تحت الاختبار بالولايات المتحدة الآن نظام اتصالات لاسلكي، يقوم على تكنولوجيا جديدة تماما في توصيل الانترنت للمنازل، هذه التكنولوجيا تطرح جانبا طريقة التوصيل عبر الاتصالات السلكية المعتادة، بجميع اشكالها سواء خط التليفون التقليدي العادي او خطوط الشبكة الذكية «آي إس دي إن» أو خطوط الاتصالات الرقمية للمشتركين «آي إس دي إل» أو حتى الوصول عبر الكابلات التي تحمل للمنازل القنوات التلفزيونية الخاصة المعروف بقنوات الكابل، فالتكنولوجيا الجديدة تحاول تحرير خدمة الانترنت من ربقة الاسلاك ثم بثها في الهواء، لتصل للمنازل بشكل يتشابه الى حد ما بالطريقة التي يتلقى بها الناس ارسال الراديو والتلفزيون، ففي هذا النظام يجري نقل خدمة الانترنت من الكابلات الضوئية الضخمة التي تمر تحت الارض الى هوائي كبير، يثبت فوق سطح اعلى عمارة بالحي او الشارع، ليحول خدمة الانترنت من اشارات كهربية تسرى عبر الاسلاك وكابلات الألياف الضوئية، ثم يتم استقبالها عبر الكابلات على الحاسبات الى اشارات خاصة من موجات الراديو تركب الهواء او تسافر في الهواء في موجات دائرية، لتلتقطها هوائيات خاصة، وتصل بها للحاسبات الآلية الموجودة بالمنازل بسرعات عالية جدا، قد تجعل في متناول الشخص العادي ان يدخل على الانترنت بسرعة تصل الى جيجابيت.. ما هي التفاصيل؟ يمثل هذا النظام نموذجا جديدا لموجة التلاحم او التمازج بين التكنولوجيات المختلفة في نظم الاتصالات الحديثة، فهو ينشيء جسرا او نقطة تلاق عالية السرعة بين الكابلات الضوئية السلكية المدفونة في الارض على الرغم من كون الكابلات الضوئية تقوم بحمل او نقل البيانات والاشارات او النبضات الكهربية او الضوئية المختلفة التي تحمل خدمة الانترنت من منطقة لاخرى او تربط بين سنترال وآخر، وتتميز بكونها واسعة السعة وعالية السرعة في نقل البيانات من مكان لآخر وبين نظم الاتصالات اللاسلكية الثابتة التي تستخدم الهواء كقناة اتصال او وسيط في اتمام عمليات الاتصال ونقل الاشارات والبيانات ما بين نقطة واخرى. والنظام الجديد تتبناه مجموعة من شركات الاتصالات الناشئة بالولايات المتحدة، والتي تكاد تكون مغمورة وغير معروفة بالنسبة لنا مثل شركة نيترو ونيكست نيكست او باور وايرليس او «بي سي سبرنت» صاحبة اكثر التجارب نجاحا على النظام الجديد، والذي يعتمد بالأساس على تكنولوجيا محورية او اساسية يطلق عليها البث اللاسلكي اللاخطى او non-line-or-sight، وهي تندرج ضمن مجموعة تكنولوجيات الاتصال اللاسلكي الثابت اي التي تقوم بنقل البيانات بين نقاط ثابتة من هوائي ثابت لهوائى ثابت او من محطة بث لمحطة استقبال في نطاق محدد وليس اتصالات سلاكيا محمولا مثل التلفيونات المحمولة. ولكي نتعرف على الميزة الجديدة في نظام الاتصالات الجديد، نشير الى ان نقل البيانات عبر الخطوط اللاسلكية بسرعات عالية يتم في الغالب حاليا بطريقة اشبه بتسليط شعاع ضوء من نقطة الى اخرى في خط مستقيم يتعين ان يكون خاليا من اي عوائق كالمباني والحوائط والاشجار والموانع المعدنية وغيرها، لكي يسقط الشعاع على النقطة المقصودة، وبالمثل يتم نقل البيانات عبر حزمة من موجات الراديو او غيرها تنطلق في خط او مسار مستقيم، حتى تسقط مباشرة على هوائى الاستقبال، واذا ما اعترض المسار اي شيء من العوائق السابقة تقل كفاءة الاتصال وتنخفض السرعة او تحدث شوشرة، وربما يفشل الاتصال تماما. لكن تكنولوجيا نقل البيانات بالطريقة غير الخطية تعني ان الاشارات او النبضات الحاملة للبيانات، والتي يتم نشرها في الهواء من محط البث، تسير موجات على شكل دوائر متتالية وليس في خط مستقيم، ومن ثم فهي تستطيع التعامل بكفاءة أعلى مع العوائق التي تعترض طريقها الى محطتها النهائية، فتلتفت او تتحايل على المباني وأعمدة الانارة وغيرها من العوائق وتواصل سيرها الى هدفها النهائي. وللدلالة على ذلك اجرى «مات بيتر» مدير الانظمة في شركة آيوسبان ـ إحدى الشركات التي تحاول تطوير هذا النظام ـ تجربة قام خلالها بتمرير موجات النظام اللاسلكي الجديد عبر شريحة معدنية صلدة وسميكة تم تثبيتها امام الهوائى المنزلي، وقال: «إن الشريحة المعدنية من الممكن ان تقتل اي هوائى آخر وتوقف عمله». ومن الممكن تثبيت الهوائي ذاتيا ولكن يجب الاستعانة بفريق من المهندسين من أجل توجيهه التوجيه الصحيح. يعود الفضل في الانتقال من البث الخطي الى اللاخطي الى التكنولوجيا الحديثة التي زودت بها هوائيات البث والاستقبال العاملة في هذا النظام، فهذه الهوائيات تقوم بضغط موجات الراديو لاشعة موجية اصغر وأكثر تحديدا قادرة على التعامل مع العوائق التي تقابلها، ويقول أحد علماء شركة سبرنت: إن الموجات الصادرة عن هذه الهوائيات قادرة على اختراق الحوائط السميكة والمعدنية وغيرها دون ان تتأثر قدرتها على نقل البيانات في الاتجاهين، ويشير الى ان التجارب في كل من «هيوستون» و«مونتريال» تعد من أنجح النتائج حتى الآن بالنسبة لمدى الموجات اللاسلكية اللاخطية، والتي تفوق أيا من وسائل الوصول لاسلكيا لخدمات الويب في الولايات المتحدة. وطبقا للنموذج الذي اختبرته شركة سبرنت، فإن نظام الاتصالات الجديد يتكون من اربعة مكونات: ـ الأول: بوابة اتصال بكابل الألياف الضوئية الذي يعمل كهمزة وصل ارضية مع الشبكات الموفرة لخدمات الانترنت، ويخرج من هذه البوابة كابل ضوئي فرعي يتم توصيله الى سطح اعلى مبنى بالمنطقة. ـ الثاني: محطة بث لاسلكي تعمل بتكنولوجيا البث اللاخطي عالي السرعة، تتصل بالكابل الضوئي الفرعي القادم من الكابل الاساسي تحت الارض، وفي الوقت نفسه مزودة بهوائي ضخم يثبت فوق برج مرتفع، ويعمل بالتكنولوجيا الجديد القادرة على ضغط وتصغير موجات الراديو وبثها بشكل لاخطي في دائرة، يتحدد نصف قطرها حسب الحاجة، وفي هذه المرحلة يتم تحويل خط الاتصال بالانترنت من بيانات محملة على نبضات كهربية او ضوئية تسير في الكابل الضوئي الى موجات راديو تسير او تركب الهواء، وتنتشر لاخطيا بشكل يشبه الى حد ما طريقة البث الاذاعي المسموع او المرئي، ولكن بطيف ترددي واسع النطاق يسمح بنقل كميات ضخمة من البيانات وتوفير قنوات اتصال عالية السرعة. ـ الثالث: هوائيات صغيرة توضع فوق اسطح العمارات او داخل المنازل والشقق التي ترغب في الاشتراك بالانترنت عبر هذه الطريقة، لتستقبل البث من الهوائي الرئيسي، وتقوم بعملية عكسية لتحويل الاشارات او موجات الراديو التي تستقبلها الى نبضات كهربائية من جديد تسري في الكابلات التي تصل ما بين الهوائي والحاسب او الحاسبات الموجودة بالمنزل. ـ الرابع: وحدات استقبال وارسال البيانات ـ المودم ـ الموجود بالحاسبات والتي تقو بالمرحلة الاخيرة وتتولى اتمام عمليات اتصال الحاسب بالانترنت. هكذا يكون المشترك في النظام قد حصل على خط اشتراك سريع للغاية في الانترنت المرحلة الاخيرة منه او الميل الاخير ـ كما يقول بعض الخبراء ـ يتم لاسلكياً بينما بقية الاتصال يتم عبر كابلات الألياف الضوئية عالية السرعة مباشرة دون الحاجة لاستخدام الكابلات التليفونية الموجودة في منزله على اختلاف التكنولوجيا التي تعمل بها سواء كانت شبكات ذكية للخدمات المتكاملة والتي يطلق عليها «آى إس دى إن» او خطوطا رقمية للمشتركين والتي تحمل اسم «دي إس إل» أو غيرها من التكنولوجيات. يختلف هذا النظام عن بث الانترنت عبر الاقمار الصناعية في امرين اساسيين الاول: ان الاتصال بين المستخدم والشبكة يتم في اتجاهين اي الارسال والاستقبال بشكل لاسلكي، بمعنى ان مستخدم الشبكة يتصل بالانترنت عبر هذا النظام فقط دون ان تكون لديه حاجة للاتصال الارضي، ليستخدمه في عمليات الارسال كما هو الحال في الاستقبال عبر الاقمار الصناعية التي تسمح للمستخدم بالاستقبال ولا تسمح له بالارسال اي اتصال في اتجاه واحد. والامر الثاني: ان هذا النظام محدود النطاق من الناحية الجغرافية، بمعنى ان قدرته على التغطية تتحدد وفق قدرة الهوائي الرئيسي على البث، ومن ثم يمكن ان يعمل على نطاق حي او مجموعة شوارع او منازل او حتى تجمع سكني كبير. وفقاً لهذا التصور قامت شركة سبرنت ـ في تجاربها على الفكرة ـ بتثبيت بوابة اتصال على احد الكابلات الضوئية الرئيسية الحاملة لخدمات الانترنت، ثم مدت توصيلة فرعية من هذا الكابل الى سطح احد المباني العالية، واوصلته بهوائي مثبت على برج عال يصل طوله الى 1000 قدم يعمل بتكنولوجيا البث اللاسلكي اللاخطي، ليرسل اشاراته الى مجموعة من الهوائيات الصغيرة التي يتراوح ارتفاع كل منها بين 50 و100 قدم فوق اسطح منازل المشتركين في النظام وطبقاً للشركة كانت النتائج مشجعة للغاية. المستقبل السؤال الآن: الى أي حد سيكتب النجاح لهذا النظام الجديد؟ يرى بعض المحللين ان معظم الشركات العاملة في هذا النظام تحاول بيع معداتها للشركات المتخصصة في توفير خطوط الاتصال عريضة النطاق أو العالية السرعة، لكنها تواجه العديد من العوائق، وتتوقع مؤسسة يانكي للأبحاث ان يلقى هذا النظام بعض الممانعة أو عدم القبول لسنة اخرى أو أكثر خاصة ان الشركات القائمة على تطويره لاتزال صغيرة وفي حاجة للتمويل. وفي هذا الصدد يقول «كاميرون رايجالي» نائب رئيس شركة سبرنت: «ميزانيتنا في هذا المشروع منخفضة جداً، كما اننا لا ننوي استثمار أموال أكثر في هذا المشروع». ويضيف «رايجالي» ان التجارب ستنتهي في شهر يوليو المقبل، ولكن الشركة لا تنوي طرح التكنولوجيا الجديدة في الاسواق مباشرة لأن تباطؤ النمو الاقتصادي والمنافسة الشرسة يعتبران عقبة أمام زيادة حجم الميزانيات المخصصة للمشروع، وهو ما يؤثر سلبياً على تطوره. لكن شركة سبرنت ليست نهاية المطاف فهناك شركات اخرى قدمت محاولات مماثلة في هذا الصدد منها نيكست نيكست وايرليس التي تعد أحد الأمثلة على الشركات الجديدة الساعية لأن تكون من أولى الشركات في هذا المجال بالولايات المتحدة الاميركية، فقد قطعت شوطاً أكبر نسبياً من شركة سبرنت، وقدمت هذه الخدمة لنحو 130 مشتركاً يدفع كل منهم اشتراكاً شهرياً يصل الى 45 دولاراً نظير اتصاله بالانترنت بسرعات عالية لا تقل عن جيجابايت ونفذت التجربة في مدينتي «بوكاهنتس» و«ايوا». وهناك ايضاً شركة نيترو التي تنتج معدات لتكنولوجيا البث اللاخطي للموجات اللاسلكية والتي يصل رأسمالها الى مليون دولار، وحققت نتائج مرضية مكنتها من شراء وحدة بحوث ومنتجات الاتصالات اللاسلكية الثابتة بشركة «ايه.تي.آند تي» العملاقة مقابل 50 مليون دولار نقداً وحصة من الأسهم في أصول شركة «ايه.تي آند تي» لخدمات الاتصالات اللاسلكية الثابتة، وفي كل الأحوال لننتظر ونر، فربما يجيء الوقت الذي يقدم فيه هذا النظام حلاً مناسباً لتوفير الانترنت بسرعات عالية في الأماكن المختنقة أو النائية بمصر مثلما يحاول الأميركيون ذلك مع مناطقهم الريفية والنائية بل والمناطق المزدحمة التي تعاني مشكلات في البنية الأساسية في للاتصالات. www.ahram.org.eg/ict