السجع في اللغة: صوت الحمامة، وسجعت الحمامة: رددت هديلها. وفي الاصطلاح: هو الكلام المقفى، او موالاة الكلام على روي، ويعرفه البلاغيون فيقولون: هو توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد، كقول قس بن ساعدة الايادي: «من عاش مات، ومن مات فات». ويقصره بعضهم على النثر، ويعممه آخرون على الشعر، فيطلقونه على ما يسمى الترصيع كقول ابي الطيب المتنبي: فنحن في جذل، والروم في وجل والبرّ في شغل، والبحر في خجل ومدمن السجع، كالقاضي الفاضل سجّاعة، والحمامة سجوع، والفقرة من الكلام المسجوع، سجعة كقول المتنبي «فنحن في جذل»، وقيل اسجوعة، واختها التي توائمها «والروم في وجل» قرينة، لأنها تقترن بسابقتها، وربما كان من الافضل ان تميز الاسجوعة من السجعة، فتطلق السجعة على الفقرة الواحدة كقول قس «من عاش مات» وتطلق الاسجوعة على بضع سجعات، يجمعها موضوع واحد، او مقام واحد، كما تطلق الارجوزة على المقطعة من الرجز، والارجوزة كما تعلم بضعة ابيات، ومثال الاسجوعة قول هانيء بن قبيصة الشيباني: «هالك معذور خير من ناج فرور، ان الحذر لا ينجي من القدر، وان الصبر من اسباب الظفر». واذا احتكمت في السجع الى الاقدمين من علماء البلاغة، ثم الى المحدثين من النقاد وجدت الاقدمين يستحسنونه بشروط، والمحدثين يرغبون عنه، ويزهدون فيه، ويتهمون بالتكلف والتصنع كل من يزينون كلامهم به وبغيره من محسنات البديع من جناس وطباق وتورية، وربما ازروا به وبالمحسنات عامة كما فعل ميخائيل نعيمة في الغربال اذ شبه هذا النمط من القول بنقيق الضفادع. اما شروط استحسانه عند اهل البديع فأربعة اولها ان تتساوى القرينتان في عدد الكلمات كقوله تعالى: «فأما اليتيم فلا تقهر، واما السائل فلا تنهر». وثانيها ان تكون الالفاظ حلوة حادة لا غثة ولا باردة والثالث ان تستقل كل سجعة بمعنى، فلا تكرر القرينة معنى سابقتها والرابع ان يتبع اللفظ المعنى لا ان يكون المعنى اسير اللفظ. ومحك النقد في هذه الخاطرة لا يرمي الى معارضة ولا الى مناقضة: لا يعارض الاقدمين فيما استحسنوا ولا يناقض المحدثين فيما استهجنوا وانما يزعم ان للحكم على الحسن والقبح مقياساً فنياً وصوتياً يجب ان يضاف الى المقياس القديم، لأن شروط الاستحسان الاربعة السابقة قيود لابد من التزامها في الكلام المرسل والمسجوع على السواء، فغثاثة اللفظ تجدها في المرسل كما تجدها في المسجوع، والغريب يزعجك في المرسل كما يزعجك في المسجوع. وكذلك اخضاع المعنى للفظ يسوؤك حيثما صادفته، وكيفما كانت الطريقة التي يصاغ وفقها، فأنت تضيق بمثل هذا الكلام المرسل: «مالكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة، افرنقعوا عني» كما تضيق بهذا المسجوع: «لقد خبأت قطامة فسيط، وقذة مريط، في مدرة من مدي مطيط». وهذا يعني ان الشروط الاربعة لا تضع بين يديك معياراً دقيقاً تحتكم اليه، فما المعيار الفني الصوتي المقترح؟ وما مدى دقته في الكشف عن الفروق بين الضربين: الحسن والقبيح؟ يمكن ان تلخص هذا المعيار بقولك: ابدع السجع، ما صاغه الطبع، وامتع السمع، واليك البيان: اما الطبع فمصطلح غامض، ذكره الجاحظ معزواً الى الاصمعي، وكلاهما فسره تفسيرا غير دقيق، اذ جعله رديفاً للموهبة والملكة، وقرنه بالبداهة والارتجال، ومحك النقد يستبعد ان يكون الادب الرفيع ـ شعراً كان أو نثراً ـ موهبة طيعة، كأن يفتح الشاعر او الساجع فاه، فتنطلق منه الارجوزة او الاسجوعة، كما يتفجر الماء من الينبوع ويشع النور من الشمس. الطبع في نظر المحك الناقد صنعة دقت، واحسنها صاحبها حتى خفي تكلفها، ولان تعسفها واصبحت امرن من ان تدرك، وألين من ان تقاس، فأنت تبصر أهل الصناعات والحرف يحركون اصابعهم حركات هينة لينة، بلا جهد مبذول ولا قصد ملحوظ ومع ذلك تخرج السلعة من بين ايدي الصناع في غاية الابداع، فلو تكلفت ما ألفوا، وتعرفت ما عرفوا لشق عليك الامر، وهذا لعمري دأب الشاعر والناثر، كلاهما اوتي حظا عظيما من الذكاء، فوقفه على اتقان البيان، وراح يروض به عقله ولسانه حتى تحول ذكاؤه الى منظوم او منثور. والمقصود بما امتع السمع ذلك النمط المطرب المعجب الذي تهتز له بالغريزة لا بضربه على السلم الموسيقى فتود لو يكثر، ويتعاقب على اذنيك، فاذا ضربته بعد ان اطربك على محك النقد وجدته من النمط الذي يقرب النثر المرسل من الشعر الموزون، ويضعه بين بين، وحينئذ تستطيع ان تعلل وقوعه في هذه المرتبة الوسطى، وظفره بهذه الحلاوة غير المسرفة اذا افترضت ان النثر المسجوع سبق الشعر المنظوم ومهد له ثم تلاه الرجز فالقصيد. واجمل ما يمثل هذا الجمال الامثال، وهي عبارات مأثورة تعود الى ازمنة موغلة في القدم اي موغلة في الفطرة، والطائفة العظمى منها عبارات قصيرة النبرات، حادة الايقاع، مكثفة المعاني، السجعة منها كلمة او كلمتان او ثلاث مثل: «المنية ولا الدنية. أكلتم تمري، وعصيتم امري، أروغاناً ياثعال، وقد علقت بالحبال، ان سأل ألحف، وان سئل سوف، الحر حر وان مسه الضر، اذا حان القضاء ضاق الفضاء». وربما كان صانع المثل شاعرا، فسلك فيه الوزن قاصدا او غير قاصد،. فخرج الكلام من بين شفتيه بيتا او شطرا من بيت، مثل: «خذ من الدهر ما صفا، ومن العيش ما كفى، اعط اخاك تمرة، فان ابى فجمرة، شعاع الشمس لا يخفى، ونور الحق لا يطفا». ولو رجعت البصر فيما تحت عينيك كرة اخرى لوجدت ان من السجعات نموذجات لم تكتف بحرف واحد في الروي، اذ جعل رويها على حرفين او ثلاثة. وزيادة احرف الروي في الوقفات تزيد مقدار الحلاوة والطلاوة في الفم، وتضاعف الطرب في الاذن مثل: «تمري امري، القضاء الفضاء، التمرة الجمرة». ومحك النقد لا يستبعد ان يكون الحس الرهيف في نفس ابي العلاء المعري وقفه على هذا السر، فحوله الى لزوم ما لا يلزم في الشعر. وهذا الزعم المفترض يقرب الى الصواب زعم من زعم ان النثر المسجوع مرحلة من مراحل التطور الفني، افضت الى الشعر الموزون المقفى، والبارعون في السجع هم الذين ادركوا هذا السر، فأفادوا منه، وبنوا الاسجوعة من مقاطع موزونة او قريبة من الوزن، والتزموا فيها ما لا يلزم التزاما غير مطرد، اذ لو اطرد لحمل على التكلف، وانقلب الطبع الى تعسف. من ابرع البارعين في هذا النمط من السجع الرفيع بديع الزمان الهمذاني. فهو من القمم الشوامخ التي ارتقت بفن السجع، وزينته في الاسماع. ولم يستطع الحريري والقاضي الفاضل والقلقشندي وغيرهم ان يبلغوا مبلغه. ومقامة البديع المضيرية تمثل قمة القمم، لما في اسجاعها من رشاقة وطلاقة، وقصر ووضوح، وانسياب ويسر، ومجانبة للغريب، وكلف بالمأنوس، وحرص على لزوم ما لا يلزم كقوله في صفة المرأة: «وهي تدور في الدور، من التنور الى القدور، ومن القدور الى التنور، تنفث بفيها النار، وتدق بيديها الابزار». وقوله في صفة الدار: «عمرك الله يا دار، ولا خربك يا جدار، فما أمتن حيطانك وأوثق بنيانك» وقوله في اطراء صفاء الماء: «ازرق كعين السنور، وصاف كقضيب البلور، استقي من الفرات، واستعمل بعد البيات، فجاء كلسان الشمعة، في صفاء الدمعة». وتعدد حروف الروي اجمل من البناء على حرف واحد، والذين لم يدركوا هذا السر، وبنوا الاسجوعة على حرف واحد تكرر بضع مرات، ثقل سجعهم وكثف، وظهر عليه من التصنع والتنطع، والتحذلق والتفيهق ما صرف عنه الاسماع كقول المقدسي في وصف اقليم السند: «هذا اقليم الذهب والتجارات، والعقاقير والآلات، والارزاز والموز والاعجوبات، به رخص وسعة ونخيل وتمرات، وعدل وانصاف وسياسات». واجمل الاسجوعات اسجوعة بنيت من سجعتين، كالتي وردت في المقامة المضيرية، ثم من ثلاث كقول العرب: «انا تئق، وانت مئق، فكيف نتفق؟». ثم من اربع، ثم لا ثم. فمتى بلغت خمسا او ستا عراها التكلف، فآضت رشاقتها ثقلا، وانقلبت ملاحتها ملوحة، على النحو الذي يصادفك في المقطعات الثقيلة من شعر التفعيلة. ومما يقبح السجع التقديم والتأخير لوضع الفاصلة في مكانها، وتتابع الاضافات، وغرابة اللفظ التي تلهي السامع بالتفكير في المعنى عن الاستمتاع بالايقاع، ورسم الصور على نحو متكلف، وطول السجعة الواحدة الذي يبطئ الايقاع. تجد اكثر هذه المآخذ في سجع المتأخرين، ومنهم القاضي الفاضل القائل في تهنئة صلاح الدين بانتصاره على الصليبيين: «لازال مظفر الجد بكل جاحد، غني التوفيق عن رأي كل رائد، موقوف المساعي على اقتناء مطلقات المحامد، مستيقظ النصر والسيف في جفنه راقد، وارد الجود والسحاب على الارض غير وارد، متعدد مساعي الفضل وان كان لا يلقي الا بشكر واحد». فأنت لا تستطيع الا ان تفكر اول الامر في معاني التراكيب، فمتى بلغت المعنى فني وقع السجع، ولم تستطع ان تعلق عليه الا بأنه بارد بارد، وبأن صاحبه اخطأ في تخير الايقاع. فهذه الانفاس الطويلة تصلح لتشييع جنازة، ولا تصلح للاحتفال بنصر. والموسيقا العسكرية يجب ان تكون سريعة النبرات، قوية الرجع، يتحول فيها العزف الى قصف، والنغم الى حمم. وليس في كلام القاضي شيء من ذلك كله. وبعد.. فإن كنت ممن يطربون لهذا الفن فالتمسه عند بديع الزمان وامثاله ممن أوتوا من الظرافة فوق ما اوتوا من الثقافة، ولا تلتمسه عند الحريري وامثاله ممن ادمنوا التنقير عن الغريب، فإنهم يتعبونك ولا يطربونك، ولا عند القاضي الفاضل واقرانه من كتاب الدواوين، لأنهم على ارضاء الامراء بتطويل الاطراء احرص منهم على امتاعك بالادب الرفيع. وما ضل هؤلاء وأولئك الا لأنهم لم يدركوا ان ابدع السجع ما نبع من الطبع وامتع السمع