وكأن ذلك النهار، المدون في ذاكرة الزمن، والمسجل فوق الورقة التي كنت امتلكها في الثلاثين من اغسطس، كان هو موعدي اليتيم، مع استيقاظ حظي الغارق في غيبوبة البؤس، كميت منزوع الروح، او ربما موعداً مع انتشاله المباغت من بحر خيبته المستفحلة، فالبارقة الاولى لانفراج زنزانة الحظ امام سجينها الدائم، كانت رتلا من ارقام حبلى بالاصفار الممتدة قبالتها، تتخم بدسامتها ووسامتها قائمة كشف حسابي المذهولة! في ساعة لن تغفلها ذاكرتي ما بقت تنبض بالروح كنت اجابه انفعالاتي بانتظار بدا كالتصاق ابدي امام جهاز الصرف الآلي امسح عن جبهتي دفقات عرق تبصقه ديوني المتراكة، انزفها كعادتي آخر كل شهر، تتمازج هذه المرة مع ملوحة رطوبة اغسطس اللاذعة، حتى ازفت لحظة الصفر المؤلمة، حينما تمدد لسان الورقة الرشيق، مندفعا من بطن الآلة بسلاسة تحسد عليها، وكانت نظرة وحيدة مني، تسبر اغوار المدون عليها، كافية لادارة رأسي بعنف، ومنعي من التقاط انفاسي بقوة، فانفرجت عيناي مندلعتان فوقها حتى كادتا ان تتمزقا، وكدت اتهاوى مصروعا امام المنتظرين كما يحدث لحقيبة فرغت من محتوياتها في ثانية.وكأنما غامت ظلال الشمس في هجير ظهيرة صحراوية، ثم انقشعت في حوارية تتلاعب بمشاعري المختلفة عاودت التفرس في الارقام من جديد كانت تبرز امامي حقيقة مطبوعة بصدق لا مجال للتلاعب فيه، فتحت عيناي ثم اغلقتهما بسرعة خشية ان تتلاشى الصورة من امامهما، عصرت الوريقة النحيلة بين اصابعي متجاهلا رغبتي في دفن عيني بها الى الابد، وكدت ان ادفعها بعيدا عن بصري خشية توحش الوهم، اسقطها في كواليس النسيان بتلك السلة المتأرجحة هناك، ثم تداركت نفسي قبل ان افعل، حينما زعق صوت يفجر اوردتي: توقف يا أحمق فكأنما تراخت ذراعي منسحبة عن ارتكاب فعلة مخجلة، ترتعش بين اصابعها ورقة لاذنب لها كما جال بخاطري، فألقمتها ثغر جيبي المنتفض، وانا ارقب النظرات المتأففة من حولي، وكأني تخيلت الآخرين، يتوقفون عن اعمالهم فجأة، محدقين في وجهي وهيئتي وجيبي، مكتشفين بغتة حقيقة امري فيشيرون ناحيتي كما يفعلون تجاه اي لص ثم يبدأون في الجري خلفي وملاحقتي بتهمة السرقة. هرعت الى سيارة كالباحث عن فجوة يدفن رأسه تحت ترابها، وعجزت تماما عن رؤية ورقة مخالفة الوقوف المتراقصة اسفل الماسحة بينما كنت اندس بداخلها ساقطا فوق المقعد الملتهب بحرارة الانتظار ادير المفتاح بوجل، ان الهث كقطعة شواء ناضجة، بدوت لحظتها كمن التهم حصاناً، فعلق رأسه بين رئتيه، ولم يتجشأ بعده ابدا! تخيلت بأنه علي رؤية احدهم في المصرف، وتنبيهه الى خطأ مفجع ارتكبته آلته السقيمة فرفعتني الى خانه لم احلم بها طوال حياتي، لكنني تذكرت فقط احقيتي في صرع بؤسي وتسوية تلال اقساط قروضي المتفاقمة، ولوهلة شيطانية اندست بين فجوات جمجمتي المصطرعة، خيل الي بأن تلك الاموال لم تخطيء الطريق الى حسابي كما قد يعتقد البعض، لكنها كانت حكمة قدرية بحتة، مسجلة في كراس حياتي المغموس بالفواجع والكوارث، ورغبة نورانية من الإله لتحسين حظي هذا النهار بالذات، بعد ان طالت خيبته وتفاقمت كنت احاول الابتسام بعد طول تجهم وفزع، فهذا المال حقي وحدي بدون شك، ولكنني لم اعثر على ابتسامة تسعفني واندست سيارتي بحياء بين الأخريات. كانت دقائق من الزمن بالغة الشراسة تقبض حول عنقي بقسوة مخالبها، كاد خلالها الازدحام المتكاثف في شارع الرقة ان يحول بيني وبين فراري من المكان، وحينما صرخت ابواق الشرطة من الخلف اندفع قلبي يطرق بعنف جنوني صاخب فانزلق عنقي مدفونا فوق صدري ووددت لو أتفتت متحولا شبحا تعجز الابصار عن ادراك جزئياته بينما اصابعي المرتعدة تتحسس الورقة الساكنة في جيبي، لاول مرة ارى ارقاما كهذه تتربع في قائمة الدائن برصيدي، وفكرت بأن المصرف تعمد ان يخطى، وبأن خطأه المتواضع هذا قد صحح قيمتي الشخصية خلال دقائق من مجرد صفر بلا أمل يرتجى الى مليونير مع بضعة اصفار تزيده اهمية! توقفت سيارة الشرطة بمحاذاتي وازداد الازدحام شراسة كوحش مطبق على عنقي، التهب قرص الشمس كوجه يصطرع بالحنق المتدفق في حلقي، وعينا الشرطي تدوران في المكان حوله ففكرت باحساس غريق ان الوذ بالفرار من السيارة ولم تزعجني فكرة تركها في الموقف، فهي لم تعد على اية حالة تناسب قيمة الارقام المودعة في جيبي، استدرت بها عند اقرب موقف، وتخليت عنها بدون تردد! بدأت اجرى برأس عار تدلي فوقه الشمس سيقانها المشتعلة، فتزيد من لهيب رغبتي بالوصول الى بيتي، كنت اتلهف لرؤية الدهشة التي سترسمها المفاجأة فوق وجه زوجتي، وسماع صرختها المزدحمة بالتساؤلات وهي تلطم فمها المنفرج بكفيها، وتتجمد نظراتها فوق توائم الاصفار المتلاحمة في القائمة ايعقل ان تصدق ما تراه؟ تخيلتها تسوقني من يدي كي نجلس سويا فوق المائدة تسألني مراراً عن سر انعكاس حظي ثم نخطط لما سنفعله بكل تلك الاموال تخيلتها تهمس بشبقية امرأة تفوح من فمها رائحة الرغبة في المال: كلا لن تكون مقاعد المائدة الصدئة هي موقع التخطيط الملائم لنا، فعلينا ان نضع الاشياء في مواضعها كي نصل الى نتيجة جيدة، ربما يكون علينا استعارة المقاعد الجلدية الفاخرة من بيت جارنا، فتجيز لنا اموالنا المفترضة التحدث باسمها ويصبح لقب اثرياء شرعياً بدون مساس او ضرر. كانت سلسلة الابراج الممتدة على جانبي شارع الشيخ زايد، تتألق مصقولة تحت الاشعة المتمردة وتحثني رشاقتها على الجري اكثر، وكأن الفرح يضع في قدمي زلاجات سريعة الانزلاق، تسهل رغبتي في الوصول الى بيتي المنطوي في زاوية تتضاءل اسفل اقدم الفلل الشاهقة في القوز وتخيلته منطويا في انحناءة ضيقة من شارع معقوف تمنيت لو تنساني اللحظات اجرى عند ذلك الامتداد، فلا اعود لداري البائسة تلك، تجاهلت عيونا تحدق في رجل يجري عند منتصف نهار اغسطس تقتحم رأسه اذيال الشمس الصفراء فلا تردعه عن الجري حتى انني لم اعد اذكر أيا من الابراج تلك قررت شراءه وأيا من الفنادق الشمخة اعجبني تصميمه وعزمت في آخر الامر بناء فندق جديد ينافس عجيبة القرن برج العرب، وربما يتفوق عليه وحامت في رأسي فكرة شراء سيارتي رولز رويس وتوظيف سائقة تريحني من عناء اصطحاب العائلة الى السوق او اي مكان آخر، قد يطالبونني به، ثم اتفقت بيني وبين نفسي على شراء قطعة ارض واسعة في منطقة الخوانيج، احولها الى مزرعة خاصة لولدي الوحيد، يلهو بها كما يشاء وتصبح ملكا له بلا شركاء وتلمظت باجترائي على تخيل احدى الجميلات العابرات زوجة لي، لم افكر بامرأة ثانية غير زوجتي ابدا، وبعد لحظات تفشت الفكرة كحق لا مواربة فيه ما دامت تلك الاصفار تهون تعددهن وتجيز عدلي بينهن، وانقشع التردد يجلو اشتهائي لأخريات، واحتلت ليالي الزفاف الاسطورية مساحة واسعة من دماغي. كانت أول كلمة واجهتني بها زوجتي واصابعها تعيد فرد الورقة تكويها بأنامل مرتعشة وهمسة مرتبكة، ألم يرك احد؟ ضحكت، وهمست لها بثقة: ولا حتى العفاريت! تمتمت بحذر: ماذا ستفعل؟ فقلت بجدية افتح حسابا في مصرف بسويسرا واحولها اليه على الفور! كانت عيناها تنتفضان وهي تحاول تثبيت بصرها فوق الأرقام وعد الاصفار الكثيرة وشفتاها تتلاطمان باستغراب: أأنت واثق من ذلك؟ ضحكت من جديد وانا اهمس: أليس ممتعا ان نصبح مليونيرات؟ هزت رأسها موافقة، وابتسامتها تملأ صفحة وجهها، ولأول مرة لمحت غمازتين تتألقان على جانبي شفتيها، وهي تهمهم: واستعيد رونقي من جديد! تنهدت بحسرة وانا اتعرف الى ملاحتها الخبيئة وراء جدران الفاقة، واعترفت بداخلي بأنها كانت امرأة جميلة، واصبحت مطمورة الحسن، بل هي اكثر جمالا من زوجة قريبي وكيل الوزارة، لكنني لم انتبه لامنية قد تجول في خاطرها، طوال سنوات العوز وملاحقة الحظ المغترب، كان زواجنا قد تأرجح بين سلسلة من مطبات الديون، حتى اصبح ولدنا الوحيد في الخامسة من عمره، واقساط حفل الزواج تغز انيابها بوحشية حتى اليوم، وعادت ومضات حفلات الزواج الاسطورية المأمولة، تسطع في مخيلتي فابتسمت مسترقا استعذابي لفكرة الزواج الثانية والثالثة و...! في الحمام غسلت وجهي اكثر من مرة وكأني ازيل اكداس القهر، وسنوات الحاجة والعوز المتمادية بين فجوات ملامحي دفنت رأسي المضطرم اسفل صنبور المياه المفتوح متخيلا نفسي غاطساً في بركة السباحة المرمرية كتلك المزروعة في اعماق مزرعة صديقي مدير الدائرة زميلي منذ ايام الدراسة، ألهو، في قلب المياه المترقرقة، تتدفق من صنبور خاص مثبت بها، مويجات المياه المتدافعة بصخب تدغدغ جسدي المتخشب بفعل الزمن وتدعكه فتوقظ في عروقي المتبلدة مسيرة دمائه الخاملة، كما ستفعل الحوريات السابحات حولي خرجت بعد اكثر من ساعة متجرداً من كل همومي ومخاوفي وتمددت فوق السرير فكأنني اضع عن كتفي حملاً ثقيلاً وافكر بأنني لن ارتديه بعد اليوم، تحسست الفراش وهتفت: ولن اغفو إلا فوق سرير مبطن بالرياش والحرائر ثم همست: مع زوجة جديدة! كانت كل السنين المجحفة تبيح لي هذا الحق، وتهمس في رأسي كفحيح افعى لم لا تهنأ ببضع سنوات اخرى من رفاهية كما يفعل الآخرون؟ حينما مسد الظلام بيده صدر السماء الناعسة، تلاحقت تساؤلات ذاكرتي المصطخبة ايكون الخطأ قد نقل رصيد احد الاثرياء الى حسابي؟ ام غسيل اموال عقب جريمة؟ فليكن ألا يحق لنا ان نتبادل المواقع؟ ان اصبح انا ثرياً بعد اربعين عاماً من الفقر والحاجة، ويبدأ احدهم في زيارة المصارف للاستدانة منها بدلا من حشو امعائها بأرصدته الفاحشة؟ لم اعثر على وخزة لوم، تؤنبني على ما افكر به، وكانت لحظة مصادقة لقدري الذي منحني كنزه بلا تعب ولا تفكير فاطمأنتت لاحقيتي الشرعية بما فعلته ايماناً مني بالقضاء والقدر. وبدأ انبلاج النهار لتلك الليلة غريبا تائها عن ساعته التي احفظها، فقد كنت اخشى ان تصبح هذه المرة اكثر طولا مما اتوقعها، كنت اعلم بأن ليل اغسطس في دبي قصير، لكنه هذه المرة كان اطول مما اعرفه. عند منتصف الليل، أز باب الحجرة، وانبلج كانفراجة كوة الامل هذا الصباح في وجهي، توقعت ان تكون المقبلة زوجتي ورسمت ابتسامة مسترخية تتوقع عذوبتها لأول مرة منذ زمن طويل عجزت عن الابتسام امامها، وكانت البائسة قد اعتادت ألا ترى سوى تقطيبة مرارة، ولا تسمع اكثر من المصرف الفلاني يطلب اقساطه، والراتب هذا الشهر مخصوم اكثر من نصفه فتمد يدها الى اسورة نحيلة تزين رسغها وتقول خذها وفرج همك، فأهمهم معتل الخاطر: اسورة يتيمة، نحيلة، والذهب في انخفاض لتراكم حسرتي وفجيعتي، ما اكثر همومي لو تعرفين لكن الداخل الى الغرفة لم تكن هي، بل كان ولدي الصغير والوحيد، مندفعا في جموح مسعور، وكأنه يجري هاربا من حيوان مخيف يلاحقه، بحثت نظراته عني بين تراكمات العتمة الداكنة، ثم قفز الى حضني وانا مصاب بدهشة من صورته الفزعة، وانطوى المسكين في حجري كطفل ضعيف، وهو يتمتم بصوت يغص بالرعب، ابي خبئني يا أبي، انا خائف، خائف! كان الكابوس الذي زاره، يسرقه من بين ذراعي ويدفعني بعيداً عنه كما فهمت، ضممته الى صدري ولمحت عينيّ زوجتي تتسلان من وراء الباب خلفه، تمد كفها المرتعشة وتمسح فوق رأسه وتهمس: كان نائما، ثم انتفض وصاح مذعوراً وبدأ يجري باحثا عنك كالممسوس. تابعت بخوف مترع بالخجل: لأول مرة يتبول في فراشه! كنت احدق في عيني ولدي الملفوفتين بخوف ارجواني وكأنني توقفت عن التفكير والحركة بضغطة زر مفاجئة لم انجب سواه، وتعبت من مراجعة الاطباء وسماع نصائحهم لي باجراء عملية جراحية، باهظة التكلفة لكنها غير مضمونة النتائج زوجتي الطيبة لم تفتح فمها ذات مرة كي تطالبني بآخر كانت تعرف علتي وتدعي جهلها، فأخجل من طيبتها اكثر واحب وحيدي بشغف اكبر ضممته الى صدري وغرست انفي في عنقه، لم اتصور ان يحرمني القدر من آخرين غيره، فصار وحيدي نبض قلبي. كانت الساعة تطرق رأسي كما تفعل انفاس ولدي المتدفقة فوق وجهي.. مازالت بانتظار النهار وهاهي الشمس تسطع مخترقة ثغرة في ستارة الحجرة انسكب الضياء يغسل كل الاشياء حولي وذراعاي تدفئان خوف ولدي من كابوسه المرعب كان هو الآخر يجمع يديه حول صدري، حينما صاحت ابواق سيارات الشرطة في الخارج واندفعت زوجتي المذعورة عبر الباب تصرخ وتغرغر في حلقها الكلمات: الشرطة جاءت الشرطة تطلبك! ارتطمت جميع زجاجات امنياتي لحظتها في قعر قلبي المرتعد الشرطة؟ كنت ارى وجهي يمتقع برعب المفاجأة واتخيل يدي المكبلتين تعجزان عن الاسترخاء فوق جسد صغيري المذعور، المتلهف للاحتماء بي، وكان يهمس بين غيبوبة النوم مترجيا! لا تتركني يا أبي. ذلك النهار كان اكثر من رفيق بي، وامتدت يدا القدر الحانيتان تمسحان عن قلبي خوفه الدامس. وجه رجل الشرطة باغتني بابتسامته المطمئنة وهو يهتف: توقعنا ان تكون سيارتك عاطلة لانك تركتها في موقف خاص طوال الليل! همست بذهول تام: اعتذر كنت مرهقا ولم اتذكر بأني فعلت! متراجعا الى حجرتي واجهتني نظرات وحيدي المثقلة بالذعر، ويداه المتلهفتان لقلبي المجهد بالصدمة استلقيت بجواره من جديد فترك رأسه المتخاذل بالنعاس يهدأ فوق صدري وحينما بدأ يتنفس برتابة، شعرت بغفوته المطمئنة بين ذراعي، فأغمضت عيني ورأسي يندس قرب رأسه وقبلت كفه المتراخية عن كتفي، وانا استنشق رائحة طفولته العابقة في أنفي، تملؤني السعادة بأنني معه. في تلك اللحظة كدت افكر ماذا يحدث لو انني..؟ حينما لمحت يدي زوجتي العاريتان من اساورها تمزقان ورقة نحيلة، وتلقمان جثتها فم وعاء البخور المشتعل بدون تردد فاحت مع رائحة الشياط بقايا عطر عود عتيقة، وكأنها آثار ليالي الاعراس الاسطورية التي ترجيتها ذات وهلة، وقررت فجأة عدم التفكير بشيء وذراعاي تتشبثان بجسد ولدي الصغير، كي تلتحما معه بقوة. قاصة من الامارات