أكد الدكتور عبد الفتاح عاشور رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية جامعة الأزهر أن الحوار بين الأديان والحضارات، مهزلة يجب أن نضع لها حدا مشيرا إلى أن الغرب يسعى من خلال مؤتمرات الحوار إلى أن يتنازل علماء الإسلام عن أفكارهم وعما جاء به دينهم والاعتقاد بأن الأديان السماوية الثلاثة متساوية وأن أي دين منها يصلح للبشرية. وأشار إلى أن غياب التربية الإسلامية في المدارس والجامعات وغياب الاخلاقيات الاسلامية عن مختلف جوانب الحياة وعدم الإلتزام بمناهج الاسلام أدى إلى ظهور الإنحرافات بين الشباب خاصة وبين فئات المجتمعات الإسلامية عامة موضحا أنه إذا كان المجتمع قد قصر في القيام بدوره نحو الشباب فإن ذلك لا ينفي مسئولية الشباب عن هذا الإنحراف. وأوضح أن الدعوة لتدريس الثقافة الجنسية في المدارس والجامعات دعوة لإفساد الشباب مؤكدا أن الأولى العمل على تحصين الشباب من خلال تدريس الثقافة الإسلامية. وقال ان الإسلام أعطى للمرأة من الحقوق ما لم تحصل عليه في تاريخها كله حتى الآن مشيرا إلى أن المرأة في عصور الإسلام الأولى تحملت مسئولية الدعوة وكانت تشارك في الجهاد وحمل السلاح ضد الأعداء. ـ العالم الإسلامي كان يعلق آمالا على ما يعرف بحوار الأديان أو الحضارات لتحقيق السلام والإستقرار في العالم لكن أحداث سبتمبر كشفت أن مؤتمرات الحوار فشلت في تحقيق أهدافها فهل تتفقون معنا في هذا الرأي؟ ـ الإسلام لا يخشى الحوار مع أحد والقرآن يقول : «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن » ويقول «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن » والإسلام لا يخشى من مجادلة الآخرين لأنه واثق من نفاسة بضاعته، وأعتقد أن فكرة حوار الحضارات قريبة من فكرة تحديث الخطاب الديني فهدفها أن يأتي علماء الإسلام لإقناعهم بالتنازل عن أفكارهم وعما جاء به دينهم من دعوة لنشر هذا الإسلام متساوية وأن أي دين منها يصلح للبشرية وهذا أمر في غاية الخطورة ومخالف لما جاء به الإسلام وإلا ما كان هناك داع ليأتي عيسى من بعد موسى إذا كانت اليهودية هي الدين الكامل الذي يكفي الإنسانية فلعله يكون من العبث ـ ومعاذ الله أن يكون عابثا ـ في أن يختار عيسى ـ عليه السلام ـ نبيا لبني إسرائيل ولما انقضى عهد عيسى ومرت ستة قرون وأظلمت الدنيا وعمها الظلم والجهل كان لابد أن يرسل الله رسولا هو خاتم الأنبياء والمرسلين هو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأرسل معه كتابا معجزا لا يمحوه الزمان ولا يستطيع أن يغيره أحد لأن الله تولى حفظه «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون » وجعل هذا الكتاب هو الأخير للناس فهل كان الله حين اختار محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه كتابا كان عابثا،وكوننا نحاور غير المسلمين في الدين ليس معناه أن نتنازل عن دعوة هؤلاء للدخول في الإسلام وإلى الإنتقال مما هم عليه من يهودية أم نصرانية والإيمان بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم، وإلا فحديثنا عن محمد وما جاء به وعن القرآن والموافقة ظاهريا على أن ما جاء به الرسول هو صدق وحق فإنما هذا نفاق وإنحراف وهؤلاء يقولون آمنا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم ولو كانوا صادقين لا عترفوا من أقوال أكابر المفكرين الغربيين وغيرهم التي تعبر عن انبهارهم بما جاء به الإسلام ونبي الإسلام، فإذا كانوا قد انبهروا بما جاء به الإسلام فلماذا لا يؤمنون به ؟ وهل هؤلاء يضحكون علينا أم على أنفسهم ؟ وحوار الحضارات أو حوار الأديان مهزلة يجب أن نضع لها حدا وأن نقول بصراحة لهؤلاء الذين يحاوروننا ماذا تريدون على وجه التحديد قبل الخوض في الحوار ؟ وما هي الأرضية المشتركة بيننا لنقف سويا عليها أن كانوا يريدون المبادئ العامة التي جاءت بها الأديان من معاش الأخلاق وحسن الحوار فديننا أعظم من جاء بهذه الدعوة وليس هناك في اليهودية ولا في المسيحية ما يقارب من قريب أو بعيد ما جاء به هذا الدين من دعوة للتراحم والود والحب والاخاء. ـ الحوار بين الاديان يركز على بعض القضايا مثل محاربة الإدمان والمخدرات والعمل على حماية استقرار الأسرة ولا يتدخل في العقائد أما قضية أن يقنعونا أو نقنعهم بصحة دين من الأديان فهذا ليس مطروحا فهل تلك الصورة للحوار تحقق ما نتطلع إليه؟ ـ هذا لا علاقة له بحوار الاديان ولا يحتاج إلى حوار وإنما يحتاج إلى سياسيين واتفاقات بين الدول من خلال الوزارات والهيئات المسئولة عن محاربة المخدرات مثلا أو إعانة الفقراء والمحرومين وهذا لا يحتاج إلى علماء ومتخصصين في الدراسات الإسلامية أو اليهودية أو المسيحية للإتفاق على هذه الأشياء. التربية الإسلامية ـ هناك إنحرافات كثيرة تظهر بين الشباب مثل عبادة الشيطان والشذوذ وتقليد أنماط الحياة الغربية ما أسباب هذه الإنحرافات وكيف يمكننا التصدي لها؟ ـ أسباب ظهور هذه الإنحرافات واضحة لكن الكثيرين من الناس لا يريدون أن يعرفوا هذه الأسباب لأنهم لا يريدون علاجها أو يبذلون جهدا في هذا الصدد ومن أهم هذه الأسباب غياب التربية الإسلامية عن المسلمين في مدارسهم ومعاهدهم وإعلامهم وشوارعهم وفي الكثير من نواحي حياتهم فالطالب في مرحلة ما قبل التعليم الجامعي يدرس حصة دين مادتها وريقات لا تفيد شيئا والجانب العملي أو السلوكي معدوم تماما في المدارس فمواقيت الصلاة تطغى عليها مواعيد الجداول الدراسية والطالب لا يرى أحدا من أساتذته يصلي ولا يدعو الأستاذ الطلاب إلى الصلاة في مسجد المدرسة ـ ان وجد ـ ويتخرج الطالب من المرحلة الثانوية ولا حصيلة دينية لديه باستثناء ما تعلمه في بيته ومن عامة الناس والمساجد وربما يكون لدى الأمي الذي يقرأ ولا يكتب حصيلة دينية أفضل، وإذا انتقل الطالب إلى الجامعة اختفت كل معالم التربية الإسلامية ولم يعد لها وجود ولا توجد محاضرات في الثقافة الإسلامية ويتخرج الشباب لا صلة لهم بالدين ناهيك عما يراه من صور عارية ومناظر خليعة وكأنها شيء مباح لا اعتراض عليه خاصة أن هذه الامور يبثها جهاز التليفزيون التابع للدولة بالإضافة إلى غياب الإسلام عن كثير من جوانب الحياة في الحكم والاقتصاد والسياسة فلا إلتزام بمنهج الإسلام وطريقة الإسلام في مختلف مجالات الحياة باستثناء قوانين الاحوال الشخصية وما يؤديه المسلم من باب ما ورثه عن آبائه وأجداده من صلوات يؤديها في المساجد وان لم يؤدها فلا حرج عليه ولا يحاسبه أحد وهكذا سائر فروض الإسلام،والشباب الذي يتواجد في مجتمعات بهذه الصورة ليس غريبا أن تتولد لديه هذه الأفكار وأن تنجح القوى المجرمة في أن توظفه في نشر ما تريد من أفكار لأن الشاب بمثابة جسد فقد المناعة وأصيب بإيدز لم يجعل لديه مقاومة للفكر الوافد واستطاعت الافكار الوافدة وغيرها أن تفترس الشباب وان تحوله إلى طريقها. وعلاج هذه الانحرافات يتطلب اصلاح مناهج التعليم ومناهج السياسة والحكم والاقتصاد وإصلاح الاعلام وأن يضبط كل ذلك وفق ضوابط الشريعة الإسلامية. مسئولية الشباب ـ لكن مسئولية الإنحراف لا تلقى على المجتمع وحده فالشباب أيضا مسئول أليس كذلك ؟ ـ نعم تقصير المجتمع لا ينفي مسئولية الشباب لأن الله سبحانه وتعالى ـ وهب الإنسان عقلا وعليه أن يختار لنفسه الطريق الصحيح بل هناك من يعيشون في دول غير إسلامية فيها من الفساد والإنحرافات الفكرية والعقائدية والاخلاقية الكثير ومع ذلك يتمسك هؤلاء بدينهم ولا يخالفون تعاليم الإسلام ولم تستطع القوى الفاسدة أن تؤثر فيهم أو أن تغيرهم فكل إنسان مسئول عن نفسه سواء في بلاد الإسلام أو في غير بلاد الإسلام. ـ هناك دعوة لتدريس الثقافة الجنسية في المدارس والجامعات ألا ترون أنه كان من الأولى الدعوة لتدريس الثقافة الإسلامية ؟ ـ الدعوة إلى تدريس الثقافة الجنسية معناها الامعان في إفساد الشباب ومن الأولى العمل على تحصين الشباب بتدريس الثقافة الإسلامية والإسلام فيه ثقافة جنسية فلقد درسنا في الأزهر الشريف في الفقه الإسلامي في أبواب النكاح والزواج والغسل والطهارة الكثير من هذه الأمور التي ذكرها الفقهاء بالتفصيل لكنها في إطار الثقافة الإسلامية وفي ظل الشريعة والفقه الإسلامي أما أن يعرض الجنس بالطريقة التي يقدم بها في بعض الكتب مما يؤدي إلى الإثارة الجنسية فهذا مرفوض ولا أتصور أن يسمح به عاقل أو مسئول لديه ذرة من ايمان وحرص على هذه الأمة. ـ هناك من يحمل الغزو الثقافي والأفكار الوافدة والبث المباشر مسئولية الإنحراف فهل هذه العوامل مسئولة بالفعل عن إنحراف الشباب ؟ ـ هذه عوامل مؤثرة بالفعل لكن يستطيع البيت المسلم أن يحفظ نفسه وأبناءه بقدر المستطاع بتربية هؤلاء الأبناء على تقوى الله ـ عز وجل ـ والإلتزام بطاعته والحرص على أداء الصلاة في المساجد وحضور دروس العلم ودفع الأبناء إلى القراءة المتأنية في بعض الكتب في الفقه وغيره لتكوين ثقافة إسلامية تجعلهم ينظرون إلى الثقافات الوافدة نظرة إزدراء وإحتقار وبالتالي لا يستجيب لهذه الدعوات، وكثير من شبابنا المسلم في دول الغرب رغم جو الإنحلال والبيئة غير الإسلامية يتمسكون بدينهم وهذا يرجع إلى حسن تربية البيوت لهؤلاء الأبناء. حقوق المرأة ـ هناك إدعاءات بأن المرأة المسلمة مضطهدة وحقوقها مسلوبة وأن الإسلام ظلمها ولم يساو بينها وبين الرجل كيف نرد على هذه الإدعاءات ؟ ـ الإسلام أعطى للمرأة من الحقوق ما لم تحصل عليه في تاريخها كله حتى يومنا هذا وكرمها بكل ألوان التكريم وأعطاها ما تستحق من مكانة ومنزلة وكانت السيدة خديجة ـ رضى الله عنها ـ أول من دخل الإسلام ولها منزلة كبيرة لدى المسلمين عبر التاريخ. ونذكر هنا المهاجرات المسلمات في بداية الدعوة الإسلامية بعد الهجرة فقد كانت المرأة تتحمل مسئولية الدعوة وتخرج مهاجرة من مكة في جنح الظلام وتقطع أكثر من 500 كيلو متر بين الجبال والوحوش والقفار إلى أن تصل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المدينة وقد أشار إلى ذلك القرآن في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا، إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن.. » وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم ـ النساء بيعة خاصة وأخذ عليهن العهد والمواثيق « يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله » والمرأة في الإسلام مسئولة ومجاهدة ولها مكانه سامية فقد كانت تخرج مع المسلمين في الجهاد وتحمي الاسلام عن أعداء الله فمن الذي يقول ان المرأة في ظل الإسلام مظلومة ولم تنل حقوقها ولم يساو بينها وبين الرجل ؟ كيف وقد أعطاها الله دون طلب منها ما لا يخطر على بال أحد حتى يومنا هذا فهذه دعاوي ظالمة وعلينا أن نعود إلى الإسلام وإلى كتاب الله وسنة رسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ وإلى تاريخ المسلمين لنرى كيف وصلت المرأة إلى أعلى المناصب وأرقى الشهادات فهي المحدثة والفقيهة والعالمة والمجاهدة التي تتحمل مسئولية هذا الدين.