تصدر في السودان حالياً ست صحف رياضية يومية بعد ان تقلص عدد الصحافة الرياضية من حوالي (14) صحيفة يومية الى هذا العدد، علاوة على الصفحات الرياضية في (13) صحيفة سياسية يومية وتتفاوت هذه الصفحات الرياضية بين ثلاث صفحات وصفحة واحدة علاوة على صفحة رياضية في حوالي خمس صحف خاصة بالحوادث والتسلية وتساءل سمنار حول الصحافة المتخصصة في السودان عند تداوله لورقة حول الصحافة الرياضية نشأتها وتطورها ومعوقاتها في السودان ما اذا كانت هذه الاعداد المتكاثرة للصحف الرياضية دليل على عافية الرياضة في السودان.. بحثاً عن السر خلف عبرة ازدهار الصحافة الرياضية مع انتكاس الواقع السوداني الرياضي محلياً واقليمياً وعالمياً..! السودان.. برازيل الصحافة الرياضية وفي الطريق صحف رياضية جديدة حيث ستصدر قريباً على اقل تقدير صحيفتان رياضيتان يوميتان هما (الكورة) و(المونديال) ولا ننسى الصفحات الرياضية في صحيفتي (نايل كوريار) و(خرطوم مونيتور) اللتين تصدران باللغة الانجليزية في الخرطوم اما الصحف القائمة الآن فهي (عالم النجوم)، (النخبة)، (المشاهد)، (الكابتن)، (قون) و(القمة). هل هناك جدوى لهذا العدد الكبير من الصحف الرياضية اليومية في السودان؟ هل تمت مقارنة عدد هذه الاصدارات بصحف البرازيل الرياضية؟ هل يعد العمل في مجال الصحف الرياضية ضرورة فنية ام استثماراً تجارياً؟ لماذا تراجع عدد الصحف الرياضية من عدد يفوق العشر الى (6) صحف يومية؟ هل يتجه مضمون الصحافة الرياضية السودانية نحو البناء ام الاثارة؟ ما هو اثر التشيع للاندية الرياضية من قبل الصحفيين الرياضيين والولاءات لبعض الاندية والادارات؟ هل تهتم الصحافة الرياضية بكرة القدم فقط على حساب الرياضات الاخرى التي يمكن ان يحقق السودان فيها الكثير من النجاحات مثل ألعاب القوى وغيرها؟ ما هو مدى المهنية والعلمية في الصحافة الرياضية واستخدام الاحصاءات ونشر الثقافة الرياضية بمعناها الواسع؟ وما هي معوقات الصحافة الرياضية من حيث التمويل والمدخلات والكوادر المؤهلة والتخصص الصحفي؟ كل هذه الاسئلة وغيرها تم طرحها على هوامش السمنار ولم تجد الاجابات الحاسمة حتى نهايته ولكن كانت البداية في ورقة الاستاذ محيي الدين تيتاوي تتحدث عن تاريخ الصحف الرياضية في السودان لتقول انه بالرغم من ظهور لعبة كرة القدم مع دخول الانجليز وانتظام المباريات في دار الرياضة بأم درمان وظهور فرق الهلال والمريخ والموردة في نهايات العقد الثالث من القرن الماضي الا ان الصحافة لم تعرف النقد الرياضي الا في النصف الثاني من العقد الرابع بصدور اول مجلة متخصصة في الرياضة والسينما عام 1947م التي كان صاحب امتيازها ورئيس تحريرها ابراهيم عبدالله المغزلي والتي اسهمت في بث الوعي الرياضي خلال فترة صدورها بين اعوام 1947م و 1966م عندما توقفت عن الصدور، وكانت الصحف الاستقلالية التي فتحت صفحاتها جميعا للدعوة للاستقلال والانتخابات التشريعية لم تفسح مجالا واسعا للرياضة اذ اكتفت بمنح مساحات صغيرة لاخبار الرياضة بصفة مختصرة جدا، ولكن بعد ازدياد الوعي الرياضي وبعد ان صار السودان واحدا من الدول المؤسسة للاتحاد الافريقي لكرة القدم بدأ الاهتمام بالرياضة يتزايد يوما بعد يوم واصبح للرياضة محبوها ومعجبوها وبرز لاعبون عمالقة امثال صديق منزول وبرعي أحمد البشير وحسن ابو العائلة وطلعت فريد وزاد الاهتمام بالنقد الرياضي واصبح له رواده امثال عمر حسن وعمر عبدالتام وكوركين اسكندريان وسورين اسكندريان ودخلت بقية الالعاب الرياضية مثل كرة السلة والتنس والملاكمة والعاب القوى والسباحة الى دائرة الضوء وصار للنقد الرياضي اهمية ومنحت للكتاب والنقاد المساحات رغم ضيق صفحات الصحف في تلك الفترة من العقدين الخامس والسادس «حجم صغير وثماني صفحات». الفهد الذهبي ونشطت مجلة الرياضة والسينما في عكس النشاط الرياضي في السودان لتعطي فرصة الاطلاع على اوجه النشاط الرياضي بالعاصمة وكذلك للتثقيف والتوعية الرياضية، ثم جاءت صحيفة المريخ الصادرة في عام 1965م كأول صحيفة رياضية متخصصة تصدر عن نادي المريخ لتشكل اضافة حقيقية للمساحات المتاحة للنقد الرياضي، وكان للواء محمد طلعت فريد الدور الاهم والاكبر في تطوير الرياضة وتوفير الامكانات لها وذلك بفضل كونه وزيرا في السلطة الحاكمة انذاك «حكومة عبود» ولكونه رياضيا ولاعبا سابقا فقد كان سابقا لزمانه في الوعي الرياضي في عقد الستينيات وقد اعطى عناية كبرى للرياضة عموما وكرة القدم بصفة خاصة سواء على مستوى الاندية او الفريق القومي وكان ذلك العهد هو العهد الذهبي للكرة السودانية. لقد ظل النقد الرياضي ـ تقول ورقة تيتاوي ـ محتفظا بوقاره ومؤديا دوره الاعلامي والتثقيفي على انجح ما يمكن بسبب صرامة الرواد الاوائل في عدم اظهار الانحياز للاندية او الاداريين وعدم التهاتر والسباب للزملاء مهما بلغت درجة الخلافات بينهم، ذلك رغم الامكانات المتواضعة التي كان يعمل فيها هؤلاء النقاد العظام ورغم المساحات المحدودة التي كانت تمنح لهم وظلوا صامدين صابرين مرابطين مع الاخبار الرياضية يتابعونها من داخل الاستادات والساحات ولا يغادرون المكاتب إلا بعد اتمام العمل في الساعات المتأخرة من الليل.. وكان المرحوم عمر عبدالتام الذي تولى رئاسة القسم الرياضي بصحيفة الايام طيلة 16 عاماً كان يملأ جيبه بالاخبار المتبقية ليملأ بها ما يحدث من فراغ حسب حجم الفجوة وحتى لا يترك مساحة سطر واحد في الصفحة تضيع هدراً وهذا يؤكد قمة الحرص والدقة والتفاني في سبيل تجويد الاداء، وكان الراحل عمر عبدالتام كذلك يعيد كتابة كل موضوعات الصفحة بخط يده حتى تسهل قراءتها للعاملين في جمع المواد والتصحيح كما ان الرجل كان ارشيفا متحركاً يحتفظ في جيبه بصور عديدة للاعبين والاداريين وكانت لديه اجابات جاهزة لكل معضلة تواجه المخرجين الصحفيين علاوة على تكريس كل حياته لخدمة الرياضية من باب المتابعة اللصيقة والنقد الفني الرفيع والتجويد وملاحقة الاخبار. قفزة اخرى للامام تقول الورقة ان العقدين السابع والثامن شهدا مرحلة رواج رياضي من حيث النشاط الرياضي من جهة والعمل الصحفي الرياضي من جهة اخرى وجمعت كل الامكانات الفنية والمادية والبشرية في داري صحيفتين هما «الايام» و«الصحافة» وتحولت الصحيفتان من الحجم الصغير تابلويد الى الحجم الكبير ستاندرد وصارت الرياضة تتحرك في صفحة كاملة بما يعادل صفحتين من صفحات الصحف في السابق بل ان ادارتي الصحيفتين كانتا تفسحان صفحتين يوميا عندما تقتضي الحاجة كما ان اهتمام الدولة بالرياضة تمثل في الشخصيات التي كلفت بوزارة الشباب والرياضة خلال سنوات حكم مايو ابتداء من علي شمو ود. منصور خالد وزين العابدين محمد احمد عبدالقادر احد اعضاء مجلس قيادة مايو وعمر صالح عيسى. في هذه الفترة صدرت مجلة الشباب والرياضة وكانت رائجة واسعة الانتشار وخلال هذه الفترة كانت الدورات الرياضية المدرسية تجد تجاوبا واسعا من الجميع وفي تلك الفترة تمكن فريقنا الوطني لكرة السلة من خطف الاضواء والفوز بكأس العرب للسلة بالكويت عام 1976. وخلال هذه الفترة صدرت عدة مجلات وصحف رياضية اسبوعية منها «نجوم وكواكب» للنعمان حسن وصحيفة الهلال عام 1978 و«عالم الرياضة» لنصر الدين حكسا عام 1980 و« الكوره» لعدلان يوسف و«المنتخب» لمحمد فرح عبدالكريم و«الجمهور» لصلاح المبارك و«الهدف الرياضي» لسيد ياسين و«المتفرج» للدكتور كمال شداد و«الاسبوع» لمحيي الدين تيتاوي و«الملاعب» لاحمد محمد الحسن و«الدوري» لماهر مكي و«الكابتن» لمحمد محمود هساي و«نجوم الكورة» لحيدر موسى. التكاثر الخضري لا الثمري في بداية التسعينيات اوقفت سلطة الانقاذ جميع الصحف السياسية وقدم اصحاب الصحف الرياضية طلبا باستثناء صحفهم من قرار الايقاف فسمح العميد سليمان محمد سليمان الذي كان مسئولاً عن قطاع الاعلام للصحف الرياضية بالصدور لحين صدور القانون الجديد للصحافة والمطبوعات فصدرت صحف جديدة منها (نجوم الرياضة) عام 1986م لحسن عزالدين ومحمد احمد دسوقي (الاستاد) التي رأس تحريرها المرحوم عمر عبدالتام و(الرياضة السودانية) لاحمد سيد عبدالعزيز و(ماتش) لجميل محمد جميل و(اللقاء) برئاسة تحرير ميرغني ابو شنب و(الجريدة الرياضية) لكمال حامد، و(عالم النجوم) الصادرة عن دار حطين ورأس تحريرها حسن عبدالرحيم و(المشاهد) و(قون) لرمضان احمد السيد وعمر طيفور ثم من بعد ذلك صدرت (القمة) وغيرها من الصحف الرياضية اليومية والاسبوعية. وخلال عقد التسعينيات ازداد عدد الصحف الرياضية الاسبوعية واليومية الى جانب الصفحات اليومية المخصصة للرياضة في الصحف السياسية والصحف التي تعرف بـ «الاجتماعية» وصحافة الاندية في وقت بلغ فيه عدد الصحف السياسية اليومية اربع عشرة صحيفة يومية وتم ذلك تحت قانون الصحافة والمطبوعات لعام 1993م المعدل سنة 1996م ثم سنة 1999م الذي افسح المجال لهذا النوع من الصحافة الشعبية الصحافة الرياضية والاجتماعية وصحافة التسلية والفنون والجريمة والثقافة لتلبية حاجات الجماهير. وفي اطار مسئوليات المجلس القومي للصحافة كما تشير الورقة صدرت لائحة تطوير العمل الصحفي لسنة 2000م والتي حددت في مادتها 7/3 زيادة عدد صفحات الصحف السياسية الى اثنتي عشرة صفحة والرياضية والاجتماعية الى ثماني صفحات وقد ادت هذه اللائحة الى جملة من التداعيات السالبة والموجبة في مجال العمل الصحفي عموما والرياضي بصفة خاصة. سلبيات وايجابيات من السلبيات: ادى هذا القرار الى زيادة تكلفة الصحيفة الرياضية بمعدل الضعف مما ادى بدوره الى زيادة سعر الصحيفة وقاد هذا الى اوضاع اخرى منها ايجار الصحف (من الباطن) واستبدالها وخلق نوع من عدم التوازن المالي للصحف، ايضا لجأت الصحف من اجل ملء الصفحات الزائدة للاستعانة بمحررين اضافيين وكتاب بجانب اصدار صفحات للفن والتسلية وغيرها مما يوحي بان هذه الصحف الرياضية تحولت عن اغراضها الحقيقية من تخصص في الرياضة الى صحافة شاملة وهو امر مخالف لنصوص القانون. وفي سبيل الترويج لهذه الصحف بسبب الكساد والايجار والاستبدال لجأت بعض الصحف للاثارة والخروج عن روح القانون سواء قانون الصحافة او القانون الجنائي وتشهد بذلك كما يشير تيتاوي ـ وقائع مداولات لجنة الشكاوى بمجال الصحافة التي اكتظت بشكاوى المواطنين والصحفيين مما يلحق بهم من اضرار بسبب النشر وفي هذا السياق انقادت الصحافة الرياضية وراء الترويج للاداريين والمتطلعين والمتنافسين لتولي قيادة العمل بالاندية الكبرى مما أفقد النقد الرياضي أهم سماته القائمة على الحياد والموضوعية والمسئولية في اطار الحريات الصحفية. من الايجابيات: كما يرى مقدم الورقة الالتزام بالحد الأدنى لمواصفات الصحيفة من حيث الحجم والشكل وفق تقويم منظمة اليونسكو.. كما ان الحاجة الى مقاومة الكساد وعمليات ايجار الصحف ومبادلتها الى ضرورة ايجاد سبل أخرى للتمويل الأمر الذي دفع ببعض اصحاب المال للدخول في عالم الصحافة الرياضية تماما كما دخلوا في الشركات الصحافية السياسية وهذه واحدة من اهم ايجابيات لائحة تطوير العمل الصحافي.. ايضا فرضت الظروف على الصحافة الرياضية ازاء زيادة عدد الصفحات الاهتمام بالمناشط الرياضية الاخرى مثل ألعاب القوى والتنس والسلة والطائرة وغيرها. كما فرضت الضرورة التحريرية والتنافسية الاستعانة بالمتخصصين والخريجين في كوادر العمل الصحافي الرياضي الأمر الذي ادى الى ارتقاء الاداء وتحسنه ورقى الخطاب الصحافي وبروز المهنية في جوانب عديدة من جوانب الصحافة الرياضية. تلاحظ الورقة ان الكثير من الاخبار الرياضية لا تلتزم بالمهنية ولاتجيب على تساؤلات الخبر وكثيرا ما يكون الخبر ناقصاً كتحديد موعد المباريات واماكنها وحكامها ثم يدعو مقدم الورقة الى اعلام رياضي ملتزم بمواثيق الشرف الصحفية التي تحدد كيفية حماية الصحافيين والمجتمع من خلال التزام اخلاقيات المهنة ومسئوليتها اثناء استقاء الاخبار او التعليق عليها ونشرها. وتدعو الورقة الى ضرورة تدريب الكوادر محليا وخارجيا ومن خلال عقد الدورات الخاصة بواسطة رواد العمل الصحفي الرياضي واساتذة الاعلام والرياضة. وفي مداولات السمنار جدت مداولات عديدة تستدرك اغفال صحف رياضية مهمة خلال مسيرة الصحافة الرياضية مثل مجلة الرياضة التي كان يشرف عليها الراحل عمر عبدالتام كما جرى نقد لطبيعة الاثارة والتهاتر في الصحافة الرياضية والتركيز على الاشخاص والموالاة غير الموضوعية للاندية والشخوص الادارية والمتطلعة كما جرى انتقاد استئثار كرة القدم باهتمام الصحافة الرياضية وعدم استخدام الفنون الصحفية المتعددة في الصحافة الرياضية مثل التحقيقات والاستطلاعات والكاركاتير والتقارير ومثل الاقتصار على بضعة مناشط رياضية واغفال العشرات من الالعاب الرياضية وعدم الاهتمام بصنوف الرياضة الشعبية. واعيد تكرار السؤال مرة اخرى هل يحتاج واقع السودان الرياضي لكل هذا الكم من الصحف الرياضية ام ان حرية الاصدار وتشجيع الاستثمار في الصحافة يفتح الباب على مصراعيه للمزيد من الصحف الرياضية؟!