لكل دولة عصابتها الاجرامية التي تحكم قبضتها على جوانب معينة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتفرض نفوذها في مناطق قد لا تجرؤ حتى قوات الجيش على اقتحامها. وفي ايطاليا هناك لاكوسا فوسترا. وفي اميركا هناك المافيا. وفي جنوبي شرقي آسيا هناك الترايدز، وفي الصين وهونج كونج وتايوان هناك التونج. وكل تلك عصابات للجريمة المنظمة. وهي منظمة ومتماسكة ومغلقة بدرجة قد تستحيل معها اي عملية اختراق. وهي معروفة للجميع وقد طبقت شهرتها الآفاق. ولكن هناك منظمة لم تشملها تلك القائمة وكأن لا أحد قد سمع بها. منظمة بدأت نشاطاتها الاجرامية منذ نحو ثلاثمئة عام. منظمة لها المباديء الخاصة بها، والفلسفة التي حددها مؤسسوها الأوائل، وهي ليست أقل قوة وتماسكاً من المافيا، بل هناك من يعتقد ان سطوتها ونفوذها تتجاوزان نفوذ وسطوة المافيا. إنها منظمة ياكوزا اليابانية. يعود تاريخ عصابة «ياكوزا» الى العام 1612 عندما بدأت مجموعة من الأشخاص كان يطلق عليها كابوكي ـ مونو، أي المعتوهون، تلفت أنظار المسئولين المحليين، وكان سلوكهم الغريب، وملابسهم وطريقة تصفيف شعورهم والسيوف الطويلة التي تتدلى حتى تكاد تلامس الأرض أشياء جعلت أشكالهم مألوفة للجميع. وكان الكابوكي ـ مونو يعذبون ويخيفون السكان على هواهم. وقد ينزع أحدهم سيفه ويغمده، هكذا دونما مبرر في صدر بريء لمجرد الاستمتاع بمنظر الدماء وهي تسيل من جسده. وكان أفراد مجموعة كابوكي ـ مونو مثالا للساموراي المتزمت، يطلقون على أنفسهم أسماء غريبة ويتحدثون بلهجة قوية لا يفهمها من هو خارج العصابة. وتميز هؤلاء بولاء لا يتزعزع تجاه المجموعة واعضائها. وكانوا يفرضون حماية حديدية على بعضهم البعض وعلى أفراد عائلاتهم. وفي واقع الأمر كان الكابوكي ـ مونو خداماً لشوجون، ويطلقون على أنفسهم لقب «خدام شوجون العظيم». وتشكلت المجموعة من نحو نصف مليون من الساموراي الذين تبطلوا وفقدوا وظائفهم خلال فترة السلم ابان فترة تاكوجاوا. وتحول معظم هؤلاء الى رجال عصابات ولصوص يعيثون في مدن وقرى اليابان فساداً يفرضون الاتاوات ويقتحمون المنازل ويستبيحون الحرمات. لم تتأكد سطوة عصابة ياكوزا الا في منتصف القرن السابع عشر، حيث انقسمت مجموعات اجرامية متخصصة ولكل منها نشاطها الخاص. فهناك عصابة باكوتا المتخصصة في القمار، وتيكيا الناشطة في مجال عصابات الشوارع. ولاتزال هذه التسميات تستخدم في وصف اعضاء ياكوزا اليوم، بالرغم من تشكيل مجموعة جوريتناي في اعقاب الحرب العالمية الثانية. وتعود اصول أعضاء هذه المجموعات الى عائلات فقيرة، لا تمتلك اراضي زراعية او ممتلكات وتكاد تكون منبوذة من المجتع، وظلت هذه المجموعات تمارس نشاطها في مناطق محدودة لا تخرج عنها. وفي مرحلة لاحقة بدأت ياكوزار مونو تنظم نفسها في مجموعات عائلية تربط بينها علاقة اطلقت عليها او يابون، كوبون ـ اي دور الاب/ دور الابن. وكان اويابون هو الاب الذي يقدم النصائح والارشادات والحماية والمساعدة. اما كوبون فكان الابن الذي يؤدي قسم الولاء والاخلاص وتقديم الخدمات التي يكون اويابون بحاجة اليها. وكان كازو تاوكا الذي اطلق عليه لقب «نهر الدم» هو اويابون المجموعة الاجرامية منذ العام 1940 وحتى وفاته العام 1981. وكان الاب الثالث منذ اقامة التنظيم الجديد. نجا تاوكا من محاولات اغتيال عديدة، بما في ذلك محاولة تمت خلال العام 1978 عندما اطلق عضو في منظمة منافسة رصاصة اصابت عنقه. وفارق تاوكا الحياة اثر اصابته بنوبة قلبية، واقام له اتباعه جنازة مهيبة تليق بزعيم احكم قبضته على افراد عصابته لفترة تجاوزت الثلاثين عاما. واستغلت الشرطة الحدث واقتحمت منازل افراد العصابة واعتقلت اكثر من الف منهم كما صادرت اسلحة وسيوفا وعقاقير محظورة. انغمست عصابة ياكوزا في عالم التجارة والسياسة من البدايات الاولى لتكوينها. ويتسم اعضاء العصابة بنهم غير طبيعي للنفوذ والسلطة والمال، بالدرجة التي راجت فيها الشائعات بعلاقات قوية تربط احد رؤساء الوزارة اليابانية وزعيم العصابة. اما في الجانب الاقتصادي التجاري فقد تجاوزت نشاطات المجموعة حدود اليابان الى الولايات المتحدة حيث قامت شركة ويست تسوشو التي تتخذ من طوكيو مقرا لها والمملوكة للمليونير ايشي سوسومو بشراء مؤسسة كوانتم اكسس بمدينة هيوستن الاميركية وشركة اخرى لادارة العقارات والتمويل والتسويات المالية بمدينة نيويورك. وكل ذلك تم بمساعدة مباشرة من بريسكوت بوش جونيور الذي قبض ربع مليون دولار كأتعاب على تحديد الشركة التي يمكن للعصابة ان تمتلكها. مأمون الباقر