في حكم غير مسبوق قضت اعلى محاكم الاستئناف بايطاليا بان استخدام العبارات الفجة خلال المناقشات المحتدمة بين سائقي سيارتين صار امراً طبيعيا ، لدرجة انه خلال الاوقات العصيبة الحالية لا يتعين اعتبارها جريمة ضد الشرف. ويأتي قرار محكمة الاستئناف مناقضاً لحكم اصدرته محكمة اقل درجة بإدانة رجل يبلغ من العمر 32 عاماً عن جريمة استخدام الفاظ نابية مع شخص خلال مشاجرة كلامية. وفي حيثياتها علقت المحكمة على هذا الحكم بأن «الضمير» الحديث صار على درجة من التعود على مثل هذه اللغة بحيث لم تعد تعتبر انتهاكاً للشرف وقالت إنه لا يتوجب على الرجل دفع الغرامة التي فرضتها المحكمة الاقل درجة. انتهى الخبر عند هذا الحد واقول ان المحكمة العليا في ايطاليا ومن خلال مشاهدة قضاتها وسماعهم المتكرر للالفاظ النابية من خلال الشارع رأوا ان تبادل مثل هذه الالفاظ لا يعد جريمة في عصرنا الحديث الذي اصبح سمته الاساسية الخروج عن اللياقة وعن الذوق والابتعاد عن العادات الطيبة التي الفناها في الماضي والخشية من قول خارج او لفظة نابية.. ولكن تغير العصر وتغيرت معه الناس فشاهدنا وقرأنا وسمعنا عن قصص كأنها من صنع الخيال ابطالها دكاترة واطباء ومهندسون وغيرهم لا يتورعون عن ارتكاب جرائم يندي لها الجبين الانساني والمهني ولم تعد هناك اخلاق او ضمير يمنعهم من الانزلاق الى هذه الهاوية بل ان طلبة اليوم وفي ظل العولمة الاميركية لا يحترمون مدرساً ولا يوقرون ناظراً ولا كبيراً ورحم الله ايام زمان حيث كان الواحد منا يختبيء اذا مر مدرسه في الشارع الذي يسكن به حتى لا يراه وهذا نوع من الاحترام الذي كان البيت اول من يزرعه في نفوس الصغار لاحترام الكبير واحترام المعلم واحترام شيخ المسجد ولا يشذ عن هذه القاعدة الا نسبة ضئيلة لا تذكر من الطلبة المتمردين. وفي ثقافتنا العربية والاسلامية ما يغني في هذا الباب حيث تبين كيفية العلاقة التي تحكم الصغير والكبير والاب والام والاولاد والجيران والاقارب وفي الحديث الشريف: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا» وكلنا يعرف حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال لأحد اصحابه: امسك عليك هذا ـ اي لسانك ـ فقال له: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فرد عليه الصلاة والسلام وقال: ثكلتك امك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم في النار الا حصائد ألسنتهم. السيد الطنطاوي