اكثر من اسبوع ونحن لم نذق للنوم طعماً، وليس لأمي المسنة الهرمة بتول بت الناظر من تعليق على ما يقع بالبيت المجاور لنا من الجهة الشمالية سوى عبارة «اريتو يا يمة حال السواد» وحال السواد هذه اشارة لحال جيراننا الجدد. عشرون عاماً إلا شهراً واحداً هي عمر رحيلي مع بتول بت الناظر، واقامتنا بهذا الحي الطرفي من امدرمان. فبيت القطاطي القديم بوابورات بحري انتزعته منا الحكومة اثر وفاة ابي. كانت المساحة التي عليها الحي الحالي جرداء خلاء إلا من قطعان البقر والخراف التي يقدم اصحابها من جهة الغرب. غرفة بنيناها ثم غرفة ثم سوراً اقمناه. بعد قليل جاء البشر وجاورونا. اناس كأنما عجنتهم الرقة وطيبة القلب وحسن المعشر. لم نر فيهم سوءاً، ولم نسمع منهم الفاظاً كالتي فرضت نفسها علينا في اول القصة. الحاج عبد الصمد ـ رحمة الله عليه ـ هو وأولاده كانوا جزءاً منا. كثيراً ما وصف الحاج الجدار الذي يفصل بيننا بالجدار الوهمي. بتول بت الناظر والسرة زوجته تبادلتا الأواني وهي مليئة بما طهته يد كل واحدة منهما لدرجة لم تتشابه فيها يوماً صنوف الطبيخ. الآن حط زمن غير ذاك. مات الحاج عبد الصمد. هاجر ولداه عثمان وعبدالله الى المملكة السعودية، ولحقت بهما حاجة السرة. سكن البيت المجاور رجل وامرأة. زوجان بدون اطفال يبدأ الشجار بينهما من أول صباح اليوم لينتهي بأول صباح اليوم الذي يليه. «بلا ياخدك بلا ياخدك انت واي» أدوات ترتطم بالحائط ®. اقدام تركض®. زجاج يتكسر. صوت الزوج الاجش يصيح «تعضيني ياجبانة؟» ليس باستطاعة احد ان يتدخل فالرجل قد رأيته مرة واحدة بالبقالة الواقعة في ناصية الشارع الذي نسكنه، وهو في مظهره، طويل، اخضر، نحيف، صغير العينين، أنفه مثلث منتفخ، شعره ابيض، في نهاية الاربعينات، يكاد ظهره ان يتقوس قليلاً حين يمشي. أما المرأة فلم أرها ولكن سمعت انها منطوية قامت بزيارتها الجارات كما هي عادة النساء اللائي تحل وسطهن جارة جديدة وبتول بت الناظر كانت في مقدمتهن، لكنها لم ترد لهن الزيارة وهي في وصفهن لها ذات حظ من الجمال والتعليم. أما في لسان سليطة اللسان جارتنا من جهة الجنوب «سعدية» فهي مبشتنة وبيتها ما منظم وفسلة. تملكني الاعياء. رئيسي المباشر بمصلحة البريد والبرق انتقدني علناً امام الكل حين دخل اثناء ساعات العمل علينا بالمكتب فوجدني اطلق سيلاً من الشخير القاسي. «افتكر النوم ده مكانو البيت ياأخ ابراهيم». لم أشأ ان اقول له بأني تعبان ومظلوم فاعتذرت كما عادة الناس بالظروف وخرجت لأغسل وجهي. عدت ظهراً للبيت ولكن ما ان وضعت قدمي على بلاط الباب حتى بلغ مسمعي الزوجة وهي تسب : «سخيف»، تلتها «ووب» لتليها «بت الـ » حينما تقدمت الى الداخل رأيت بتول بت الناظر وهي واقفة تحت الجدار الذي يفصلنا منهم وهي تردد هذه المرة بصوت أوضح وأعلى كأنما عزمت على ان تسمعهما «اريتو يا يمة حال السواد» وكانت تجر من وتضغط على كلمة «السواد» بعناية وتركيز دون بقية الكلمات. هبط المغيب خرجت ماراً بالبقالة التي على ناصية الشارع فوجدت «حسنين» صاحبها على المام بكل شئ. ما إن رآني حتى بادرني بالقول : «شنو الحكاية» يا ابوخليل الناس كلها قاعدة تشكي من جاركم ده. ناس اللجنة الشعبية قالوا ح يتكلموا معاهو في اليومين ديل». لم أجب حسنين بشئ لأني اعرفه من اولئك الثرثارين الناقلين لكل صغيرة وكبيرة عن الناس، اكتفيت بابتسامة غامضة. سبعة ايام ولا اكثر. سبعة ايام بتمامها وكمالها تطلبتها المعجزة فجأة وبدون مقدمات خمدت الاصوات سكوت ثقيل خيم على البيت المجاور لا تكاد تسمع شيئاً. بدأ الجيران يتهامسون الزوج والزوجة يخرجان من الصباح الباكر ولا يعودان إلا بعد الظهر وعلى ايديهم اوراق. شئ غريب. ابتدأ الزوج وعلى غير العادة في تحية الجمع الذي يقف على البقالة، بل صار يتوقف معهم احياناً متحدثاً معهم حول امور عامة مثل: البنزين، المواصلات، الدواء، الشاي، السكر اللبن، ولكن ومن دون كل تلك الأشياء كان يهتم بالزبادي وكم كنت ستكون محظوظاً إذا سمعته يقول : «الزبادي سعرو صاعد خالص». حضرت قبل ايام للبقالة بغية شراء كبريت، فخاطبني حسنين «رويتر - كما يسمونه رجال ونساء الحي» وكان يتحدث بمتعة اكتشاف كولمبس لامريكا : «صاحبك ما طلع زول ظريف» وواصل بينما عيناه تلمعان وصلعته تتصبب عرقاً: «تصور الراجل ده زول الله®. مسكين. مسكين ساكت اصلو القصة وما فيها انو وبعيد عنك «وهنا كان يعنيني» الراجل احالهوا للصالح العام. ثم مضى مادحاً له على طريقته حينما يكسب زبوناً جديداً لايتعامل معه بالدين: «ياأخي موسى ده طلع موظف قديم، محاسب محترم وزوجتو قارية كمبيوطر» ثم صمت قليلاً واضاف: «وبعدين بيحب الزبادي حب». ما ان مر يومان على حديث حسنين هذا حتى حدثت معجزة من نوع آخر. كنت على فراشي عصراً أفكر بالاستحمام وزيارة احد الاصدقاء بالحي المجاور فإذا بي وفي ذلك الوقت الساكن الميت بالسودان اسمع غناء نشازاً لأغنيات غير مكتملة يخرج الصوت كالحشرجة ثم يعلو شيئاً فشيئاً ثم يهبط كيفما اراد، ليتحول بعدها الى صراخ ضاغط ومتشنج : متين عرف الهوى قلبك. متين صابك بآهاتو، ثم يدخل مباشرة في خداري البي حالي وكان يقف ويردد مكرراً في كلمة «حالي» هذي لمرات لاتحصى، ليعبر لغيرها بتغيير الايقاع: وسماع أصوات الرجلين وهي تضرب على الارض ضرباً مبرحاً. ثم يقفز بسرعة وكلفتة تشبه سرعة وكلفتة اغاني مسك الختام بالمناسبات الاجتماعية السارة: بالسلامة وترجع ايامنا الجميلة الخ، وهكذا نكتشف معاً عزيزي القارئ ان صاحب الصوت الظاهرة - الصوت الذي لايقهر هو جارنا العزيز . كل مافي الامر انه كان قد سبقني ان لم اقل سرق فكرتي في اخذ حمام. بعد قليل كنت افعل نفس الشئ ولكن بدون غناء. بعدها لبست جلبابي وهممت بالخروج من باب بيتنا، ولكن اذا بي وجهاً لوجه مع صاحبنا. احم احم تنحنحت كدت لا اعرفه بدا امامي وكأنه شاب في أول الثلاثينات مصبوغ الشعر، حليق الذقن تسريحته مشقوقة على طريقة «ابراهيم عوض» بينما جلبابه الابيض يكاد يجزم ناظره بأنه جديد، ما ان رآني حتى ابتسم في وجهي ابتسامة ذات معنى، وسرعان مابادرني هاشاً باشاً ممطراً لي بفيض من نوع اسئلة : «وين انتو يا اخي ثم ـ يا سلام. بس من ديك وعيك. تعالوا اتفضلوا علينا - علينا جاي». ودون ان يمنحني أدنى فرصة في صك ردود المجاملة انبرى هو بدلاً عني يجيب بـ «إن شاء الله وخليها على الظروف وبارك الله فيك» ومضى وتركني في لجة من الحيرة واليأس. عندما عدت مساء من بيت صديقي في الحي المجاور تذكرت ان لي لبنا عند حسنين لابد من أخذه. وما ان رآني «حسنين» من داخل بقالته حتى أقبل نحوي مهرعاً يكاد ان يقع من فرط الضحك. فسألني والضحك يعاكس كلماته: - شفت صاحبك الليلة؟ - أيوة شفتوه. مالو؟ - مالو وده سؤال ده ياأبوخليل الراجل مرتو اغتربت. - اغتربت مشت وين؟ - ليبيا أو ناميبيا غايتو واحدة منهم. عندما عدت باللبن الى البيت وجدت بتول بت الناظر مستلقية تشاهد في الابيض والاسود وهو تلفزيون كان قد اهداني له صديق اخذ لجوءاً سياسياً برواندا. جلست قبالتها ثم دار بيننا الحوار التالي: - انت ياحاجة ماملاحظة شئ اليومين ديل؟ - شئ زي شنو؟ - الجماعة «وهنا صمت» اقصد جيرانا البي جاي ديل مش قطعوا الحركة. - آآي والله - امكن ربنا رب العالمين عدلا عليهم «أجابتني وهي تنظر الى الابيض والاسود» قلت وأنا اتثاءب: قالوا الولية اغتربت. هنا سألتني بشئ من الدهشة: سجمي - اغتربت؟ اغتربت الله ورقبتها؟ - أيوة الله ورقبتها. - والراجل؟ - الراجل بقى صاحب حسنين بتاع البقالة. وهنا عدلت بتول بت الناظر في جلستها واصلحت من طرحتها. صمتت للحظات ثم نظرت الى الظلام البادي في البيت المجاور لنا من الجهة الشمالية وعلقت ناظرة اماماً قائلة: «أريتو يا يمة حال السواد» عن «الرأي العام»