عثر العلماء في العام الماضي على جمجمة قد تكون لأول انسان غادر افريقيا متجها الى اوروبا. وقد جاء هذا الاكتشاف تحت انقاض بلدة من العصور الوسطى تدعى «دمانيسي» وتقع في جمهورية جورجيا. ويحمل هذا الانسان الذي يعتقد بأن عمره 10 ملايين و75 سنة دماغا صغيرا يختلف عن الحجم الذي كان يعتقد العلماء ان اجدادنا احتاجوا اليه لكي يهاجروا الى بلاد جديدة. كما ان اسنانه النابية الضخمة وجبينه الرفيع تبدو اشبه بالقردة اكثر مما تكون شبيهة بفئة الانسان المتحضر، وهي فئة تضم الانسان الحديث وأسلافه. والى جانب مستحاثات وأدوات عثر عليها في المكان، فإن هذه الجمجمة تعيد طرح اسئلة عديدة حول اصل الانسان لدرجة ان احد العلماء غمغم قائلاً: ينبغي عليهم ان يعيدوها الى الارض». ويقول فيليب رايتماير من جامعة بنغهامبتون، الذي امضى حياته المهنية في قياس النتوءات على الجماجم والفراغات بين عيني خليط من المستحاثات المعروفة باسم «هومو اريكتوس» يقول انه قد غير فكرته حول الانسان الأول الذي هاجر من افريقيا، حيث كان يعتقد ان هومو اريكتوس هو ذلك الانسان قبل ان يتم اكتشاف الجمجمة في جمهورية جورجيا مؤخرا. والعالم الذي عثر على الجمجمة هو ديفيد لوردكيبانديز، وهو عالم في المستحاثات البشرية من متحف الدولة الجورجي في تبليس. ففي التسعينيات، وضع ديفيد الذي يناديه اصدقاؤه بـ «داتو» دمانيسي وهو موقع حفر على قمة تلة تطل على درب الحرير القديم، على قائمة تضم أهم مواقع المستحاثات في العالم. وفي ذلك العقد، قام فريق البحث المؤلف من داتو وزملائه باستخراج العديد من الجماجم عديمة الوجه والفكوك السفلية والتي بدا انها كانت للمخلوق هومو اريكتوس هذا بالاضافة الى عثورهم على الآلاف من الأدوات الحجرية البسيطة في ترسبات قدر الفريق تاريخها بما بين 1.8 و1.7 مليون سنة مضت، وهو اقدم دليل على وجود الانسان خارج افريقيا. وقد فاجأت تلك التواريخ الأوساط العلمية المتشككة. ففي بداية التسعينيات، كان يعتقد معظم العلماء ان «هومواريكتوس» لم يغادر افريقيا الا قبل حوالي مليون سنة. وفي الموسم الماضي، وبينما كان يزور موقع حفر آخر غربي جورجيا، تلقى داتو مكالمة هاتفية على هاتفه النقال من دماينسي يخبرونه فيها عن اكتشاف جمجمة اخرى، اسرع داتو بالعودة. وقد ادهشته الجمجمة التي شاهدها نصف مطمورة في الطين. ومنبع الدهشة هو ان المستحاثات الخاصة بالجماجم عادة ما تكون مسحوقة بحيث يصعب التعرف عليها، ولكن الجمجمة هذه بدت كاملة تماماً تقريباً كأي جمجمة تجدها في مسرح جريمة في القرن الحادي والعشرين، ولم تبد مثل جماجم «هومو اريكتوس» فجبينه بدا رفيعاً وأنفه صغيراً نسبياً وكانت له انياب، وكان تجويفه الدماغي صغيراً، حيث يبلغ اقل من ثلثي حجم التجويف الخاص بالهومو اريكتوس، واذا كان حجم الدماغ يعد مقياساً للذكاء كما يعتقد العلماء منذ فترة طويلة، فإن هذا الحيوان الشبيه بالانسان «الانسان الاول» من جورجيا لم يكن بدرجة ذكاء هومو اريكتوس على الارجح. وبنظر داتو، فإن الجمجمة الجديدة لديها وجه يشبه وجه الشمبانزي الذي يتمتع به انسان الهومو هابيليس وهو انسان صغير البنية ذو ذراعين طويلتين متدليتين كان يصنع الادوات الحجرية البدائية قبل 2.4 مليون سنة. ويقول داتو: ان هؤلاء الشبيهين بالانسان هم اكثر بدائية مما كنا نعتقد، وهكذا فإن لدينا لغزاً محيراً جديداً. هل يمكن ان يكون أول عابر للقارات من البشر هو انسان اول من غير هومو اريكتوس؟ بحسب الاكتشافات التي تمت في افريقيا، فإن هومو اريكتوس كان مخلوقاً طويلاً ذو خطوات طويلة ودماغ كبير وبنية تشبهنا كثيراً، ومن جهة اخرى فإن هومو هابيليس كان يتمتع بساقين قصيرتين وذراعين طويلتين، وتشير المواقع التي عثر فيها على ادوات الـ «هومو هابيليس» في افريقيا الى ان هذا المخلوق عاش فقط حول مصادر المياه الموثوقة، ولم يبد ميالاً للهجرة او مبنيا بشكل يلائمها. ضرار عمير