اعتبرت السينما الجديدة البرازيلية في بعض مناحيها مثل ضفيرة تفرعت عن الموجة الفرنسية الجديدة وشكلت بين عامي 1960 و1970 مدرسة، متجانسة سيطر عليها بوجه خاص من جلوبر روشا وكعادة اجواء القارة اللاتينية اتسمت بعض افلامها بالغموض ابتعدت تماما عن الطابع الهوليوودي من الابهار والاكشن في هذا السياق يرصد لنا المؤرخ والناقد السينمائي مارسيل اومس الخطوط العريضة لسينما اهل السامبا. كيف نحدد بدقة ظاهرة السينما الجديدة البرازيلية؟ بالمعنى الضيق، تعد هذه الظاهرة نسبياً قصيرة الامد ولم تفرض نفسها فعلياً على الرأي العام العالمي الا في منتصف الستينيات وذلك عند تقديم فيلم «الرب الأسود والشيطان الابيض» لجلوبر روشا، وفيلم «حياة جافة» لنلسون بربرادوس سانتوس و«جنجا زومبا» لكارلوس دييجيس (خارج المسابقة) في مهرجان كان عام 1964. في نفس العام، حصل روي جيرا في برلين على جائزة عن فيلمه «البنادق». اما نهاية الحركة ذاتها فيمكننا ان نعتبرها متزامنة مع الاتجاهات الجديدة في نظام الحكم، مع وضع الظروف السياسية في الاعتبار، تلك التي ارتبطت بالديكتاتورية العسكرية التي مارست ضغوطاً مستمرة على السلطة ومارست حركة سرية ثنائية، حتى القضاء على حرب العصابات المختلفة وصعود الجنرال «مديسي» الى الحكم عام 1970. غادر جلوبر روشا، الذي كان احد الوجوه البارزة في السينما الجديدة، البرازيل وأعلن في لقاء مع لوي ماركوريل: «تنتمي افلامي (في تلك الفترة) الى عصر حلم وأمل جيل انها أفلام مليئة بالحماس والايمان والحركة يلهبها حب عظيم للبرازيل. لكن انطونيو داس مورتس لا يهم الجمهور البرازيلي.. ذلك الطفل الذي يسيطر عليه نقاد بلهاء مستعمرين «جريدة لوموند 11 مارس 1971». عشر سنوات نستطيع ان نعتبر بشكل عام ان الظاهرة التي اطلق عليهاnovo cinemo «السينما الجديدة» استمرت نحو عشر سنوات، اذا اعتبرنا شهادة وفاتها هي «تشتت» جيل كانت له فيما مضى اهتمامات متشابهة اذا اعتبرنا تاريخ ظهورها العام هو عرض فيلم روي جبرا «شاطيء الرغبة» 1962. في عام 1962 تحديداً عرض على الشاشة فيلم تم اخراجه على طريقة الاعمال الاولى الجديدة «الفرنسية» قدمه مخرج درس في معهد الايديك في باريس هو روي جيرا، من اصل موزمبيقي ويعد هذا الفيلم اكتشافا حقيقيا نظراً لحريته في الكتابة وجرأته الايروسية وطريقته الحديثة في السرد باستخدام لقطات مشهدية طويلة، فضلا عن المؤثرات المونتاجية المدهشة يحكي الفيلم قصة اثنين من الصعاليك يختطفان عشيقة احدى الشخصيات المهمة ويصورانها عارية على الشاطيء لابتزاز هذه الشخصية، اشتهر مشهد الشاطيء لمهارته الشديدة والزوبعة التي اثارها ولرقصة التملك الحسي الحقيقية الثملة التي صورها: الدائرة التي صنعتها السيارة حول الفتاة الرائعة «نورما بتجويل» لقطات الجنون، اللحظات القصيرة التي تومض فيها الصورة الفوتوغرافية، رقصة الفالس التي ترقصها اطارات السيارة على الرمال احساس الارض التي تميد والعالم الذي يرتجف كل هذا كشف عن مزاج اصيل لمخرج تأكدت موهبته فيما بعد. في عام 1962 نفسه بدأ جلوبر روشا بفيلم «سد الريح» وفيه يحكي بأسلوب مذهل قصة رجل اسود عاد من المدينة الى قريته قرية الصيادين ليحرض على التمرد والثورة في عالم تملؤه كائنات خاضعة تملأه للمعتقدات الخرافية وللقرية الطبيعية، بدأ هذا الزعيم «قائد الجوقة اليونانية القديمة» بايماءاته وفصاحة لسانه، كراقص غريب الاطوار يصيح بصوت زاعق، كأنما يجسد فجأة بتعبيره وبحركاته وبأناشيده المعنى العميق لتقاليد الاجداد ويستخلص الرسالة الضمنية الكامنة في البحر وفي الهواء وفي الرمال وفي البشر. هنا ايضا، نجد انفسنا في حضرة تركيب جديد للغة، احيانا ما يكون محيراً للجمهور الأوروبي الذي لم يألف الثقافات البرازيلية إلا قليلا. في هذا السياق يجدر بنا ان نذكر الفيلم الذي اعتبره باولو انتونيو برانجوا، المحرك الحقيقي لهذه الحركة وهو فيلم «أرواندا» اخراج ليندوات نورونها (1959). هنا ايضا تكشف الشخصية المحورية، شخصية عبد سابق، عن «مجتمع ريفي راكد تماما مقارنة بتاريخ البلاد، يحتفظ مع العالم المحيط به بعلاقات قائمة على المقايضة» وقد تم تناول المستوى المزدوج للحاضر والماضي والوصف شبه التسجيلي لأعمال الخزف وزراعة القطن وقسوة المنظر العام ووعورته بالنسبة للبشر. تم تناول هذا كله بإمكانيات ضئيلة نتيجة للتقشف والفقر، تكشف البؤس وتدينه كأفضل ما يكون. كسر الخطاب السائد اذا كان المخطط الأول للسينما الجديدة هو كسر الخطاب السائد، فإن المطلب الاساسي لهذه السينما تأسس عن طريق الفيلم التسجيلي. في سياق انتاج تقليدي متخصص في الميلودراما وفي الفيلم البوليسي البسيط وفي الشانشادا Chonchada الشهيرة بشكل خاص، وهو نوع من الأوبريت الشعبية من الدرجة الدنيا، راقصة وغنائية وتتميز بقدر من الجرأة في الملابس بدعوى الاستعراض، كنا نجد ايضا اعمالا تتقيد بالاخلاق وبتقاليد العبادة الساذجة وتغازل الشعب في معتقداته البدائية. في عام 1962 تحديداً حصلت البرازيل على السعفة الذهبية في مهرجان كان، عن فيلم أنسيلموا دوارتيه «كلمة شرف»، وهو فيلم ملتبس بالنسبة للبعض، وخدعة ماهرة بالنسبة للبعض الآخر، هل كل حسبة متفق عليها لاقناع المهرجان؟ كتب جلوبر روشا بعدما كرم زميله وشكر له اتقانه لمهنته ومهارته في الاخراج: «هناك التباس في نص دياز جوميز (كاتب السيناريو): قوة الشعب، تمرد الشعب، كرامة الشعب كل هذا يتم تلخيصه في حركة مراوغة. دخول الكنيسة وتعميد المتصوف عند المذابح، تلك هي الكاثوليكية القصوى التي يبلغها المرء بالتضحية.. (هذا الفيلم) هو النتاج النمطي للفكر البلاغي الذي يجد شرعيته الأولى في الشاعر المتعاطف مع العبيد». إن الاشكالية المطروحة في «كلمة شرف» هي نفسها المطروحة، في البدء، على مستقبل «السينما الجديدة»: هل يجب استخدام اشكال ومظاهر الخطاب السائد لقبها وافسادها؟ أم يجب ابتكار بنيات سردية جديدة، تمتد جذورها، نوعا ما قبل نشأة السينما ذاتها؟