على الرغم من كل ما تحمله الحياة العصرية من وسائل للراحة والرفاهية والترف الا ان الآباء والاجداد ما زالوا يعيشون عالما آخر غير الذي نعيش.. يحنون الى الماضي ، ويتذكرون بحسرة تلك الايام المحفورة في الذاكرة وكأن لسان حالهم يقول: يا ليت عجلة الزمن توقفت عن الدوران او انها تدور بنا الى الوراء!!! الجد عقاب اسماعيل من الرعيل الاول من المواطنين، لا يذكر تحديدا في أي حقبة من الزمن أبصر النور ولكن ملامح وجهه والتجاعيد التي خلفتها الايام والسنون تكفي المتطلع لها بدقة ان يقرأ بين ثناياها تاريخاً بأكمله.. يختلف عن التاريخ الذي يدرس في مناهج المدارس والجامعات. صمت طويلا عندما طلبنا منه ان يعود بالذاكرة الى الوراء، وفجأة لمعت عيناه بعد ان طفحتا بالدموع وتراقصت شفتاه بعد ان تعثر بالكلام وقال وهو يهز رأسه «الحياة زمان كانت احلى»!!! جملة لخص فيها ربما كل ما نبحث عنه، ولكنها بالتأكيد تكفي الباحثين في سيرة الآباء والاجداد ان يكتبوا مجلدات خاصة عنها، فمن تجارب الآباء والاجداد نتعلم ونستفيد ومن كلماتهم وأمثالهم نستقي الحكم والعبر فتعالوا معنا نقلب صحفات الماضي مع الجد عقاب اسماعيل في هذا الحديث «حديث الذكريات»: يا يوم مولدي يقول «لا اذكر السنة التي ولدت بها ولا يوجد لدي شهادة ميلاد لانه لم يكن هناك مستشفيات للولادة ولا اقسام متخصصة لاصدار شهادات الميلاد كما هو الحال الآن، فالعمر كان في السابق يحدد بمواسم معينة ومناسبات محددة فمثلا كان لي بعض الاصدقاء ممن كانوا اكبر مني بعشر سنوات يقولون بأنهم من مواليد الحرب العالمية الاولى حسب ما كان يخبرهم آباؤهم، الوالد الله يرحمه كان يقول باني من مواليد النصف الثاني من العشرينيات من القرن الماضي ولكن في اي سنة لا اعلم بالضبط. ويضيف نشأت لدى اسرة مستورة الحال والوالد كان من خدم محمد بن جاسم وكان في ذلك الوقت معروفاً من اعيان البلد ومن اكبر تجار الذهب. ويضيف: لم يكن هناك مدارس بالمعنى الحقيقي الموجود هذه الايام وانما كان هناك بيوت يتم فيها تحفيظ القرآن يقصدها المقتدرون ممن يملكون القليل من المال حينذاك وبدأت بتعلم بعض الحرف اليدوية التي كانت سائدة آنذاك مثل الحدادة والدهان وهذا ساعدني على العمل مع اول شركة نفط بريطانية كانت تقوم بالتنقيب عن النفط براتب 200 روبية واذكر اول مكان قام به الانجليز بالتنقيب عن النفط كان في منطقة القناظة بين دبي وابو ظبي وبعد فترة جاءت اوامر بنقل العمال الى منطقة رأس صر في ابوظبي ورفضت الذهاب الى هناك لانها بالنسبة لي كانت غربة لانه لم يكن هناك طرق والرحلة تستغرق وقتاً طويلاً وكان العامل يبقى في موقع العمل شهورا طويلة دون ان يرى اهله لان الشركة لا تسمح بذلك. وطلبت من الفورمان ان ينقلني الى مكان اخر قريب، فتم بالفعل نقلي الى منطقة تابعة لامارة الشارقة. عدد محدود وعن كيفية التخاطب والمعاملة مع الشركات الاجنبية في ذلك الوقت يقول «عدد المواطنين الذين عملوا في هذا المجال كان محدودا لانه كان هناك وسائل افضل لكسب الرزق منها على سبيل المثال التجارة مع الهند والدول المجاورة الاخرى رغم انها كانت محفوفة بالمخاطر لان الرحلة كانت تستغرق اسابيع وكانت المواطن عندما يذهب في هذه الرحلة يقوم الاهل وكل من في الحي بتوديعه لان احتمالية عدم عودته واردة وكثير من المواطنين غرقوا في البحر بسبب انقلاب القوارب التي كانوا يستقلونها في رحلتهم الطويلة لانها كانت بدائية ولا تتوفر فيها مقومات الامن والسلامة. ويعود مرة اخرى للحديث عن العمل مع شركات التنقيب عن النفط، ويقول: الشغل على الريجات كان صعبا وكان الأجر الذي يدفعوه لنا زهيداً جداً، 200 روبية ولكنها كانت جيدة وتعلمنا منهم اشياء كثيرة منها التخاطب باللغة الانجليزية والصبر وتحمل المصاعب والمشاق لأن طبيعة العمل كانت صعبة وشاقة للغاية. الرحلة الى الكويت ويضيف: في الاربعينيات كنا نسمع بأن هناك فرص عمل بالكويت، فذهبت الى هناك مع مجموعة من الشباب للبحث عن الراحة والمال وعندما وصلنا الكويت بعد رحلة شاقة وصراع مع الأمواج كادت ان تودي بحياتنا بدأنا البحث عن العمل فوجدت مجموعة من الشباب الاماراتيين هناك يعملون في مكافحة الجراد براتب 900 روبية في الشهر. ولكن وجدت ان العمل في هذا المجال أصعب من العمل الذي كنت أقوم به مع شركات التنقيب عن النفط، اضافة لذلك شعرت بمرارة الغربة وألم الابتعاد عن الأهل والوطن، وكان اليوم الواحد عندي يساوي سنة إن لم يكن أكثر. وما كان يزيد من حرارة الغربة صعوبة أو عدم وجود اتصال مباشر مع الأهل، فكنا كل يوم نجلس في الميناء في الساعات التي تصل فيها القوارب من دبي لنسمع أخبار الأهل والوطن، وإذا كان أحدهم راجعا الى دبي من الربع نطلب منه ان يطمئن الأهل. ولكن هذه الغربة لم تطل فبعد حصولي على أول راتب 900 روبية قررت على الفور الركوب في أول قارب متجه الى دبي والعودة لأني وصلت الى قناعة بيني وبين نفسي بأن مهما اكتسبت من أموال فلا يمكن ان تعادل الابتعاد عن الأهل والوطن. الحياة الاجتماعية ويتابع الجد عقاب حديثه قائلا: الحياة بالنسبة لنا كان لها طعم مختلف عن حياة اليوم، كان الشخص يشعر بقيمة الروبية لأنه كان يحصل عليها بشق الأنفس وكان لها قيمة. الناس في الفريج، كانوا كلهم أسرة واحدة يتقاسمون معاً لقمة العيش ويعيشون معاً في السراء والضراء. وأذكر آباءنا أيام زمان كان الواحد منهم يحرص دائماً على اصطحاب ابنه أو أولاده الى مجالس الكبار حتى يتعلموا ويستفيدوا من تجاربهم وفي الوقت نفسه يعودهم على ارتياد المجالس كما في المساجد لأنها من تراث الآباء والاجداد. ويتذكر الجد عقاب أول مرة ذهب فيها الى المجلس مع حياة المرحوم والده ويقول: عندما كان الطفل أو الشاب يدخل المجلس لأول مرة يشعر برهبة وكأنه داخل الى مجلس من مجالس العلماء، يجلس طوال الوقت لا يتكلم لأن ذلك كان من أدب المجالس، فعندما يتكلم الكبار يصغي الصغار بآذان مفتوحة وعندما يطلب من احد الصغار القيام بعمل ما يلبي على الفور ويقول «لبيك طال عمرك» وينفذ، ويقول من أشهر المجالس في ذاك الوقت كان مجلس بن دلموك والكل كان يحرص على الذهاب للمجلس يومياً للتباحث في أمور التجارة وأمور الناس. كرم الشيخ راشد ويتذكر جيداً ما كان يقوم به المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراه ويقول: الشيخ راشد رحمه الله كان بمثابة الأب والأخ والصديق لكل الناس، كان الله يرحمه بعد صلاة الصبح يومياً يقوم بجولة لمختلف مناطق دبي للاطلاع على سير العمل وعلى المشاريع التي كان يتم تنفيذها في ذلك الوقت، وبعد الانتهاء من الجولة كان يذهب الى المجلس الذي كان دائماً عامراً بالرجال من مختلف القطاعات. كان يستمع الى مشاكلهم ويناقش معهم أمور حياتهم. وكان الله يرحمه إذا رأى رجلا غريبا دخل المجلس مرتين متتاليتين يدرك ان هذا الرجل عنده مشكلة فيطلب من أحد مساعديه ان يستفسر عن الأمر ويقوم بتلبية طلبه ومساعدته. وكان يحرص على مساعدة الأجانب سواء أكانوا من العرب أم الآسيويين ويطلب من المواطنين مساعدتهم لأنه كان يعتبرهم بمثابة ضيوف على أهل البلد ومن الواجب اكرامهم حتى لا يشعروا بأنهم غرباء عن أوطانهم. العمل بالتجارة ويتذكر بداية علاقته بالتجارة ويقول كان الوالد من تجار الأقمشة ويذهب الى الهند لشراء الملابس فتعلمت التجارة منه وبدأت بعدها أتاجر بالتمر والأرز والخشب لأنها كانت السلع المطلوبة، بعدها عملت بتجارة البالات وكانت ايضاً تجارة مربحة وتجمع لديّ مبلغ من المال فبدأت أتعلم قيادة السيارة، لم تكن هناك مدارس للتعليم لأن عدد السيارات في مرحلة الاربعينيات كانت قليلة ومحدودة ولكنها كانت من سيارات الدفع الرباعي لأنه لم يكن هناك طرق وكان عندنا رجل بالحي لا أذكر اسمه كان عنده سيارة ويقوم بتدريب من يرغب من الشباب مقابل روبيتين على الساعة، وتعلمت القيادة وبعدها اشتريت سيارة فورد بقيمة ثلاثة آلاف روبية وبدأت اشتغل عليها ما بين دبي وعجمان ورأس الخيمة وأبوظبي. ويقول: لم تكن هناك شوارع ولا طرق معبدة والمسافة التي تقطعها السيارة الآن بساعة ونصف لأبوظبي كنا نطلع من دبي بعد صلاة الفجر ونصل أبوظبي بعد الظهر، وكانت الطريق كلها محفوفة بالمخاطر لأنه إذا تعطلت السيارة معناها انقطعنا بالصحراء، وبعد فترة وجدت ان العملية غير مجدية فحصلت على وظيفة سائق في البلدية أيام رحمه الله سلطان بن شخبوط واشترينا نساف (قلاب) بدعم من محمد سعيد الملا، وعملت لفترة ولكن وجدت اني غير قادر على التأقلم مع ظروف الحياة في أبوظبي وشعرت وكأنني مازلت بالكويت بعيداً عن الأهل فقررت ترك العمل والعودة الى دبي، وبعد ذلك حصلت على عمل في مستشفى راشد وعلى ما أعتقد كان ذلك في نهاية الاربعينيات، ولكن أيضا تركت العمل بعد فترة وعدت مرة ثانية للعمل على سيارتي الخاصة ولكن هذه المرة على خط دبي مسقط وبعدها على خط دبي الدوحة حسب تيسير الأمور وتوفر الركاب. الزواج ويتذكر الزواج في تلك الأيام ويقول: كانت الناس كلها تعرف بعضا، والزواج غالباً ما كان يتم بين الاقارب وبتكاليف زهيدة جداً على قدر الحال، وأذكر عندما تزوجت كل تكاليف الزواج لم تتجاوز 500 روبية، وكانت مراسم الزواج تتم في الحي نفسه وبتقاليد بسيطة، حيث كانت تبدأ مراسم الاحتفالات بالغناء والاهازيج الشعبية قبل أسبوع من يوم الزفاف، وكانت تقام الولائم طيلة الاسبوع، وقبل الزفاف بيوم كانت تذهب والدة المعرس والقريبات الى بيت العروس لأخذ الكسوة والقيام بعملية الحناء وغيرها، وكانت تتم بهذه الطريقة البسيطة بعيداً عن مظاهر البذخ والصرف اللا مبرر، كما يحدث في حفلات الزواج هذه الأيام، التي أثقلت كاهل الشباب بالديون، ودفعت بالبعض منهم الى الطلاق بعد أشهر قليلة من الزواج ومنهم من يقبع خلف القضبان بسبب تراكم الديون. ويقول: هذا الكلام لم يكن موجوداً في السابق ولم تكن هناك سلفيات ولا قروض من البنوك، كان الواحد إذا احتاج الى مبلغ قليل من المال يذهب لأحد الميسورين ويعطيه المبلغ دون ان يطلب منه أي مقابل، بل كان يكفي المقترض ان يشد على لحيته ويقول سأرد لك المبلغ بعد شهر أو شهرين وعندما يحين الموعد تجد المقترض يحمل المبلغ ويذهب مسرعاً إلى الرجل لتسديد المبلغ لأن وعد الحر دين عليه، وما دام الرجل أمسك بلحيته ووعد لا يمكن ان يتأخر عن الموعد حتى لو قام باستلاف المبلغ من رجل ثان لتسديد الرجل الأول، هذه الأيام كل شيء اختلف، الناس تحلف الايمان بالكذب والبنوك فاتحة أبوابها للقروض لمن هب ودب مقابل فوائد ربوية ومن يتخلف عن التسديد يجد نفسه خلف القضبان. أيام قيام الاتحاد ويتذكر مرحلة بداية المفاوضات بين صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة أطال الله في عمره والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراه لاقامة الاتحاد، ويقول: كانت الناس تتابع تلك المفاوضات وما سيتمخض عنها، وعندما تم الاعلان عن التوصل إلى اتفاق لاقامة دولة الامارات العربية المتحدة بين حكام الامارات انطلقت الناس إلى الشوارع والميادين العامة والحدائق وراحت تردد الأهازيج والأغاني الشعبية احتفالاً بهذه المناسبة العزيزة على قلب كل مواطن واستمرت الاحتفالات لمدة طويلة احتفالاً بهذا الانجاز التاريخي الكبير. الاتحاد وحد المواطنين في مختلف اماكن تواجدهم وصار لهم كلمة واحدة وعم الخير الجميع، وانطلقت بعد ذلك مسيرة الخير والعطاء. ويقول شباب اليوم فتحوا اعينهم على الدنيا ووجدوا كل شيء ممهد لهم، لم يعانوا مصاعب الحياة كما عانيناها في السابق وكل ذلك بفضل الشيخ زايد واخوانه حكام الامارات الذين أسسوا هذه القواعد الصلبة المتينة للاتحاد. ويمضي قائلاً «قبل ان يداهمني المرض وأصبح مقعداً على هذا الكرسي كنت اتجول في مختلف مناطق دبي اتذكر كل شبر بها كيف كان وكيف أصبح الآن، وهذا كله بفضل الله سبحانه وتعالى وفضل المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وفضل انجاله الكرام الذين واصلوا من بعده مسيرة البناء والعطاء، ويستطرد قائلاً: من عاصر دبي بشكل خاص والامارات بشكل عام في فترة الثلاثينيات والأربعينيات وحتى إلى ما قبل قيام الاتحاد يدرك ان ما تحقق على أرض الدولة هو معجزة حقيقية بكل ما في الكلمة من معنى، فمن كان يصدق ان تتحول الصحراء إلى واحة خضراء ومن كان يحلم بأن تصل الدولة إلى هذا المستوى خلال هذه الفترة الوجيزة من الزمن. ولدى سؤال الجد عقاب اسماعيل عن سبب اصرارهم على ان الحياة زمان كانت أحلى قال «ترابط الناس وتكاتفهم كان أقوى مما هو عليه الآن، وبالنسبة لنا الجيل القديم قد نجد صعوبة في التأقلم مع الحياة العصرية لأننا لم نعتد عليها، تعودنا على العمل الشاق والصراع مع الحياة، كانت الناس زمان اكلهم كله طبيعي، ومفيد ولم نكن نسمع بالأمراض التي نسمع عنها هذه الايام. ولدى سؤاله عن الرصيد الذي ادخره طيلة هذه السنوات يقول: «كنت وحيداً لأهلي وتزوجت ولم يرزقنا الله بالاولاد وتوفيت زوجتي بعد فترة من الزواج ولم أتزوج مرة ثانية، ولكن باستراحة الشواب التي أمر بانشائها حكام دبي اطال الله بأعمارهم لم أشعر يوماً قط بأني وحيد، فكما ترى كلنا من الرعيل الأول ونعيش كأسرة واحدة، فالقائمون على ادارة الاستراحة من اطباء وممرضين واداريين كلهم أولادي ويقومون بدورهم على أكمل وجه، بل وأكثر مما قد يقوم به الابناء لآبائهم وهذا يخفف عن آلامنا خاصة في هذا العمر ويجعلنا نعيش كأسرة واحدة. حوار: عماد عبدالحميد