تطال الأزمة الاقتصادية الارجنتينية كافة نواحي حياة الناس هناك، حيث تجلى احد انعكاساتها على المنزل الذي ضم أرنستو شي جيفارا في السنة الأولى من عمره في «روساريو»، وذلك بعرضه للبيع من قبل صاحبة المكان أليسا ريبيتو التي تبحث عمن يشتري المنزل بعد ان تقطعت سبل تغطية مصروفاته المالية. ويقتصر الشرط الوحيد الذي تضعه على المالك الجديد على الاعتناء بمئات الفضوليين والسائحين الذين يرغبون بالتعرف على المكان الذي تعلم فيه جيفارا كيف ينقل أولى خطواته. وتقع مدينة «روساريو» على ضفة نهر «بارانا» وتمثل رمزاً للأزمة الاقتصادية في البلد الجنوبي، وهي مركز قديم للصناعة ولتصدير الحبوب، لكنها عانت خلال العام الزمني الأخير من انهيار اقتصادي طال ما نسبته 40 بالمئة من النشاط الصناعي ولديها أعلى معدل بطالة في البلاد. إذ ان أكثر من 25 بالمئة من القوة العاملة النشيطة هناك ليس لديها عمل، ما جعل الشوارع تخلو من المارة أثناء الليل، بينما يحتل المتسولون الأرصفة سعياً وراء شيء يقتاتونه من أكياس القمامة. الشيء المدهش هو ان مدينة «روساريو» لم تتمكن من استثمار مصادر الجذب السياحية الضئيلة فيها، فعلاوة على كونها مهد العلم الارجنتيني، الذي صممه مانويل بلجرانو في الرابع عشر من شهر يوليو عام 1928 بمحاذاة النهر، شهدت «روساريو» مولد احدى الشخصيات الأميركية اللاتينية الشهيرة: أرنستو شي جيفارا. تقول أليسيا ريبيتو المالكة الحالية للشقة الواقعة في شارع «انتري ريوس» ذات الرقم 480: هنا أمضى أول سنة من حياته، حتى قرر والداه الانتقال إلى مدينة «قرطبة» التي كانت تتمتع بمناخ أكثر اعتدالاً بالنسبة لولديهما الذي عانى منذ نعومة أظفاره من داء الرئة». وريبيتو تشير بذلك إلى مرض الربو الذي صاحب جيفارا خلال حملاته النضالية: وقد استقبلتنا هذه المرأة العذبة بثقة تامة في صالة الطعام التي ما زالت تحافظ على طابع منزل تمتد جذوره إلى بدايات القرن الماضي، بقناديله ذات النمط الفني الزخرفي وأرضيته الخشبية. وريبيتو سيدة عمرها نحو خمسين عاماً ومطلقة لها أربع أولاد، وأدركت بالصدفة انها كانت تعيش في بيت أحد الرموز الارجنتينية، «انتقلنا أنا وزوجي الطبيب إلى هذا المنزل في عام 1977، واستلمنا بعد بضعة أشهر رسالة من بعض الاقرباء تحتوي على نسخة من وثيقة ميلاد جيفارا، حيث كتب عنوان المنزل الذي شاهد فيه النور لأول مرة». ومما يدعو للدهشة ان ريبيتو احتفظت بشكل غيور بالسر طوال سنوات ست ولم تخبر حتى أقرب الاصدقاء بما احتوته الرسالة: «كنا في عز فترة الديكتاتورية وكان يخيم على البلاد الهذيان التام، فقبل انتقالنا، كنا نعيش على بعد أربع احياء، وقد انتهك منزلنا في مناسبات خمس على يد الشرطة العسكرية. «وعلينا الا ننسى انه في تلك الفترة كان جيفارا رمزاً لليسار ومقاتلي حرب العصابات (الجناح العسكري للبيرونيين في بداية الستينيات) ولقد كان مجرد العيش في هذا المنزل مدعاة للشبهة». «وفي عام 1983، عندما دخلت حكومة راؤول ألفونسين السلطة، كنا ما زلنا متخوفين من اعلان النبأ، ذلك اننا لم نستطع تصديق ان عهد الديمقراطية قد حل وان العسكريين ما كانوا ليعودوا». وريبيتو لم توافق أبداً على الكفاح المسلح كوسيلة، لكنها كانت متعاطفة مع جيفارا «فلقد كان المثال بالنسبة لجيلنا» وعندما مات لم استطع حتى تصديق ذلك» وهي تشعر الآن بالخجل لأن السلطات المحلية لم ترغب أبداً بتكريم مواطنها الاكثر شهرة. وما يلفت الانتباه عملياً انه في شارع «انتري ريوس» لا توجد حتى لوحة تذكارية، ويبدو ان سائقي سيارات الأجرة في «روساريو» لا يعلمون أين عاش الثوري الارجنتيني ـ الكوبي، الذي أضحى اليوم موضع الصورة الأكثر انتشاراً في العالم. «يبدو غريباً، لكن على الرغم من ان جيفارا هو رمز ثقافي في جميع أرجاء العالم، لا يزال ينظر إلى جيفارا في مجتمع «روساريو» كونه لقيطاً وعملياً عندما يأتي الناس من الخارج لزيارة المنزل ويقرعون جرس الجيران، فإن هؤلاء لا يسمحون للزوار بالدخول ويسألونهم حتى: من هو تشي جيفارا ذاك؟». وعلى الرغم من ان ريبيتو قد أرادت تحويل منزلها إلى نوع من المتاحف، إلا انها لم تتمكن من فعل ذلك بسبب معارضة شركاء آخرين في ملكيته «يوجد تمييز أيديولوجي ضده. ففي عام 1993 اتخذ المجلس البلدي في النهاية قراراً بتعليق لوحة في المنزل بسبب الأهمية التاريخية، لكن بعد مضي وقت قصير على اتخاذ القرار، انفجرت مفرقعة في الباب مما أدى إلى تحطم زجاج المبنى». وبالخروج من المنزل يلاحظ تجويف عند العتبة التي تفضي إلى الرقم 480، ومع ان البلدية قررت أيضاً افتتاح ساحة شي جيفارا على بعد حيين سكنيين من المنزل، لكن صورة مقاتل حرب العصابات لم تسلم من التشويه كذلك. وإلى جانب القيمة التاريخية فإن المنزل الذي بناه في عام 1925 اليخاندرو بولستيلو أحد أشهر المهندسين المعماريين الارجنتينيين الذي شيد أيضاً كازينو «بلاتا ديل ألمار» وفندق «ياو ياو» في «باريليوشي» يعتبر موقعاً لطيفاً ويضم عشرة غرف تغطي مساحة قدرها 190 متراً مربعاً. ما عدا المطبخ، لا يزال يحتفظ بنمطه الأصلي بما في ذلك الحمام الذي يباهي بحوض من بدايات القرن المنصرم. لكن ما يدعو المرء إلى الدهشة لأن المالكة الحالية تريد بيعه، وتوضح ريبيتو ذلك قائلة: «مثل جميع الارجنتينيين أصابتني الأزمة، فأنا لا أملك الدخل الكافي في اللحظة الراهنة ويكلفني البيت 200 بيزو (50 دولاراً) شهرياً، وعلى الرغم من انها لم تحدد السعر بعد، إلا ان ملكيات بنفس الحجم في «روساريو» تباع الآن مقابل 40 ألف دولار. ترجمة: باسل أبو حمدة عن «كلارين»