عرضت مسرحية «القدس في عيون مصرية» في بدء احتفالات وزارة الثقافة المصرية، المقامة في رحاب قلعة صلاح الدين، بمناسبة مرور خمسين عاما على قيام ثورة يوليو 1952، على مسرح «سارية الجبل» المفتوح وسط اثار القلعة القديمة. ترجع أهمية هذه «التجربة»، التي قدمتها فرقة المنوفية المسرحية، الى ماأثارته حول مدى اعتبارها «خطوة» على الطريق إلى «مسرح إسلامي»؟! بانوراما الاضطهاد والنضال تعرض مسرحية «القدس في عيون مصرية» بانوراما عريضة للاضطهاد والنضال، وهي تكشف الفكر العنصري الصهيوني، من خلال رؤية عربية، وذلك من خلال وضعه في اطار تاريخي شامل، في محاولة لربطه مع أشكال العدل والظلم أو الخير والشر على مر العصور، بدءا من أسطورة ايزيس وأوزوريس وست «كنموذج للخير والشر»، مرورا بسقوط غرناطة، وموافقة انجلترا على «وعد بلفور»، والذي يسمح بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وبزوغ النازية، وحادثة دنشواي، وانتهاء بالتاريخ الحديث وماحدث في غزة وسيناء والقدس والجولان، ووقائع مدرسة بحر البقر في مصر، وانتفاضة أطفال الحجارة في فلسطين، وصعود الولايات المتحدة، وحصار العراق، وبدء ماتسميه الحرب ضد الارهاب، حتى ظهرت أنياب الذئاب على الساحة، وأصبح المتهمون يحكمون بدلا من وقوفهم في قفص الاتهام، وأسفروا عن وجوههم القبيحة بعد أن كانوا في السابق يرتدون أقنعة خادعة، واهترأ مفهوم الحرية، وظهر زيف دعاوي السلام وسط المذابح ومحاولات الاذلال، حتى وصموا الجهاد بالارهاب، وأصبح شعار المرحلة، كما عبرت عنه المسرحية: «هيمنة - هيمنة.. هد الأنظمة.. اغتصب كلما ثار المساكين.. افتح مكلمة.. امنح أوسمة.. ارفع للسما جيش الموالين..» وإذ حاملوا الشعار يوضحون أسلوب التنفيذ «قررنا الردع وغيره مفيش.. انها الصحوة وردع الطيش.. قررنا بدء التفتيش.. ولو عندك تبني منابر.. لو عندك تعمل جيش.. الرد جاهز: مفيش.. مفيش.. مفيش!». تبدأ المسرحية بكلمات الشاعر محمود درويش «سجل أنا عربي، ولون الشعر قمحي، ولون العين بني..» ثم يمضي العرض في نسيج ملحمي، هو مزيج من أشكال المسرح السياسي، التسجيلي، والتعبوي، ليقدم تنويعات على لحن الحق العربي السليب على مر التاريخ، كما تغوص الى جذور الفكر الصهيوني الذي ساد المنطقة العربية بالذات وجعل من الباطن حقا، كما تعرى أفعال الاستعمار في مختلف البلدان، وأخيرا تعزف لحن النضال العربي وتغني للمقهورين في أي مكان. وتختتم المسرحية بنشيد «قوم يامصري، القدس تصرخ وتناديك، فك أسري، نصري دين واجب عليك». نحو مسرح اسلامي الرؤية في المسرحية ـ كما يوضح معد ومخرج النص طلعت الدمرداش ـ رؤية اسلامية، حيث يعتبر «الجهاد» هو الحل للمأزق الراهن. والجهاد هو أحد الحلول الاسلامية المطروحة على الساحة. ثم يستطرد طلعت الدمرداش بأن الفن ليس مرفوضا في الاسلام، لأن كل ماهو جميل واخلاقي هو من عناصر الفكر الاسلامي، كما ان الدافع الحقيقي للمسرح الاسلامي دافع أخلاقي بحت، فهو يهدف الى تربية الروح الإنسانية وصقلها، كما يعالج حرية الكلمة والفكر دون كبت لحرية الآخرين، ويسعى الى تحقيق عدالة اجتماعية دون شطط. ويعتمد العرض على مجموعة عمل جميعهم من «الهواة» يقودهم المخرج طلعت الدمرداش، الذي يعتبر أن الهواية صنو «الروح» التي تسود بين مجموعة العمل بالمسرحية، حيث تتجانس بينهم التركيبة الاخلاقية والفنية، والتي تشعل في أعضاء الفريق روح الحماس والجدية وحب العمل. واذا كان الاسلام يهدف الى تربية الروح الإنسانية، التي تعتبر الركيزة الأساسية للمسرح الجيد، لذلك - وكما يرى طلعت الدمرداش - فلابد أن يختلف أسلوب تقديم هذه المسرح، أي اتباع أسلوب ذا منهج اسلامي، بعيدا عما نراه في المسرح التجاري، الذي يعتمد على الاحتراف لا الهواية، أي بمعنى الا أجعل الغاية تبرر الوسيلة، والا فأنا ألغي الفكرة الاخلاقية من جذورها. العرض المسرحي، استمر لأكثر من ساعتين، بمشاركة اعداد كبيرة من الرجال و«النساء» والصبية والأطفال، ولم يشارك فيه أي عنصر نسائي، ويعقب المخرج طلعت الدمرداش على ذلك بقوله «إذا أمكننا ان نصنع مسرحا جيدا دون نساء، ألا يكون ذلك أفضل»؟! ثم سرعان مايستطرد قائلا «ليس هذا تقليلا من شأن المرأة في المسرح أو دورها في المجتمع، بل أقصد المشاكل التي تحيط بالعمل النسائي، وقد تبين لي من خلال تجربة طويلة استمرت لأكثر من ربع قرن من العمل في مجال المسرح، انني كنت دائما لا أجد وافتقد العنصر النسائي سواء في قصور الثقافة أو في الجامعة، لأنه شحيح التواجد جدا، واذا وجد سرعان ماتبرز له مشاكل حقيقية تعوق العمل. وكما تعرف فإن عمل مسرح الهواة يتطلب اكتماله وظهوره خلال فترة زمنية بسيطة وبإمكانيات محدودة، وهو ما لا يحتمل المشاكل التي تحدث نتيجة وجود العنصر النسائي أو عدم تواجده، ومايحيط به من مشاكل». ثم يضيف طلعت الدمرداش «وبطبيعة الحال، تجد في مسرحي العنصر النسائي، ولكن دون مشاكل بصورتها النقية التي يجب ان تكون عليها المرأة امام الآخرين، وككيان انساني له دوره. أما اذا ظهرت مشاكلها، أحاول أن أطوع العمل دون مساس بالفكرة الاساسية، واذا لم استطع اختار نصا اخر، فإذا لم استطع أقوم باعداد عمل مسرحي». ويبقى أخيرا سؤال «جوهري» حول عرض مسرحية «القدس في عيون مصرية»، وهو: هل يمكن فعلا اعتبار هذه المسرحية خطوة على الطريق الى مسرح اسلامي؟!