سيتم في اوائل يناير المقبل عقد قران ولي عهد ايطاليا البرنس امبرتو على البرنسيسة ماري جوزيه كريمة ملكي البلجيك. وقد قصدنا بهذه المناسبة احد الشيوخ المسنين فوصف لنا فخامة حفلة زواج الامراء الثلاثة توفيق وحسين وحسن انجال الخديوي اسماعيل، وهي تعد افخم حفلات الزواج التي شهدتها مصر الحديثة. وقد اقيمت هذه الافراح منذ ست وخمسين سنة. محدثنا العظيم الكهل ويبلغ الثمانين من عمره: ـ اسمع يا بني: لقد كانت شوارع القاهرة خصوصاً ما كان منها مؤدياً الى القصر العالي حيث تقيم سمو والدة الخديوي اسماعيل، والى سراي الجزيرة التي كانت مثوى الخديوي نفسه، والى سراي القبة مقر العريس ولي العهد.. اقول كانت مزدانة بالشموع والمصابيح وساطعة بالضياء، وقد وضع في نهاية كل شارع اقواس نصر مختلفة، صنعوا في اعاليها طرقات صفت على جانبيها (فوانيس) من الورق مختلفة الالوان، ولبثت الشوارع هكذا اربعين يوماً كاملة بدت فيها كأنها شعلة من النور. ثم صمت محدثي الكهل فجأة ولمعت عيناه واستأنف: ـ والميادين كنت تخالها جميعاً صالات غناء نصبت في وسط العاصمة، او افراحاً متعددة لها موسيقاها وطربها، واهم تلك الاجواق الموسيقية، الجوق الذي اختار مكانه في الطريق المزدان بقوس النصر الذي كان منصوباً تجاه القصر العالي.. وفي وسط الميدان من تحته، كان يطرب الشعب الفرح بزفاف ولي عهد مليكه، تخت «سي عبده الحمولي» رحمة الله عليه واقيمت في كل جهة مسارح متنقلة، يلعب فيها (المشخصون) ليزيدوا في سرور الجمهور وفرحه، ونصبت فرق (القره قوز) خيامها في كل ناحية، والدخول فيها مباح للجميع دون اجر او ثمن، ومن المشاهد التي لن تغيب عن ذاكرتي ما دام في نفس يتردد، مشهد البهلوانيين وهم يلعبون ألعاباً مدهشة على حبال مدت خصيصاً لهم في الفضاء، واذكر ان احد اولئك اللاعبين وقع مرة من فوق الحبل، فكسرت ساقه، فوصل خبره الى مسمع الخديوي اسماعيل، فمنحه 1000 جنيه تعويضاً له عن ساقه المكسوة. اما السواريخ فقد رتبت بتفنن غريب، وعلى اشكال مدهشة تثير الاعجاب، واخذ الساهرون عليها يشعلون كل ليلة جانباً منها، فتدوي طلقاتها في اجواء العاصمة، بضع ساعات متوالية، منادية الشعب المصري: ان هبوا فاشتركوا في هذا المهرجان العظيم ثم قال: ـ أرأيت فرحاً أبهج من هذا واعظم؟ قلت: لا قال: وليس هذا كل شيء، فاسمع الباقي يأخذك العجب، ويتولاك السرور. في اول يوم من هذه الحفلات الرائعة، بدأ خروج الهدايا المهداة من سمو الاميرة والدة اسماعيل باشا وزوجاته الفخيمات الى عرائس الامراء (توفيق، حسين، حسن) من القصر العالي وشوارهن. وكان شوار الاميرة أمينة هانم زوجة ولي العهد، اول ما بدئ باهدائه وارساله، فسير به الى قصر القبة، وسط صفين من الفرسان مرتدين الازياء العربية والعقال، ومن ورائهما الجنود المشاة يسيرون مرحين يعلو وجوههم البشر والسرور، لابسين ملابس بيضاء ناصعة، ويتقدم الجميع فرقة موسيقية كانت تدق انغاماً يهتز لها الجماد من تأثير تفنن العازفين القادرين في ضرب الانغام. وكانت الهدايا موضوعة في سلال مكشوفة فوق عربات مكسوة بالقصب على مخدات من القطيفة المزركشة بالذهب والماس، يغطيها شاش فاخر امسك بكل طرف من اطرافه الاربعة اربعة جنود، يتبعهم ضابطان في ملابسهما الرسمية، والجميع شاهرو السيوف، مسلحون. وهذه الهدايا عبارة عن مجوهرات كريمة غالية الثمن طبعاً! وقلائد من الماس لا يقوى البصر على النظر فيها لشدة وهجها وسطوعها، وأحزمة من الذهب الخالص! وأنسجة موشاة باللؤلؤ والزمرد، وصحون متنوعة من الفضة الخالصة.. وكثير لا يحضرني عده الآن ولا ذكره! ولقد شاع يومها ان خديونا اسماعيل اهدى ولي عهده سريراً من الفضة الخالصة منقوشاً بماء الذهب، ذا أعمدة ضخمة مرصعة بالماس والفيروز. وهكذا اجتاز ذلك الموكب الملوكي الفخيم شوارع العاصمة المزينة، بين تصفيق الشعب وهتاف الجمهور، وجيوش من الجنود مدججي السلاح، كأنهم عائدون من معركة وقد ظفروا بالنصر الاكبر. ثم اشرقت شمس اليوم التالي على القاهرة فهرع الناس الى سباق خيل اقيم في العباسية كان فيه (الجوكية) من الجنس الاسود، وقد لبسوا فوق اجسامهم السوداء ثياباً حريرية حمراء، فكان منظرهم هذا فتنة للناظرين. وفي اليوم الثالث او الرابع ـ لا اذكر تماماً ـ مرقص عظيم في سراي الجزيرة دعا اليه سمو الخديوي ما يزيد على سبعة آلاف من كبار أعيان البلد والاجانب المقيمين بها، حيث ذاقوا على المقصف الملوكي ما لذ وطالب من انواع المأكولات الطيبة الشهية. ولا تعجب ان انا قلت لك ان عدد الخدم الذين وقفوا لخدمة المدعوين يزيد على 800 خادم ثم اطرق جليسي هنيهة رفع بعدها رأسه المجلل بشعر الكهولة الابيض وقال: ـ وفي الساحة الفسيحة امام القصر العالي، نصبت سرادقات علق على كل منها (يافطة) باسم صاحبه، وما سيعرض فيه من اسباب اللهو والسرور، وفرشت جميعها بالأبسطة العجمية الثمينة، واقبل (الحواة) والمشتغلون بعلم (السيميا) يعرضون على الناس مختلف ألاعيبهم المبهجة. وقد رأينا يومها واحداً منهم يصعد على حبل ويلعب العاباً بهلوانية في الهواء، ثم يأمر احد زملائه، فيأتي له هذا بعجل حي، ويعطيه اياه، ويلبث اللاعب يلعب مع العجل مدة طويلة يمسك بعدها سكيناً حاداً فيذبحه وسط تهليل الواقفين وتصفيقهم، ثم يرميه بينهم، فيتلقفه زميل، ليقطع لحمه، ويوزعه على الفقراء والمساكين. وبالطبع، لم يكن الرقص واللعب والغناء، يقام في الخارج فقط، بل ما كان في داخل القصر العالي وفي دور الحريم، اعظم وابهى منظراً: فهناك اشهر الراقصات يرقصن، وهناك تربعت (ألمظ) زوجة «سي عبده».. رحمها الله على التخت تشجي بصوتها العذب آل القصر العظام، وهناك مشاهير البهلوانيين.