المسلمون فى النمسا من أفضل الجاليات حالا فى الدول الأوروبية لأن النمسا تعترف بالإسلام كدين رسمى والدستور النمساوى يمنح المسلمين كافة الحقوق والدعاة المسلمون يجدون الحرية الكافية لممارسة الدعوة، والتنقل فى مختلف أنحاء البلاد للتعريف بالإسلام وقد أنشأ المسلمون هناك بعض المؤسسات التعليمية مثل الأكاديمية الإسلامية فى فيينا ويقوم الأزهر حاليا بإنشاء معهد ابتدائى أزهرى سوف يتبعه انشاء معهد اعدادى وآخر ثانوى. وتعد هذه نواة لانشاء كلية للدراسات الاسلامية والعربية خلال السنوات المقبلة، ولكن تحول الانقسامات الكثيرة فيما بين المعاهد دون الانتفاع بالحقوق التى يمنحها لهم الدستور كما ان الأسر المسلمة لم تكن تهتم بتنشئة أبنائها تنشئة اسلامية مما يهدد بذوبانهم فى المجتمع النمساوى وضياع هويتهم الاسلامية لكن مع تزايد أعداد المساجد وتوافد دعاة الأزهر الى هناك بدأت هذه الأسر المسلمة تدرك أهمية ربط أبنائها بالاسلام. ومن بين الدعاة الذين أرسلهم الأزهر الى النمسا للتدريس فى الأكاديمية الاسلامية والعمل على نشر الدعوة هناك الدكتور محمود محمد عبده الأستاذ بكلية الدعوة الاسلامية جامعة الأزهر والذى تولى منصب نائب رئيس المجلس الاسلامى للتعليم والتربية فى النمسا وقد التقينا به خلال اجازته التى يقضيها بالقاهرة وأجرينا معه الحوار التالي: ـ ما أهم أنشطة المجلس الاسلامى للتعليم والتربية؟ وما أهم العوامل التى دفعتكم لتشكيله؟ ـ المجلس كان التفكير فى انشائه من أجل تخفيف العبء عن الهيئة الدينية الرسمية للمسلمين فى النمسا بحيث يقوم المجلس بدور معاون للهيئة ويتولى الجانب الثقافى والتربوى ويعتبر هذا النشاط مضافا لأنشطة الهيئة الدينية على ان يكون للمجلس أيضا دور فى انشاء المؤسسات التعليمية وهذا بمقتضى قانون انشاء المجلس الذى يخوله بعض الصلاحيات باعتباره مجلسا ثقافيا وتربويا يقدم خدماته للمجتمع المسلم فى النمسا. ويعد التعليم أعظم خدمة تقدم لهذا المجتمع لأن مستقبل الاسلام فى آوروبا مرتبط به لأنه من خلال التعليم يمكن أن يكون للمسلمين وضع متميز فى آوروبا خاصة وان التعليم فى المدارس الحكومية لا يجعل للمسلمين هوية واضحة المعالم فى المجتمع النمساوى لذلك عنى المجلس بالتفكير فى انشاء معهد ابتدائى أزهرى ثم اعدادى وثانوى بحيث يكون كل من هذا المعهد والأكاديمية الاسلامية فى النمسا نواة لانشاء كلية للدراسات الاسلامية والعربية وهناك طموحات لانشاء جامعة اسلامية فى آوروبا. تجربة رائدة ـ هل استفاد المسلمون فى النمسا من تجارب المسلمين فى الدول الآخرى فى هذا الصدد؟ ـ التجربة الاسلامية فى النمسا رائدة بالنسبة لأوروبا كلها ولا توجد تجربة ممماثلة لها فى أية دولة أوروبية اخرى ربما تكون هناك تجارب فى فرنسا وهولندا لعمل تعليمى وانشاء أكاديميات لكن الشكل الموجود فى النمسا فريد من نوعه نتيجة للتعاون الذى حدث بين الأزهر وبين حكومة النمسا بصفة رسمية وقد قدم الأزهر كل أشكال الدعم حيث أرسل مدرسين من المعاهد الأزهرية بلغ عددهم فى العام الدراسى الماضى 11 مدرسا للأكاديمية الاسلامية ويتكفل لهؤلاء بالمرتبات والسكن وتذاكر السفر وهذا أقصى ما يمكن أن يقدمه الأزهر وما تقدمه مصر لدعم هذه المؤسسة ودعم العمل الاسلامى خارج مصر وفى اوروبا خاصة. ـ ما أهم الصعوبات التى تواجه المجلس الاسلامي للتعليم والتربية؟ ـ لقد حدث خلط فى الأوراق ونوع من سوء الفهم أثناء انشاء المجلس وادعى البعض من المغرضين ان المجلس الاسلامى يعتبر عملا موازيا للهيئة الدينية الرسمية وقد يحل محلها ويأخذ دورها فى المستقبل وهو عمل ينزع للانفصال عن الهيئة والاستقلال عنها ويخرج عن اطار العمل المتفق عليه وهؤلاء الأشخاص الذين روجوا لهذه المزاعم كانوا يسعون لتعميق الخلافات بين المسلمين لكن اجتمعت كلمة المسلمين هناك على ان المجلس لا ينبغى ان ينفرد بهذا العمل وان الهيئة الرسمية لا مانع عندها من التعاون مع الأزهر فى انشاء هذا المعهد بشرط ان يكون ضمن مؤسسات الهيئة وأنشطتها ولكن تطورت الأمور وظهر خلاف كبير فى وجهات النظر وأعيد تشكيل المجلس عدة مرات ولما وافق الأزهر على انشاء المعهد أعلنت الهيئة ترحيبها بذلك بشرط ان يقوم بهذا العمل أشخاص من المصريين لهم قبول عند الناس وقد وافقت حكومة النمسا فى يونيو الماضى على انشاء المعهد باعتباره نظاما تعليميا خاصا يتعلم الطالب فيه بمصروفات والدولة لن تتحمل شيئا والفكرة الآن مطروحة على أولياء الأمور وتوفر لها المكان والمدرسين ونعمل الآن على جذب الطلاب للدراسة فى المعهد وسوف يرسل الأزهر المناهج والكتب. ـ وماذا عن الدور الذى تقوم به الأكاديمية الاسلامية في النمسا؟ ـ الأكاديمية تابعة للهيئة الرسمية ورئيس الهيئة هو الذى يملك القرار بالنسبة لها مع أعضاء الهيئة المنتخبين معه وفكرة انشاء الأكاديمية تقوم على اساس انها مدرسة معلمين لاعداد المدرس اعدادا تربويا دينيا لغوياـ عربى وألمانى ـ ويدرس الطالب قدرا كبيرا من مناهج الأزهر مثل الفقه وأصول الفقه والبلاغة والأدب والحديث والتفسير والنحو والصرف وغير ذلك ويتم دراسة الجانب التربوى فى الأكاديمية باللغة الألمانية وتتوازى الدراسات التربوية والشرعية فى وقت واحد فالطالب يدرس المواد التربوية يوما واحدا فى الأسبوع ويدرس المواد الشرعية بقية أيام الأسبوع فى الأكاديمية والهدف تخريج مدرس مؤهل دينيا وباللغتين العربية والألمانية وتربويا حتى يستطيع تنشئة الطلاب تنشئة اسلامية مناسبة فى المدارس الحكومية النمساوية والمدرسون الذين يعينون فى هذه المدارس تتحمل الحكومة النمساوية رواتبهم. الأسرة المسلمة ـ هل انعكست كل هذه الجهود على الأسرة المسلمة وتمسكها بالدين وبهويتها الاسلامية وعدم الذوبان في المجتمع النمساوي؟ ـ بالنسبة للأسرة المسلمة العمل الاسلامي الموجه اليها لم ينشط الا منذ سنوات قليلة لأن الذين ذهبوا الى فيينا من المسلمين فى بداية الأمر عاشوا سنوات طويلة ولم يكن يوجد فى العاصمة فيينا الا مسجدا واحدا أما الآن فهناك أكثر من اربعين مسجدا وهى فى أغلبها شقق أكثرها فى البدروم لأن المصلين هم الذين يدفعون ايجار هذه الأماكن وتكاليفها من التدفئة والانارة وغير ذلك ولذا فهم يبحثون عن الأماكن ذات الايجار الرخيص وكثرة المساجد أدت الى انتعاش روح الدعوة وقد تنوعت المساجد بتنوع المسلمين هناك فهناك أتراك وبوسنويون والبان وايرانيون وشيعة وعرب وهذه المساجد تلبى احتياجات هذا التعدد العرقى والطائفى بين المسلمين فى النمسا. ومن جهة آخرى تركت المذاهب والتيارات المختلفة بصماتها على هذه المساجد فهناك مساجد يؤمها الصوفية ومساجد يؤمها الاخوان المسلمون وآخرى يؤمها السلفيون وهكذا نجد نفس التقسيمات الموجودة فى البلاد العربية والاسلامية قد فرضت نفسها على الساحة فى النمسا ونقلت الى هناك. ـ وهل هناك من الدعاة المؤهلين من يمكنهم خدمة هذه المساجد والقيام بأعباء الدعوة؟ ـ هناك ظاهرة خطيرة فى النمسا تتمثل فى الأئمة والدعاة الجهلة وغير المتخصصين فنجد بعض الأشخاص الذين تعلموا الصلاة هناك وقرأوا بعض الكتب وحاولوا تعليم أنفسهم بأنفسهم يفرضون أنفسهم على الساحة رغم جهلهم بأحكام الاسلام وتعاليمه وأهل الخبرة بالدعوة والمتخصصون أعدادهم قليلة جدا وللأسف معيار الالتزام هناك هو اللحية الطويلة والثوب القصير والسواك وما الى ذلك والأسرة المسلمة فى النمسا بدأت ترتبط بالمسجد لأن المساجد كثرت وتعددت وبدأ المسلمون يدعون بعضهم البعض الى الذهاب الى المساجد خاصة بعد توافد الدعاة بأعداد لا بأس بها بعد ان كان هناك شخص واحد هو مندوب الأزهر فى المركز الاسلامى فهناك الآن بعض المساجد التى يتوافر لها متخصصون بعد ان أرسل الأزهر عددا من المدرسين والدعاة الى النمسا ولدعاة الأزهر هناك دور جيد ومتنوع فى المساجد وغيرها وهذا له تأثير على الأسرة المسلمة والعلماء أيضا هناك لهم دور اصلاحى فهم يعملون على حل المشكلات الاجتماعية التى تواجه المسلمين خاصة فى نطاق الأسرة وتقديم النصائح للأبناء وغير ذلك. حرية الداعية ـ هل المناخ فى النمسا يكفل الحرية للداعية ليتنقل من مكان الى آخر لخدمة الدعوة وتوعية المسلمين هناك؟ ـ الداعية هناك ليست عليه قيود فى ان يتحرك ويدعو لكن كل داعية يتحرك فى الدائرة التى يفهم فيها فالأتراك يتحركون فى مساجدهم والبوسنويون فى مساجدهم لأنهم يتكلمون باللغة التى يفهمها اقرانهم والعرب كذلك يتحركون فى مساجدهم دون قيود لكن بالطبع مع الحرص على مقاومة المفاهيم الخاطئة وعرض الاسلام الصحيح وعدم الخضوع لرغبات المتشددين حتى ولو أدى الأمر الى مخالفتهم أو مقاطعتهم. ـ هل أثرت أحداث سبتمبر وشيوع نغمة الارهاب وتوجيه الاتهامات للمسلمين بأنهم ارهابيون على المسلمين فى النمسا؟ ـ فى النمسا لم تكن المسألة واضحة ولم تكن هناك حوادث تصل الى حد الأذى أو القتل أو الاعتداء على المسلمين باستثناء حالة نادرة أو حالتين سمعنا ان شابا نمساويا نزع حجاب امرأة تركية فقط لكن لم يحدث قتل أو اعتداء وكظاهرة عامة كثير من نظار المدارس يبغضون ظاهرة الحجاب فى مدارسهم وبعض مديرات المدارس قد تتحدى الفتيات لأن الأتراك بصفة خاصة يحرصون على لبس الحجاب فى المدارس لكن عندما يصر ولى الأمر على ارتداء ابنته للحجاب من منطلق الحرية الشخصية وانه تكليف دينى ويطلب من ناظرة المدرسة ان تكتب له انها لا تريد ابنته فى المدرسة لأنها ترتدى الحجاب فترفض وينتهى الأمر بالسماح بدخول الفتاة بالحجاب وتخضع الناظرة لرغبة الفتاة وولى أمرها وتتراجع عن تحديها للفتيات المحجبات لكن قد ترى فى عيون الناس ونظراتهم ما يشعرنا بأنهم ليسوا سعداء بوجود المسلمين فى بلادهم وهذه مسألة نقرأها فى عيون الناس وان لم ينطقوا بذلك ورغم انه ليس لذلك مردود فعلى فى السلوكيات وعلى أية حال الشعب النمساوى مسالم ومهذب لدرجة انه عندما لا يريد أمرا يقوله لكن لا يتعمد الايذاء أو الاحراج لكن قد نرى هذا فى عيون غير النمساويين مثل الصربيين وغيرهم من بعض الجنسيات التى استوطنت فى النمسا خاصة من بلاد آوروبا الشرقية والأمور هادئة. ـ هل يكفل الدستور والقوانين النمساوية حقوق المسلمين؟ وما تأثير ذلك على أوضاع المسلمين بصفة عامة؟ ـ الدستور يكفل للمسلمين حقوقهم الا انهم لتفرقهم واختلافهم لا ينتفعون بهذه الحقوق واعتقد انه عندما يجد المسلمون قيادة تجمعهم وتنير لهم الطريق وتجمعهم خاصة الذين حصلوا على الجنسية النمساوية ويصبح لهم ممثلون فى المجالس النيابية والأحزاب والتنظيمات الشرعية وبالتالى يصبح للمسلمين تواجد فى المواقع الحساسة التى تصنع القرار سيكون لهم مستقبل أفضل وهذه أمور مطروحة وقضية تشغل الأذهان الآن عند كثير من المسلمين. ـ تحدثتم عن دور الأزهر فهل للدول العربية الآخرى دور مماثل لما يقوم به الأزهر؟ ـ السعودية تقوم بدور من خلال المركز الاسلامى التابع لرابطة العالم الاسلامى ومدير المركز سعودى وهناك امامان للمركز أحدهما تركى والآخر مصرى والمركز يقوم بدور جيد فى توعية المسلمين وحثهم على التمسك بتعاليم دينهم.