يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. فيما التباينات آخذة في الاتساع، جاء ما عزز ردود الفعل السلبية وشحذ استياء المستاءين. فقد وجهت الولايات المتحدة إنذاراً حاسماً لسوريا مطالبة إياها بوقف تدخلها العسكري وسحب قواتها فوراً من الأرض الأردنية. وهددت الولايات المتحدة بأن عدم الاستجابة للإنذار سيستتبع تدخل الجيش الأميركي ضدّ سوريا وتدخل الجيش الإسرائيلي لصالح الأردن. ونصح الرئيس عبد الناصر السوريين بعد هذا الإنذار وما يحمله من مخاطر بوقف هجومهم؛ كان استقلال سوريا ذاته مهدداً والمنطقة مهددة بالاحتلال الأميركي أو بتوسع إسرائيلي جديد أو حتى بكليهما. والسوفييت، وهم الذين عدوا القتال بين عرب وعرب قتال إخوة لا لزوم له وحثوا على الحوار، تخوفوا هم الآخرون مما تخوف منه عبد الناصر ونصحوا بالتهدئة. أما الدول العربية فلم ينجر منها صراحة إلى جانب المقاومة أو يؤيد التدخل العسكري السوري إلا أقلها فيما سعى الجميع إلى إطفاء اللهب. لم تعلن واشنطن أنها وجهت إنذاراً بهذه الصيغة، ولم يعلن السوريون أنهم تلقوه. غير أن الظواهر الدالة على النذر الخطيرة تواترت: تحركات الأساطيل الأميركية في البحار، واستنفار إسرائيل لجيشها، واضطراب حركة الجيش السوري وتوقف تقدمه ناحية عمان، واتساع مجهودات عبد الناصر لعقد قمة عربية طارئة، والاستجابات السريعة للدعوة إلى القمة. عرفت نبأ الإنذار الأميركي أول ما عرفته من فتوح الشريف الذي قال لي إنه عرفه من السفير المصري ممدوح جبّة. وحين تداولت في الأمر مع عبد الله، اتضح أننا متفقان في الرأي على أن سوريا لا تملك إلا أن توقف تدخلها العسكري، ولم يبق أمام المقاومة المحاصرة في عمان إلا أن تتدبر أمرها في نحو أو غيره، كما لم يبق إلا الأمل المعقود على نتائج القمة العربية ومساعي عبد الناصر لوقف القتال. ولئن كان من الممكن أن يصمد المحاصرون في عمان لبعض الوقت، فليس وارداً في الحسبان أن يصدّوا تقدم الجيش نحو مواقعهم إلى الأبد. لم يخل الأمر، بالطبع، من مستهينين بالإنذار الأميركي والتهديد الإسرائيلي. بل لقد وجد كثيرون ممن رأوا أن التدخل الأميركي سيحول المنطقة إلى فيتنام ثانية ويكرر أمجادها. واستحضرت من جديد مقولة الإمبريالية التي من ورق، ومقولة نقطة الزيت وإسرائيل التي ستضعف كلما تمددت، وما إلى ذلك. وفي ظل إحساسنا المشتد بالخطر، داهمتنا المشكلة الطارئة التي أشرت إليها وكانت مشكلة من طبيعة فنيّة مهنيّة استعصت على الحل. فقد كنا نتلقى ما يردنا من بيانات المقاومة وبلاغاتها المنسوبة إلى الجهاز أو الصادرة عن غيره دون أن نعوّل كثيراً على صدقيتها أو تنفعنا في استخلاص حقيقة ما يجري في عمان. وألزمتنا الحاجة متابعة الإذاعة الأردنية ليس لأن ما تبثه أصدق، بل لأننا كنّا قادرين على أن نستخلص من تهويلاتها المزاج السائد على الطرف الآخر ونهيئ ردودنا عليه ونكتب ما هو مفيد لمواجهة التحريض المضاد الموجه إلى جمهور الأردن. هذا المصدر فقدناه فجأة. ففي اليوم الذي وجه فيه الجيش السوري ضربته القاسية إلى اللواء الأردني المدرع الأربعين، وهو اليوم الذي صدر فيه الإنذار الأميركي، في هذا اليوم شدّدت الإذاعة الأردنية هجومها على سوريا، وفتحت ملفات الوضع السوري الداخلي الحساسة، ومسّت مسائل سياسية واجتماعية وطائفية لتحريض الجمهور السوري ضد حكامه. ولم يجد الجانب السوري أفضل من إسكات الإذاعة الأردنية وحجب صوتها عن الجمهور. وهكذا شُغّلت أجهزة التشويش بأتم طاقاتها على هذه الإذاعة فغاب عنّا صوتها وفقدنا المصدر الذي لا غنى عنه. وكم كان بعض المسئولين الفلسطينيين خفيفاً. ففي الوقت الذي أربكنا فيه غياب هذا المصدر، وفيما عبد الله منصرف إلى الحديث على هاتفه بأمل أن يجد وسيلة تصلنا به توجب علي أنا أن أرد على مكالمات هؤلاء المسئولين. وها أنا ذا أتذكر حديثي مع الحاج مطلق. فعندما غاب صوت الإذاعة الأردنية، استخلص الرجل أن شباب «فتح» في عمان قد دمّروها. فاتصل بي ونقل استخلاصه المتعجل هذا على أنه نبأ بلغه للتو من الإخوة على الجهاز، ثم أهاب بي حاثاً إياي على رفع سوية الزعيق في إذاعتنا: «أعطني صوتاً أعلى». وعندما أدرك الحاج أني لا أصدقه، كرر التأكيد: «تلقيت النبأ بنفسي على الجهاز»، وسمعني الحاضرون في الحجرة وأنا أرد: «ما دام هو الجهاز فلابد من أنك صادق. غير أن عندي نصيحةً لك، تأكد من أن جهازك موصول حقاً بالشباب في عمان، فأنا أخشى أن يكون موصولاً بمصدر لا يصدق أبداً». لم تفلح مساعي عبد الله في وصلنا بالصوت الذي غاب. تعذر الأمر من الناحية الفنية. فصرنا أسرى الجهاز أكثر مما كنّا، بما يصل إليه حقاً من عمان وما ينسبه إليه المهتاجون في دمشق. وصار لابدّ إذن، من أن تزيد نسبة الإنشائية في حديث الإذاعة والصراخ ويشتد التخبط. ولتعويض النقص، توسعت في الاتصال بالقادة الموجودين في دمشق لحملهم على مصارحتي بالأنباء الصحيحة واستخدمت أساليبي المجربة التي صرت تعرف معظمها، وكان أنجعها ادعاء وجود معلومات طازجة لديّ من المهم أن يطلع عليها هذا القائد أو ذاك. ولأن زحمة العمل لم تأذن لي بمغادرة مبنى الإذاعة فقد أفادت هذه الحيلة في استدراج المطلوبين إليها والاختلاء بهم. بقي خالد الحسن أكثر من لجأت إليهم من هؤلاء موضوعية، وإن بقي في الوقت ذاته حريصاً على اتخاذ موقف متشدد. كان المطروح عبر الاتصالات الدبلوماسية الناشطة بين العواصم، وهو ما طرح على القمة منذ انعقدت، أن يتوصل المتقاتلون في عمان إلى الاتفاق على وقف إطلاق النار. وقد انقسم الرأي الفلسطيني حول هذه النقطة. فأغلبية الموجودين في عمان مالت إلى القبول، إلا أن أقوالها العلنية تأثرت بعاملين: الحاجة إلى إظهار التشدد لتحسين شروط الاتفاق؛ والخشية من أن تتهم بالتخاذل، فلم تنعكس النوايا المضمرة في الأقوال المعلنة. أما أغلبية الموجودين في دمشق فمالت إلى العكس. وقد تهيب كثيرون الاتهام بأنهم يخذلون المحاصرين المستمرين في المقاومة إذا جهروا بالدعوة إلى وقف إطلاق النار. ولدهشتي، كان خالد الحسن من هؤلاء، وفي حواري مع صديقي حول هذه النقطة، تجلت حساباته التي لا أوافقه عليها. لم تساور القائد الفتحاوي أي أوهام بشأن قدرة المقاومة على إلحاق الهزيمة بالجيش الأردني بعد أن توقف تقدم الجيش السوري، لكنه ظل أسير حرصه على تبرئة نفسه من مسئولية التراجع.كان خالد الحسن يعرف أن الجيش الأردني يتقدم ويضيّق الحصار على المقاومين، وكان يدرك أن الوساطة العربية والضغوط التي يتولاها عبد الناصر ستفلح في إيقاف القتال وأن الأردن سيفلح في فرض بعض شروطه ثمناً لإيقافه: «سيتم هذا كله وصاحبك أبو عمار يعرف النتيجة». قال محاوري هذا ثم أضاف : «ليتحمل هو وأصحابك أبو إياد وأبو جهاد وأبو مازن ومعهم غريمك أبو اللطف مسئولية التراجع، لن أوفّر لهم السبب ليقولوا إن خالد الحسن ضغط علينا كي نتراجع». يومها، قلت لمحاوري إن القيادة مسئولية قبل أي شيء آخر. والقائد الحق يتخذ الموقف الصائب بصرف النظر عن تأثيره على شعبيته، بل إن الشعبية لا تتأسس على قواعد متينة إلا إذا استندت إلى الموقف الصائب. لكن خالد الحسن تشبث بموقفه: «سهلٌ على صحافي أن يقول مثل هذا القول. أما أنا فلن أسلم رقبتي لمن يستطيع عضّها».ولما الححت، نهض أبو السعيد مظهراً حاجته إلى الانصراف وقال بنبرة مسترضية: «ليقل صاحبك أبو عمار علناً إنه يقبل إيقاف القتال وعندها يكون لكل حادث حديث من نوعه». والحقيقة أن خالد الحسن أحرجني أنا بهذا القول بدل أن تحرجه أقوالي. فعرفات الذي يدير بنفسه المفاوضات مع الوسطاء ويناقش شروط وقف إطلاق النار بإمعان لم يكن قد قال علناً ما يشي بأنه يقبل. وكانت رسائل الجهاز الحقيقية، فضلاً عن الرسائل المنسوبة إليه، تحثنا على التصعيد. وكنّا نعرف أن الرسائل التي تصدر من عمان لا يمكن أن يبثها الجهاز فعلاً ما لم يصادق أبو عمار عليها. في غضون ذلك، وصل الرئيس السوداني محمد جعفر النميري إلى عمان مبعوثاً من عبد الناصر والقمة والتقى بعرفات في مبنى السفارة المصرية بعد أن أفلحت جهود السفارة في إيصال القائد الفلسطيني إليها وتجنبه المخاطر التي تترصده على الطريق. كانت علاقة النميري بعبد الناصر وقتها على أحسن ما يرام، وكان يتمتع بالسمعة الطيبة التي وفرها التحالف الوطني التقدمي الذي يسند حكمه.وقد انتدب النميري ليضمن إخراج عرفات من عمان سالماً وإيصاله إلى القاهرة حيث تنعقد القمة. ولم أعرف بالطبع تفاصيل حديث النميري مع عرفات كلها إلا فيما بعد. أما في حينه فقد عرفت من التفاصيل ما وصل منها إلى القادة الموجودين في دمشق والقادة السوريين وما تلقته السفارة المصرية التي كان فتوح يبلغ إليّ كل ما يصل إلى علمه منها. وعرفت بالطبع ما روجته مصادر الأنباء العلنية. ومن هذا كلّه، استخلصت ما عزز يقيني بأن عرفات سيقبل تسوية واقعية حتى وهو يناور لتحسين شروطها بقدر الإمكان. وعندما وصل عرفات آخر الأمر إلى القاهرة، أدركت أن القائد الحريص على البقاء في مركز الخطر وتعزيز شعبيته لم يغادر الميدان لو لم يتأكد من قرب الوصول إلى تسوية ويكون مستعداً للقبول بها. إن الوقائع المتصلة باجتماعات هذه القمة في المتناول، وبإمكانك أن ترجع إليها إن شئت. لقد دارت أشق المساومات. واستخدم عبد الناصر ثقله بكامله، ووضعت المملكة العربية السعودية ثقلها في الميزان. وانتهى الأمر إلى الإتفاق المعروف، وضمن زعماء القمة تنفيذه. وتوقف القتال. أوجب هذا الاتفاق أن يوقف جيش الأردن هجومه على المقاومة الفلسطينية، وأوجب على المقاومة أن تسحب مسلحيها من المدن فلا يبقى لها فيها إلا بعض الأجهزة المدنية. وأباح الاتفاق أن يبقى للمقاومين الفلسطينيين قواعد مسلحة تتوزع على مواقع الأحراش في منطقة جرش. وسقط بين ما سقط بعد القتال المرير والمكلف شعار المزايدين الصاخب : إسقاط النظام الأردني، وظهر أن تحقيقه عزيز المنال. وانصبت أولى الزخات الباردة على المزايدات اللاهبة كلها. وفي ذاكرتي واقعة كادت تدفعنا، عبد الله وأنا، اللذين لم يتعاملا منذ تعارفا إلا بروح المودة، إلى الاشتباك بالأيدي. جرى هذا بعد أن بلغ توتر معظم العاملين في الإذاعة حداً ينطبق عليه المثل: «انكش تولّع !» ولم يبق متماسكاً إلا عبد الله وأنا وقليلون آخرون لأن تماسكنا ضروري من أجل استمرار العمل، السبب الوحيد الذي مكننا من مغالبة الانفلات. في هذا الوقت، دأبت أنا على استنفار أقصى ما في إرادتي من طاقة. وسلحت نفسي باقتناعي بأن في عملنا بعد أي حساب جانباً مهنياً لابدّ من التشبث بمستلزماته. وروضت نفسي على مغالبة المشاعر التي يهيجها سوء الحال. والمهنية واحدة من السمات التي أتشبث بها في كل الأحوال. ويبدو أنني أفرطت في الاتكاء على مهنيتي في ظرف الهياج العام الذي كنا فيه وفوران المشاعر المحيطة بي، فتصور الآخرون أني بلا عواطف، وظنوا أن المصائب لا تحرك شجني. وأنا أتذكر أن خالي عمر هاتفني مرة وحدثني عن قلقه على عمي محمد الذي هو ابن عمه وأقربائنا الآخرين المقيمين في عمان ورجائي أن أستثمر صلاتي لكي أحصل على ما يطمئن. وأتذكر كم كنت فظاً في الرد على الخال العزيز حين قلت إن مصير الأقرباء، ليس هو الذي يشغل بالي في هذا الوقت، وكيف أدهش الرد المحيطين بي كلهم. يقيناً إن عمي وأقربائي عزيزون عليّ وقلقي عليهم لم يقلّ عن قلق خالي. غير أنها الرغبة في التسلح بالإرادة ضد المشاعر الشخصية في أوقات الأزمات العامة، وهي التي جعلتني أرفض رجاء خالي بفظاظة وأسفّهه. وبعد محاورتي مع الخال، هذه التي أسخطت سامعيها وبضمنهم عبد الله، رحت إلى الحمام لأداري اختلاجات الرأس التي أحرص على كتمانها وقتها، كنت أظن أن من المعيب إظهار عواطفي، وأعدّ ذلك مما لا يليق بممتهن نضال وصحافة، فلجأت إلى التستر، وفيما أنا في الحمام منصرف إلى تهدئة لواعجي، بلغت إلى مسامعي ضجّة مصدرها الحجرة التي تركت فيها زملاء العمل، فتعجلت العودة إليها، فوقعت على مشهد لا أنساه. كان عبد الله الجالس إلى مكتبه ممسكاً رأسه براحتيه مائلاً ناحية المكتب وهو مجهش في بكاء يهتز معه جسده بوقع تشنجات متلاحقة لا ترحمه ولا يحاول هو السيطرة عليها. وكان هذا هو حال الآخرين: بعضهم يبكي واقفاً أو جالساً، وبعضهم يزعق أو يلوب والألم يعتصره أو يجمجم بكلام مفهوم أو غير مفهوم. ورأيت خليل العيلبوني الشاعر الفلسطيني الذي تطوع للعمل مذيعاً وهو يقف ساكناً وقد اكتسى وجهه تعابير تعجز عن وصفها أي كلمات. ولم يكن أحد الحاضرين في وضع يسمح لي بسؤاله عما وقع إلا منير الحمارنه. وأوجز منير النبأ الذي زعزع أصحابي: مذبحة في مستشفى الأشرفية في عمان وردت تفاصيلها على الجهاز. وقبل أن يكمل منير الرواية، حشرج صوت خليل العيلبوني الذي يخنقه أساه: «لم يبق إلا أن نطلب من موشي دايان أن ينقذنا». وغادر خليل الحجرة معلناً بصوت خنقه الأسى ذاته على آخره: «أنا ذاهب إلى الاستديو لأوجه نداء استغاثة إلى دايان لعلّ استنجادنا العلني بالعدو يثير نخوة الأشقاء». وكان على أحد ما أن يمنع الشاعر المأزوم عن هذه الحماقة الخطيرة، فجريت لاحقاً به، وجاراني منير فأدركناه وهو يهمّ بدخول استديو البثّ المباشر ورجعنا به إلى الحجرة بعد أن هدأناه. وكان عبد الله قد هدأ هو الآخر بعض الشيء وحملت نظرته إشارة امتنان لتصرفنا. وبعدها، أمكن أن أقرأ تفاصيل الرواية التي تحقق عبد الله من أنها وردت فعلاً على الجهاز. صممت وأنا أقرأ التفاصيل على أن لا أهتاج حتى لا أبعث في الحجرة موجة اهتياج أخرى. تشبثت بمهنتي وإرادتي ورحت أتبصر في الرواية. ويبدو أن عبد الله راقب تعابير وجهي وأنا أمرّ على التفاصيل المروعة فأسخطه أن تبدو تعابيري هادئة. كنت قليل الثقة بأنباء الجهاز. ووقعت في الرواية على تفاصيل لم يقبلها عقلي. وأعملت ذهني أنا الخبير بتهويلات الروايات الرسمية: أليس من المعقول أن تلجأ جماعتنا في عمان إلى التهويل لاستنهاض الضغط اللازم على الجانب الأردني. وأتممت القراءة دون أن يظهر عليّ الانفعال الذي ظهر على غيري، وإن كان أساي كما أعتقد أعمق من أساهم. وإذا كنت أنت حريصاً على أن أكشف لك ما سترته آنذاك من مشاعري، فأرجو أن تفهمني حين أقول إني عاجز عن وصفها وصفاً يلبي فضولك. وكيف أصف خليط المشاعر التي انبثقت من مخزون القهر والآلام والمرارات والشكوك والضيق بسياسات الظالمين وسياسات الضحايا والتحسر على التضحيات المبددة والإحساس بالغبن والعجز، كيف ، وبأي لغة، ومن هو القادر على وصف هذا كله. ولكي لا تخطئ الفهم، أقرّ لك بأن الأمر كان أيسر على الوصف لو أني اقتنعت بأن الرواية صحيحة، أما وقد ساورني الشك فيها فقد تعقدت مشاعري واشتد اختلاطها. وما أقسى أن تشك في رواية من هذا النوع في ظرف مثل هذا الظرف بينما تنهض أدلة أخرى، على أن أضيف أن الضيق بالتهويل لم يكن هو الأشدّ تأثيراً عليّ فقد كان هذا مما ألفته. أما الأشد تأثيراً فكان ضيقي بحاجة الضحايا إلى الدفاع عن أنفسهم بالتهويل. وليس مما يمكن المرور عليه مرور الكرام أن يحتاج الفلسطيني إلى المبالغة في تصوير ما يحل به من مصائب كي يستدر العطف أو التأييد لكأن المصائب الحقيقية الحالة به غير كافية على ضخامتها لاستنهاض الهمم. وأرجو أن تفهمني حين أقول إن الأقبح من الظلم هو التهاون في صدّه. وأقبح من هذا الأقبح وأشد بعثاً للأسى عندي هو اضطرار الضحايا إلى امتهان كرامتهم بالتفجع والنواح كي يدفعوا الآخرين إلى كفّ الأذى عنهم. مرّ هذا في ذهني وكابدت مرارته. غير أن الإحساس بالمسئولية طغى وسط الأسى المحيط. ووجدت أن عملنا لا بدّ من أن ينتظم كي لا تقع زلاّت كثيرة من نوع الزلّة التي أوشك خليل العيلبوني على إيقاعنا فيها. وهكذا، دون الانتباه الى ما هو ضروري من الحصافة، وجهت إلى عبدالله الذي ظل يراقب ردّ فعلي نظرة تعمدت أن تبدو باردة، وقلت: «نبأ من الأنباء مرّ علينا مثله كثير، وأنت تعرف أن جماعتنا تهول، فما الذي أفقدك السيطرة على أعصابك». وما كان أقبح ما قلت وأسوأ وقعه ! مسكين أنا حين أفرط في ادعاء البرء من تأثير المشاعر الشخصية، وما أشدّ ما أفرطت في ذلك الموقف، ومساكين أصحابي حين يفرطون في إساءة فهمي، وما أشد ما أفرطوا ! ظننت أني أهوّن الأمر على الأصحاب وأهدئهم. وكان هذا الظن إثماً كلّه. وإذا بي لا أفعل شيئاً سوى إثارة السخط وتأجيج الهياج من جديد. وكان عبد الله أعجل الأصحاب إلى التعبير عن السخط وأقساهم. احتفظ هذا المتمرس بالعمل في الأزمات بتماسكه طيلة أيام القتال العشرة المنقضية فيما اختزنت روحه الآلام والمرارات. وبقي عبد الله قادراً على إدارة العمل الكبير والمتشابك دون أن تُحبط المثبطات عزيمته إلى أن جاء هذا النبأ عن مذبحة، فانفجر المخزون. وفي ردّ فعله على مسلكي، لم يفتقر قريبي وصديقي المهتاج إلى ضبط النفس وحده، بل افتقر أيضاً، إلى منطقه المألوف. وهكذا راح رفيق أيام الكفاح القاسي يزعق في وجهي بكل ما يرد على لسانه من قاموس الشتائم والاتهامات. وبلغ رد الفعل ذروة القسوة حين رماني عبد لله بهذه العبارة: «برودتك في التعاطي مع مآسي شعبك تجعلني أشك حتى في وطنيتك». ولأن الضارة قد تنطوي على نافعة فإن قسوة الشتائم والاتهامات ألجمت ردّ فعلي الفوري، فلم أرد على كلام عبد الله ولم أهجم عليه ولم نشتبك في عراك، بالرغم من أن هذا كله ورد في البال. وقتها، سبق داوود يعقوب الجميع وهتف: «لا، يا أبا منيف، هذا فيصل، حبيبك، وحبيبنا كلنا». وأدرك منير فداحة الألم الذي يعتصرني واختلاط مشاعري بين الحاجة إلى الرد وبين الحرص على ضبط النفس وتجنب ما هو أسوأ، فأحاطني بذراعين حانيتين، وقال بصوت جهير ليسمعه عبد الله المهتاج: «عبد الله أخوك المحبّ لك، وما يقوله في لحظة غضب لا يعتدّ به، وأنا واثق من أنه سيعتذر». ثم همس منير في أذني بما يعرف أنه سيلزمني ضبط النفس: «أنت أكبر من الحنق». وحين اقتادني منير ليخرجني من الحجرة، وجدني مطواعاً. قد تسألني : هل وقعت إذن مذبحة شنيعة في مستشفى الأشرفية وصدقت رواية الجهاز ؟ وجوابي هو هذا : في قتال الإخوة كل ما يقع شنيع حتى لو تعلق الأمر بالتراجم بالحجارة، وكل طرف في هذا القتال يهوّل، ولكل طرف جهاز. سموه أيلول سبتمبر الأسود، وكانوا على حق. وما وقع كان مأساة مريعة ذكّرت العرب بما هو مؤس في تاريخهم كله منذ حرب داحس والعبراء. ولم يكن لهذه المأساة أن تختم بأي حدث أفجع من الحدث الذي ختمت به فعلاً. قبل هذا الحدث بساعات قليلة، وصل ياسر عرفات إلى دمشق، لم يكن الخارج لتوّه من المعمعة قادراً على العودة إلى عمان، فاختار أن يجيء إلى العاصمة التي سندت المقاومة الفلسطينية والتي سيجيء إليها الخارجون من عمان بموجب اتفاق القمة. وكان عرفات خلال المعمعة قد عزز مكانته، بقيادته القتال، وإدارته المفاوضات، ومناوراته أثناء انعقاد القمة، وأرسى شعبيته قائداً حاذقاً يُقدم أو ينحني أمام العاصفة، أو يحجم، ينتقل من موقف إلى غيره ويتكيف مع التبدلات، وذلك كله وفق ما يرى فيه مصلحة للقضية التي يتولاها. وقد وصل الرجل إلى دمشق ليس بهيئة الناجي من حصار لعين، بل بزهو المنتصر، وتصرف على هذا الأساس، إنه ياسر عرفات الذي لا يتحرج أمام شيء، حتى الهزيمة. وكان من تجليات حرص عرفات على تكريم المنهمكين معه في المعامع أن ابتدأ بزيارتنا في مبنى الإذاعة؛ فعل هذا ليشكر المسئولين السوريين الذين وضعوا إذاعتهم في خدمة الثورة الفلسطينية ويحيي الذين خاضوا حرب الإذاعة ويدلي ببيان وجد من الضروري أن يوجهه إلى المستمعين. وفي الإذاعة التي قدم عرفات إليها بعيد الظهر، انعقد اجتماع فلسطيني حرص أبو عمار على أن أكون بين شهوده. وأطلع القائد الحاضرين على ما شاء أن يعرفوه من وقائع القتال والمفاوضات، وتداول معهم الخطوط العامة للبيان الذي سيلقيه، ثم انفرد الرجل بعبد الله وبي فشرعنا في إعداد الصياغة. وقد توخينا أن يختم بيان عرفات فترة تفردنا بالإذاعة السورية، وشئنا أن يتم هذا بأعجل ما يمكن حتى تعود الإذاعة إلى أصحابها ويعود صوت دمشق بعد أن غاب عن إذاعتها اثني عشر يوماً متصلة. والواقع أن صياغة معظم الفقرات تمت بيسر، فالأمر لم يعد تلخيص ما قاله عرفات في الاجتماع. أما البند الذي نشأ حوله جدل فكان ذلك المتعلق بحساب عدد الضحايا. جاءنا أبو عمار برقم جعل عدد الضحايا على ما أتذكر اثنين وعشرين ألف شهيدة وشهيد. وبهذا الرقم، أجمل عرفات الأرقام المهولة التي أوردتها بلاغات المقاومة أثناء القتال. لم يكن أحد قد أجرى، بعد أي إحصاء مدقق ولا كان بالإمكان إجراء مثل هذا الإحصاء في وقت قصير. غير أن التهويل في التقدير كان صارخاً. وبوصفي معارضاً مزمناً للتهويل وبما لي على عرفات من دالّة شخصيته صرت تعرفها، أبحث لنفسي أن أعترض بشدّة واعترض عبد الله الذي تماثلت دوافعه إلى الاعتراض مع دوافعي مثلما تماثلت الحجج. قلت إن هذا الرقم غير معقول وما من أحد سيصدقه. وسقتُ الحجج كلها التي أسوقها في العادة حول أضرار التهويل. وطلبت أن نعلن رقماً أقرب إلى المعقول ونتحسب للمستقبل بالقول إنه رقم تقريبي ونعد الرأي العام بإعلان الرقم الدقيق عندما يستوفى الإحصاء. لكن عرفات لم يأبه لحججي ولا للاقتراح ولا اهتم حتى بالدفاع عن صواب الرقم الذي جاء به، ولم يكن هذا مما يشغل باله، بل تشبث برقمه. فلما عاندتُ، وجه أبو عمار إليّ تلك النظرة التي تظهر استخفافه بحججي وقرنها بحركة من يديه، وتساءل مستنكراً: «مثالي ؟ !»، ثم أورد ملاحظة أراد لها أن تبدو عابرة، ولكن أدركت أنها بيت قصيده : «هل كثير علينا لو لمينا قرشين من اللي تركونا ننذبح. هل تستكثر على ولاد الشهداء اللي عايشين أن يشبعوا اللقمة !». جبهني أبو عمار، إذن بحجة محرجة. وصار عليّ أن أتراجع، لكني لم أشأ أن أبدو فاقد المثالية فاقترحت أن نجعل الرقم دون العشرين ألفاً، أي رقم دون هذا حتى لو كان تسعة عشر وتسع مئة وتسعة وتسعين. وأدرك عرفات أن المعترض استسلم لمنطقه هو، فابتسم، وأشرقت أساريره كلها، وقال بنبرة يفيض منها الود: «خلّ الرقم زي ما هو يا فيصل، وافهم عليّ، أمّال!». وكنت في الحقيقة قد فهمت وانتهى الأمر، أو قل إني تهيبت مواصلة الاعتراض دون فائدة فاستسلمت، بقي الرقم المهول، وتمت صياغة البيان. وغادر عرفات بعدها الإذاعة. وكان داوود يعقوب على الهواء يقرأ بيان عرفات، حين تلقى عبد الله مكالمة فأجهش في بكاء حارق وتشنجت يده على سماعة الهاتف. وبين دفقتي بكاء، فاه عبد الله بالنبأ المروع: مات جمال عبد الناصر واكتملت المأساة. استمر عبد الله في البكاء، وبكى الحاضرون وفاضت دموعهم، جميعهم، ولم أبك أنا، بل وجدتني ذاهلاً وبدا لي أن المحيطين بي يبكون لسبب أجهله، وكان هذا هو الذهول خالصاً. لم تجمد الدموع وحدها، هي التي جمدت منذ فجيعتي بأهلي في حصار الفالوجة في العام 1948، الحصار ذاته الذي كان عبد الناصر من أبطاله، بل تجمدت المشاعر وتجمد الذهن، أيضاً، ولم أحس بشيء ولم أفكر بشيء. تابعت موجة البكاء التي انداحت في الحجرة وكأن ليس فيها ما يخصني. ثم راقبت عبد الله وهو يغالب انفعاله ليستعيد القدرة على التصرف ويبحث عن مذيع لم يهدّه النبأ لينقل هذا النبأ المروع إلى المستمعين، دون أن يتحرك فيّ حتى الحسّ المهني. ورأيت كيف عاد داوود يعقوب إلى الحجرة فأسلمه النبأ إلى البكاء، فنشط بكاؤه بكاء الآخرين. ورأيت كيف تحامل عبد الله على لوعته ووقف إزاء داوود محاولاً تهدئته حتى يعود إلى الاستديو ويذيع النبأ. ورأيت داوود وهو عاجز عن لجم الانفعال الذي اكتسحه اكتساحاً. وسمعتني أقول وكأن القول يصدر عن شخص غيري: «لماذا لا يذيع داوود النبأ وهو يبكي ، أليس هذا هو الأليق». ثم أحسستني أنسحب من الحجرة، وأتوجه إلى المرآب، فيخفّ السائق أبو رشاد إليّ بسيارته ويمضي بي باتجاه منزلي وهو يبكي، وأستمع إلى مذياع السيارة فأسمع النعي الذي يقرؤه داوود وهو يبكي، وأدخل المنزل، واتجه إلى حجرة النوم، وأستلقي على السرير.