في كل عام وخلال موسم التسلق الممتد من شهر يوليو الى شهر اغسطس، يشق حوالي 400 ألف متحمس طريقهم الى قمة اعلى جبل في اليابان وهو جبل «فوجي»، الذي يبلغ ارتفاعه 12 ألفا و388 قدما. وبالنسبة لليابانيين، فان جبل فوجي، الذي يعني اسمه «بلا نظير»، لا ينافس في قدرته على اثارة شعور بالهوية الوطنية حتى في مجتمع يتسم بطابع فردي اكثر مما كان في السابق. ومن الصعب المبالغة بالجاذبية المغناطيسية لجبل «فوجي»، فهو ينتصب بشكله المخروطي من فوسا ماجنا، وهي مفصلة تكتونية تقسم هونشو، الجزيرة الرئيسية في اليابان الى نصفين، وبقمته المسطحة، فان فوجي سان، كما يسميه اليابانيون انفسهم، يشبه كومة عملاقة من المسحوق (مسحوق الدقيق في الشتاء والغرافيت في الصيف) المنثور على صفحة من الكعك المحلي، ويمكن مشاهدته في يوم صاف من طوكيو على بعد 70 ميلا. ويظهر فوجي، الذي ظل طوال قرون اقدس الملاذات الطبيعية في اليابان ـ يظهر اليوم بوسائل اخرى مثل علامة تجارية رائجة للمياه المعدنية وشعار جالب للحظ للمئات من الشركات التجارية ومن بينها الشركتان العملاقتان متعددة الجنسية «فوجي فوتو فيلم» و«فوجي زيروكس» ويقول احد قدامى المتسلقين ان «اليابان بدون فوجي ستكون مثل اميركا بدون تمثال الحرية». يبدو التأثير النفسي لجبل فوجي باديا على صيكوتارو اوماتا الذي يبلغ من العمر 80 عاما. يقول اوماتا: «عملت دليلا للتسلق لمدة 60 عاما! وقد صعدت القمة اكثر من 800 مرة». ويعلن بكل ثقة ان فوجي انقذ حياته عندما كان يخدم في جيش الامبراطور في الحرب العالمية الثانية، فقد كان شبه ميت يعاني من المجاعة في غينيا الجديدة عندما ظهر له جبل فوجي في المنام مغطى بالثلوج وبأبهى حلته، وصرخ فيه قائلا: «عُدْ وتسلقني!» فما كان على أوماتا إلا ان يطيع هذا النداء، غير ان السحر القديم تلاشى سريعاً أثناء «المعجزة الاقتصادية» اليابانية في فترة ما بعد الحرب، ولكن لا يزال هناك العديد من الأشخاص الذين يؤمنون بالقدرات السحرية الاشفائية والطاقات الكامنة في جبل فوجي. والخوف من غضب فوجي هو وحدة الكفيل بالتغلب على القداسة العميقة في الوعي الجماعي لليابانيين، فالسجلات تشير إلى ان الجبل ثار عشر مرات على الأقل منذ عام 781 للميلاد مطلقاً ألسنة اللهب والأنهار الذائبة. وجاءت ثورته الأخيرة في عام 1707 في أعقاب زلزال هائل قدرت قوته بحوالي 8.4 درجات على مقياس ريختر الحالي. وغطت فوهة البركان الجبهة الجنوبية الشرقية لجبل فوجي، ممطرة رماداً سميكاً جداً لدرجة ان احد كتاب اليوميات كتب يقول: «كنا نضيء الشموع حتى في النهار». وقد تجددت المخاوف القديمة قبل عامين عندما اكتشف موتو أوكاوا وزملاؤه في معهد البحوث الوطني لعلوم الأرض والوقاية من الكوارث بالقرب من طوكيو، اكتشفوا زيادة في النشاط الزلزالي تحت قمة بركان فوجي. وتقوم أجهزة لقياس النشاط الزلزالي مزروعة حول جبل فوجي بارسال بيانات عن ذلك على مدار الساعة، وتلتقط هذه الاجهزة باستمرار هزات ضعيفة تقلق أوكاوا وزملاءه. ويعتقد هؤلاء العلماء ان كشف اللغز المتعلق بمسبب هذه الهزات سيوفر مفتاحاً أساسياً للتنبؤ بموعد تفجر بركان فوجي، الذي يعد أكبر بركان نشط في اليابان، من جديد. يحتل الوقت أهمية جوهرية لأن الانفجار التالي لبركان فوجي يمكن ان يسبب الدمار باجتياحه محلات بيع السيارات المستعملة ومطاعم الوجبات السريعة ومشروعات التطوير الاسكاني على الطرق الدائرية التي تلف الجبل، والاسوأ من ذلك هو انه قد ينفث الرماد والغازات القاتلة فوق منطقة طوكيو الكبرى، حيث يعيش ويعمل الآن ربع عدد سكان البلاد البالغ 127 مليون نسمة. ويحاول المسئولون في المنطقة التقليل من أهمية ما توصل إليه أوكاوا وذلك خوفاً من تأثير ذلك على قدوم السياح إلى الجبل، وتفيد التقديرات ان حوالي 25 مليون زائر يفدون سنوياً إلى محيط جبل فوجي، وان مجموع ما ينفقونه يبلغ 1.5 مليار دولار. ومن جهة أخرى يسعى سكان المنطقة إلى الحفاظ على الجبل من الافراط في استغلاله بالمشاريع التطويرية وجمعوا لهذا الغرض 2.4 مليون توقيع على عريضة لحماية جبل فوجي بإعلان اليونسكو عنه موقعاً للتراث العالمي. ضرار عمير