يعد المؤلف والمترجم شوقي جلال واحدا من أبرز الأسماء المميزة التي احتلت موقعا خاصا في عالم الترجمة على الساحة الأدبية المصرية والعربية، فقد أثرى المكتبة العربية، بأكثر من 45 كتابا مترجما في شتى فروع المعرفة وستة مؤلفات من أبرزها الترجمة في العالم العربي، العقل الأميركي يفكر، التراث والتاريخ، ثقافتنا والإبداع، صراع الأسطورة والتاريخ على طريقة توماس كون، ومن أبرز الأعمال التي قام بترجمتها الشرق يصعد ثانية، تشكيل العقل الحديث بنيه الثورات العلمية، لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة، الآلة قوة وسلطة . وشوقي جلال عضو اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا وعضو لجنة الترجمة ولجنة قاموس علم النفس بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة وساهم في العديد من المؤتمرات والمنتديات الأدبية المصرية والعربية وفي هذا الحوار يتحدث لـ «البيان» عن مشواره مع الترجمة والتأليف ومشاكل ومقومات حركة الترجمة العربية وآفاقها المستقبلية. سألنا في البداية عن سر أختياره لمجال الترجمة دون غيره من الإبداع فقال: ـ اخترت الترجمة نظرا للظروف والأوضاع السياسية التي كانت تحظر على إبداء الرأي في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، فاتجهت للترجمة كي أعبر عن رأيي بلسان الآخرين، وقد أتاح لي هذا التستر خلف المؤلف الأصلي ليس لتفسير النص ولكن للإيحاء من خلاله على موقف معين أو لفت الانتباه والتركيز على شئ ما من الصعب التحدث به بصراحة. ـ تدخل المترجم في النص الأصلي ما رأيك في أي مدى يكون هذا التدخل؟ ـ ليس تدخلا ولا يحق للمترجم أن يقوم بتغيرات ما في النص الأصلي، ولكن ما أردت توضيحيه أن للمترجم الاختيار من بين النصوص في البداية لكي يقوم بعملية الترجمة، وعملية الاختيار هذه تحدد الموقف المبدئي للمترجم، كما أنه يمكنه التركيز أو إبراز فكرة معينة يجعلها أقرب لفهم القارئ وقد تكون هذه الفكرة هي ما تتضمن أو تحمل موقفه ورأيه الشخصي. ـالموقف والإتجاه يحددهما إلى حد كبير البدايات فإلى متى يعود شغفك وإهتمامك بالترجمة؟ ـ يعود حبي للترجمة إلى تكويني الثقافي منذ الصغر حيث نشأت وسط أسرة تحب القراءة والمطالعة وأب شغوف بمطالعة الأدب العالمي وأحدث الإصدارات في الغرب، ورغم أنه كان يعمل موظفا في وزارة الحربية إلا أنه كان مهتما بالثقافة والأدب وكان يجلب لي الكتب المترجمة وبخاصة وأنا في المرحلة الثانوية حيث قرأت لاينشتين وداروين وتعلقت بهذه النوعية من الكتب وأصبح ميلي إليها وساعدني في ذلك دراستي بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة وقد بدأت وأنا في السنة الثانية بالجامعة في ترجمة كتاب مذكرات داروين صاحب نظرية التطور وذهبت بالترجمة إلى الأستاذ حلمي مراد الذي كان يصدر سلسلة كتابي لنشرها فطلب مني لصغر سني نشرها بدون إسمي، فرفضت وخسرت الترجمة في ذلك الوقت وبعد تخرجي من الجامعة شرعت في ترجمة كتاب السفر بين الكواكب وكان بمناسبة إنطلاق أول قمر صناعي أو كما يقال أول مركبه فضائية وكان الكتاب يلائم صخب العالم في ذلك الوقت حول الفضاء. اهتمام علمي ـ وعلى هذا جاءت جل ترجماتك فيما يخص العلم والتكنولوجيا؟ ـ الاهتمام لم ينصب على تصنيف معين بل قمت بترجمة العديد من الأعمال ما يربو على 45 كتابا منها ما يهتم بالعلم والتكنولوجيا ومنها ما يهتم بالتاريخ الإنساني والثقافات القديمة والتراث وحتى الأعمال الأدبية مثل رواية المسيح يصلب من جديد، وما يجذبني ناحية هذه الكتب هو حديثها عن المستقبل ومحاولة قراءة الماضي والحاضر لإستشراف ذلك المستقبل . ـوما الفرق بين الترجمة والتعريب وأيهما أكثر أمانه في نقل النص؟ ـ أولا لابد من الإشارة إلى أنه في بداية حركة الترجمة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كان المترجمون غير متخصصين فمنهم الصحفي والمحامي، كما كانت المعرفة باللغات الأجنبية بدائية، وكان هؤلاء المترجمون لا يريدون نقل العمل الأدبي كما هو، وكانوا يترجمونه بتصرف حتى يناسب ذلك العمل القارئ العربي وهذا ما سمي بالتعريب كما كان هناك نوع آخر من التعريب من خلال إشتراك شخصين في عملية الترجمة بحيث ينقل أحدهما المعاني إلى اللغة العربية ثم يصيغها الآخر صياغة أدبية ولدينا أعمال كل من حافظ إبراهيم والمنفلوطي، وقد كانت لهذه الطريقة ميزة كبيرة في أنها عملت على تقريب النص الأجنبي للقارئ العربي الذي كان محتاجا لأن يعرف شيئا عن الأدب العالمي وهؤلاء المصريون وفوا تماما بسد هذا الاحتياج، أما الترجمة فهي اختيار النص الملائم ثم النقل دون محاولة للتدخل في النص من جانب المترجم. ـ وهل اختلفت طرق الترجمة الآن؟ ـ الترجمة الآن أصبح مجالها واسعا ولم تعد كالعقود الأولى من القرن حينما كان هناك أدب روسي أو فرنسي فقط أما الآن فهناك ترجمة علوم ومسرح وشعر وكتب تاريخ وإجتماع وأشياء كثيرة إلى جانب ترجمة الأدب، وهناك ترجمة موجهة للقارئ العادي وأخرى موجهة للطالب المتخصص، إضافة إلى أن الترجمة الآن تقوم على نظريات وضعت بعد أبحاث كثيرة فبينما كنا نترجم قديما على أساس حكمنا على النص الأجنبي من حيث سلامة لغته وأن تكون هذه اللغة مفهومة لم يعد المقياس كذلك الآن وأصبحت هناك الترجمة التوصيلية والترجمة المعرفية وأنواع أخرى كثيرة وما يلزم لغرض قد لا يناسب غرضا آخر . إبداع ـ ومع كل ما ذكرته سابقا هل تعتبر الترجمة عملية إبداعية أم مجرد نقل؟ ـ الترجمة تحتاج إلى جانب إبداعي وجانب معرفي بجانب الذكاء وذلك كأي عمل جيد في أي مجال من المجالات فلا يوجد مبدع ليس لديه ذكاء وقدره على إبتكار شئ جديد إذن فالترجمة بها درجة من الإبداع ولكن يجب أن يكون على أساس كبير جدا من المعرفة والبحث بمعنى أنني رغم عملي بالترجمة منذ أكثر من أربعين عاما لا أستطيع العمل إلا وبجواري مجموعة كبيرة متخصصة من المراجع اللغوية ويجب على كل مترجم أن يفعل هذا وهنا يأتي دور الإبداع الذي يجعلني أختار المعنى الأكثر ملاءمة. ـوما رأيك في حركة الترجمة الموجودة حاليا؟ ـ حركة الترجمة حاليا يشوبها الفوضى والعشوائية وتتحكم الفردية في عمل الترجمة سواء من حيث اختيار النصوص أو تقديم ترجمات متعددة لنفس النص، كما توجد عدم الدقة في الترجمة الذي يضر بالمعني ويشوهه، كما أنه يتم التركيز على نصوص ذات قيمة غير كبيرة عكس ما تم ترجمته في الفترات السابقة حيث كان يوجد مترجمون جيدون يلبون حاجه لدى القارئ العربي وعلى سبيل المثال ترجمة خليل مطران لشكسبير فرغم وجود بعض التحفظات عليها إلا أنه يحسب له أنه عرف العرب بشكسبير وقدمه لهم إلى أن أصبح شكسبير قوة حاضرة في الثقافة العربية. ـ وماذا عن الترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية؟ ـ في رأيي لم تقدم نفس القيمة للقارئ الغربي باستثناء ألف ليلة وليلة الذي ترجم للفرنسية رغم أن تلك الترجمة لم تكن دقيقة تماما إلا أنها كانت بمثابة فتح جديد وترجمت بعدها من الفرنسية إلى اللغات الأخرى وأصبحت حاضرة في الضمير الأوروبي، ولكن حاليا وبشكل عام فرغم كثرة ما ترجم إلا أن ترجمة الأدب العربي في الخارج تواجه مشاكل كثيرة مثل التمويل والتوزيع إضافة للمشاكل المتعلقة بطبيعة اللغة العربية ومشكلة تجاوز الحاجز الإعلامي وغيرها من المشاكل، وبإستثناء نجيب محفوظ فالأدب العربي المترجم لدى الغرب لم يقدم نفس القيمة للقارئ هناك . ـ ولكن ما هو الحل في رأيك وخاصة أنك عضو في لجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة؟ ـ لابد من تعاون هيئات عديدة على مستوى العالم العربي للخروج بمشروع قومي للترجمة لأن الترجمة لا تقتصر فقط على مصر، ورغم وجود هيئة اليونسكو العربي إلا أننا نحتاج لهيئة كبيرة تضم كل مشروعات الترجمة في البلاد العربية إلى جانب ذلك يجب حل المعوقات الخاصة بالمصطلحات والمفاهيم التي تختلف من بلد لآخر مثل الترجمات المغربية فيوجد بها مصطلحات غير شائعة بيننا، ومن المفترض أن يكون هناك اتفاق على المصطلحات من خلال مجمع اللغة العربية كما يجب الاتفاق على المحافظة على البنية الأساسية للجملة العربية.