لم تكن مدينة مانشستر البريطانية في القرن التاسع عشر مدينة كأية مدينة أخرى في المملكة المتحدة، بل كانت واحدة من أميز المدن الأوروبية من الناحية المعمارية والتجارية، فقد كانت مبانيها من أروع المباني التي يمكن ان يشاهدها المرء لدى زيارته للربوع الانجليزية، ولكن هذه المباني المتأنقة والأسلوب الفيكتوري الموحد في العمارة تحول في فترة الستينيات والسبعينيات الى النقيض تماماً، حيث أصبحت المباني الأسمنتية القبيحة تسيطر على الشكل العام للمدينة، ولم تؤد محاولات وجهود التطوير المعماري الا لمزيد من التشويه في الملامح بعد ان كان يشار لها بالبنان بوصفها أجمل المدن الانجليزية قاطبة. لكن هذا الوضع الحالي للمدينة التي تستضيف دورة ألعاب الكومنولث لا يروق لأحد أبرز وأهم شخصيات المدينة وهو ريتشارد ليس، رئيس مجلس مدينة مانشستر، شأنه شأن العديد من مواطني المدينة. فقد قرر ليس وأخذ على عاتقه مسئولية النهوض بمستوى المدينة بمساعدة مجموعة من أفضل المعماريين سواء من مانشستر أو من مختلف أرجاء العالم. وقد دخلت أفكار هذا الرجل لتطوير مدينته حيز التنفيذ فعلاً هذا الصيف وذلك بعد مرور ست سنوات على تدمير الجيش الجمهوري الايرلندي مركز المدينة بعد قصفه بوابل من القنابل. فقد أعيد فتح قاعة مانشستر للفن، والتي تعرف باحتوائها على مجموعة أخاذة وثمينة لا تقدر بمال من الأعمال الفنية الخاصة بالقرن التاسع عشر، وذلك في الخامس والعشرين من مايو بعد أربعة أعوام من العمل تم خلالها انفاق 50 مليون دولار لإعادة القاعة لهيئتها الجميلة. وتم كذلك إعادة فتح حدائق بيكاديلي بعد تجديدها عن طريق شركة «إي.دي.إيه.دبليو» البريطانية، وقد شارك في عملية التجديد الفنان المعماري الياباني الشهير تاداو آندو، وذلك في أول شهر يوليو الماضي. وقد استضافت المدينة في الفترة من 25 يوليو إلى 4 أغسطس دورة ألعاب الكومنولث التي شهدت حفل افتتاح الدورة في استاد مانشستر سيتي الذي بلغت تكالف انشائه من أجل هذا الغرض 157 مليون دولار وتم تصميمه بواسطة شركة أروب أسوشيتس، حيث يتمتع الاستاد بتصميم مميز ورائع قلما يتواجد في الاستادات الأوروبية الأخرى. وتتوج أنشطة التجديد ترافورد المجاورة بإنشاء متحف امبريال الجديد، الذي يتمتع بهيكل مهيب يتكون من ثلاث قطع تشبه كل منها الكرة الأرضية، ويعد المتحف أول مبنى يتم الانتهاء منه في بريطانيا من تصميم دانيل ليبسكيند، الذي يشتهر بتصاميمه العملاقة وعلى مستوى العالم، وآخرها متحف كبير في برلين. يقول ليس، الذي كان أحد السياسيين المحليين في المدينة وتولى زعامة مجلس المدينة قبل هجوم الجيش الايرلندي عليها بأربعة أسابيع: «كان من الواضح عندما كنا نقوم بإعادة ترتيب الأوضاع في مركز المدينة بعد الهجوم أننا بحاجة إلى إقامة مبان للمستقبل. لقد قضينا وقتاً طويلاً ندرس أفضل التصاميم التي تناسبنا. وأجرينا مسابقات معمارية كيرة لاختيار الأنسب وكنا نهتم كثيراً بالتفاصيل». يقول فيل جريفين الكاتب في مجال العمارة والهندسة المعمارية: «إن مانشستر آخذة في التطور بدرجات متنامية تسمح لها أن تدعي بأنها مدينة مختلفة كل الاختلاف». وكان من أبرز التحديات التي تقابل المدينة في طريقها للنهوض والوقت هو الوصول الى خطة شاملة يتم بموجبها توحيد المناطق الشمالية الفقيرة مع مناطق الجنبو الثرية، وهي المناطق التي تم فصلها عن بعض ببناء مركز سوق أرندال في فترة السبعينيات على مساحة تبلغ 60 ألف متر مربع. ولا تزال متاجر هذا المركز موجودة ولكن تأثيرها قد تضاءل في ضوء الفخامة المتمثلة في مشروع أوربير وما يحمله من متحف مخصص لتناول تاريخ المدن البريطانية، وكذلك الحدائق الكاتدرائية الموجودة بجواره. وقد كان مشروع حدائق بيكاديلي من أبرز الخطورات التي ساعدت على استعادة المدينة لقدر كبير من رونقها، فقد حولت تلك الحدائق المنظر الكئيب للمدينة المختنقة مرورياً إلى متنزه بديع يقع في قلب المدينة. وقد تم تصميم مقصورات أسمنتية بيضاء اللون تحتوي بداخلها على مركز للمعلومات ومقهى وساحة للمعارض والفعاليات المختلفة، لحماية الحدائق وعزلها عن طرق حافلات الركاب والتراتم التي تقع خلفها حتى تبدو ملاذاً هادئاً يبتغيه كل من يريد السكينة والاستمتاع بالطبيعة الحية. يقول يس متفاخراً بما تم بناؤه وتصميمه في المدينة والوضع الذي آلت إليه بعد تلك السنوات الطويلة: «إذا استطاع أي شخص أن يجد مدينة أخرى في بريطانيا تملك هذا القدر من المباني والهياكل الرائعة والمتكاملة مثل تلك التي تم بناؤها في مانشستر خلال الأعوام الستة الماضية، لن أقدر على وصف مدى الدهشة التي سوف تتملكني. فبالفعل، سأكون مندهشاً إذا وجدت هناك أية مدينة أوروبية يمكن أن تضاهي ما تم التوصل إليه في مانشستر. ويصر ليس على ان يتم تطبيق المعايير التي تم إعمالها في الجنوب الثري على الشمال الفقير. ويقول في هذا الشأن: «نحن نريد درجة جودة التصميم نفسها لتنعكس على الأماكن التي يعيش فيها الناس، وليس فقط الأماكن التي تتواجد فيها مراكز التسوق ومراكز الأعمال». ومن أجل تحقيق هذا الهدف يعكف المصمم المعماري ويل ألسوب على دراسة خطة شاملة للعمل على تطوير مناطق الشمال. لذا فإنه بعد عقود عاشتها مانشستر في ظل وعباءة عاصمة الضباب لندن، تملأ أهل مانشستر الثقة في استعادة مجد مدينتهم، وذلك عن طريق استغلال كل طاقات شعبها وقادتها وفنانيها، على حد قول ليس.