالة واضحة ان اختيار الصديق عند السفر ليس بالامر السهل والدليل الثاني انه عندما اراد الفاروق عمر بن الخطاب ان يستعمل احد الرجال قال لجلسائه: من منكم يعرف الرجل؟ فانبرى احدهم قائلا: انا اعرفه انه رجل صالح عالم تقي نقي لا يخشى في الله لومة لائم يقول الحق ولو على نفسه فقال له الخليفة عمر رضي الله عنه: هل سافرت معه؟ فقال: لا فقال له عمر، اذن لا تعرف الرجل حق المعرفة، وتنبع الاهمية البالغة لاختيار الصديق اثناء السفر من كونه مقترنا بصديقه فهو دائم الوقت معه في مأكله ومشربه وتجواله وحديثه وسكوته وربما يتضرر البعض من جراء سلوكيات بعض اصدقائهم في السفر ممن يخلعون ثياب الطهر ويرتدون ثياب الرجس والدناءة لاسيما وان كثيرا من الناس نفوسهم ضعيفة لا تقوى على محاربة الفساد فتراهم ينقادون انقياداً اعمى نحو شهواتهم وملذاتهم ويفسدون بذلك اخلاق اصدقائهم ولكن لو صان الشخص نفسه عن مصادقة كل دنيء في السفر لدرأ عن نفسه فساد امره وسوء حاله وتبلد اخلاقه وانا شخصيا اصادق الجميع في بلادي ولكن عند السفر افضل السفر وحدي خشية الاصطدام بصديق يجرني الى حافة الضياع او اختاره بعناية وحذر بالغين حتى انجو بنفسي وافوز بصداقة صحيحة. صديق الغربة حسن رواس ـ موظف ـ يقول: لقد قدمت من سوريا الى الامارات للعمل وتحسين وضعي المعيشي وحتى اتمكن من مجابهة الحياة وظروفها الصعبة وليس هناك ما هو امر على المرء من ان يترك بلاده مسافرا الى مكان آخر مهما كانت الظروف والدلالة على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هم بالخروج من مكة مهاجراً الى المدينة المنورة مخاطبا مكة انك احب البلاد اليّ ولولا ان اهلك اخرجوني ما خرجت، ولكن مما يهون على المغترب الوحدة والهموم هو الصديق ولكن ليس اي صديق انه الصديق الوفي المخلص الذي تشعر تجاهه بأنه اخوك وهو يبادلك الاحساس نفسه وعون لك على ملمات الدهر وحائطاً منيعاً يصد عنك غوائل الايام وهذه اسس اختياري للصديق حتى يتسنى لي العيش في طمأنينة وهدوء بال وراحة نفس حتى اجد انسانا يسأل عني اذا ما غبت ويمد لي يده متى احتجت، تلك الأسس طبقتها حين اردت صديقاً لي في سفري الى الامارات وتوخيت الحذر والدقة في الاختيار حتى وقعت على ضالتي المنشودة وهو صديق يجسد معنى الصداقة الحقيقية في اسمى معانيها واليوم وبعد مرور فترة من الزمن لا نزال نسكن في غرفة واحدة اقاسمه الاكل والشرب والحياة بفرحها وهمها حتى المال يأخذ مني وآخذ منه وكأننا شخص واحد وكلانا يحفظ لصاحبه كرامته فلا هو يذهب لاماكن اللهو والفساد ولا انا كذلك فتأثرت به تأثيرا واضحاً لاستقامته وحسن افعاله وخلو منطقه من شوائب الالفاظ وهذا التأثير مهم فلو كان العكس وكان سلبيا لانعكس ذلك على شخصيتي وتصرفاتي وكذلك من المهم ألا يكون الصديق المختار للسفر محباً للصمت والانزواء فذلك من شأنه ان يجلب الكآبة لصديقه ويجعله يشعر بالضيق والوحدة وهي حال صعبة للغاية على من يغادر بلاده للعيش في بلد آخر اذ يعاني غربتين غربة الوطن وغربة النفس. رجاء لم يخب احمد راشد ـ موظف ـ يقول ان اختيار الصديق وخاصة في السفر يتطلب معايير وأسساً ثابتة لملازمته الدائمة لصديقه واطلاعه على اسراره ومعرفته بهمومه ومشاكله وهذا القرب الشديد اما يكون ايجابي النتائج أو سلبيا والمرء اما ان يشعر بالراحة النفسية والطمأنينة لكي يستند اليه او يشعر بخسارة كبيرة لتحطيم صورة الصديق امامه بكل معانيها التي كانت في يوم ما جميلة لذا ينبغي الاختيار الدقيق لصديق السفر خاصة وان السفر انواع فهناك سفر للسياحة وآخر للعمل وثالث للدراسة وهي تتفاوت من حيث المدة والطبيعة وكلها لا تختلف على ضرورة اختيار الصديق المناسب. ولي تجربة شخصية خضتها مع احد الاصدقاء خلال فترة الدراسة في المملكة الاردنية حيث قضيت فترة اربع سنوات للحصول على الشهادة الجامعية وقبل السفر قمت بالتعرف على الاشخاص الذين سيتوجهون معي لقضاء فترة الدراسة وصادقتهم جميعا وكنا خمسة او ستة طلاب وعرفت طبيعة كل واحد منهم فكان منهم الجاد ومنهم اللامبالي وكان يتحتم علي اختيار واحد منهم لان السكن سيكون مشتركا بيني وبينه كما انني سوف اقضي كل الوقت معه والحمد لله لم يخب الله رجائي، في صديقي فقد كان نعم الصديق والمعين لي دائما على الخير والعزاء الوحيد في غربتي وكثيراً ما يحول ساعات الضيق الى ساعات مليئة بالفرح والبهجة وكان بجانب هذا شخصاً مستقيما لا يذهب الى اماكن السوء ومواظباً على صلاته ومراجعة دروسه فكان اعجابي به هو الدافع الكبير الذي جعلني انسى غربتي واعكف على دراستي وكان النجاح هو سبيلنا في النهاية وعندما عدنا الى البلاد طلبت منه الصداقة الدائمة التي لا تنقطع إلا بموت احدنا عن الآخر. أهمية الرفقة فضيلة الدكتور احمد عبدالعزيز الحداد مساعد مدير ادارة الافتاء والبحوث يقول: ان من اهم مهمات المسافر رفقته واهم مهمات الرفقة حسن اختيارها ذلك لان المسافر يحتاج في سفره الى من يشد ازره ويستشيره في امره ويشركه في مهامه واذا المت به ملمة استشاره واستعان به او حفظه حتى يعود ولذلك ندب الشارع اليه واكثر في شأنه كما اخرج البخاري في حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ـ لو ان الناس يعلمون ما في الوحدة ما سار راكب بليل وحده ـ ولاشك ان المسافر سفراً بعيداً سيسير بليل وسيحتاج الى رفيق مؤنس او رفيق نافع ومعين عند الملمات ومن اجل ذلك قال عليه الصلاة والسلام ـ الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب كما اخرجه ابو داوود من حديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم المسافر منفرداً شيطاناً وقال اهل العلم لان التفرد بالذهاب في الارض من فعل الشيطان فكأن الشيطان حمله عليه وكذلك الاثنان ليس معهما ثالث حيث قد يختلفان فلا يصلح بينهما احد بخلاف الثلاثة حيث يكون احدهم حكما يصلون من خلاله الى الحكم الصحيح وقد اخرج ابو داود من حديث ابي سعيد الخدري رضي الله عنه ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال ـ اذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا احدهم ـ ثم ان على المسافر ان يختار الانسب له في دينه وعقله ومروءته لانه اذا صاحب غير ذي دين اهلكه معه في معصية الله تعالى لانه لابد له من مداهنته على حساب الله وذلك ليس شأن العقلاء ولا المؤمنين المخلصين وصحبة من كان هذا حاله تنعكس سلبا على ذلك الرفيق حيث سيتأثر به ولابد كما قال عليه الصلاة والسلام ـ مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ـ وهذه المقارنة مؤثرة في الحضر وفي السفر وشأن كل الرفقة في السفر ان يكونوا من ذوي المروءة والصلاح وان يكونوا على كامل التعاون والايثار والصبر والتحمل لان مهام السفر لا تنجح إلا بذلك لأن شأن السفر ان يحدث الخلاف فيه وقد كان السلف الصالح يستشعرون ذلك فيقومون بالواجب حق قيامه وهكذا يجب ان تكون عليه حال الصداقة في السفر وإلا فلا يجب ان تكون