يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. في سياق تسويغ خروجه من عمان في هذا الظرف، روى كمال ناصر حكاية قد تكون براعته في القصّ قد أضفت عليها شيئاً من المبالغة إلا أن هذا لا ينفي أن تكون وقائعها ذات الدلالة صحيحة تماماً. شهد كمال قبل خروجه اجتماعاً حضره حشد من القادة والمسئولين والخبراء. دعا عرفات إلى هذا الاجتماع لدراسة الوضع الذي برز فور تشكيل الحكومة العسكرية. وإعداد خطط المواجهة المرتقبة. ووقع خلال مناقشة الخطط خلاف بين العميد عبد الرزاق اليحيى وضابط آخر بشأن المكان الذي ينبغي أن ترابط فيه كتيبة من كتائب الثورة. كان على مائدة الاجتماع الكبيرة خريطة بحجم المائدة. وكان عبد الرزاق يشير إلى نقطة على الخريطة، فيما يشير الضابط الآخر إلى نقطة بعيدة عنها، ويتشبث كل منهما برأيه. وضاق كمال بالجدل الذي ينهمك الجميع فيه حول مسألة لا يفهمها، هو الذي ليس له في العسكرية لا باع ولا ذراع. ضيق كمال أنهضه عن مقعده وحمله على التجول في قاعة الاجتماع بانتظار أن ينتهي هذا الجدل. فلما امتدّ الخلاف وبدا أنه بلا نهاية، تقدم كمال نحو المائدة وأشار إلى نقطة لا على التعيين وقال: «أنا أرى أن توضع الكتيبة هنا». وعند هذه المنطقة في روايته، توقف كمال عن السرد وجبهني بعينين مفتوحتين على آخرهما وهتف: «كنت أسخر، فهل تدري ما الذي حصل، وافق الضابطان كلاهما على اقتراحي وأقره الحاضرون جميعهم وقالوا إني عبقري». ولم يترو كمال ليعرف رد فعلي، بل أضاف بنبرة من يحدّث نفسه: «كيف تريدني أن أأتمن هؤلاء الناس على حياتي!». جاء آخرون بعدي إلى كمال وسمعوا حكايته. وقد أشاع بعض هؤلاء أنه أحرج القائد الشاعر حين اتهمه بالفرار من أرض المعركة فتركه كمال برهة ثم رجع ومعه جواز سفره وواجه لائميه به: «اقرأوا ما هو مكتوب، كمال بطرس ناصر ، وليس عنتر بن شداد!».حكاية كمال عزز مضمونها حكاية أخرى رواها لي العميد عبد الرزاق اليحيى في جلسة مكاشفة ضمتنا فيما بعد. وقتها، سألت العميد عن مدى صواب ما رواه كمال عما جرى في الاجتماع، فما زاد على الابتسامة وقال: «اسمع واحدة غيرها جرت في الاجتماع ذاته!»، فسمعت: تباينت ردود فعل القادة الفلسطينيين إثر تشكيل الحكومة العسكرية. رأت الأغلبية أن تشكيل حكومة عسكرية يسدّ الطريق أمام أي مفاوضات مع النظام، فيما رأت أقلية تحسست فداحة الخطر أن بالإمكان المناورة لاستدراج الحكومة إلى جولة مفاوضات. وقال أبو إياد، وهو من أصحاب هذا الرأي: «في أقلّ الأحوال سنكسب وقتاً نستفيد منه لإصلاح العلاقة مع عبد الناصر ولإتمام استعداداتنا». وبدا عرفات ميالاً إلى هذا الرأي دون أن يفصح عن أي ميل. وفيما النقاش محتدم، رنّ في القاعة جرس هاتف ملحاح. وكان على الخط رئيس حكومة العسكر نفسه،. وفهم المستمعون من حديث عرفات مع رئيس الحكومة أن الرجل يملي شروطاً ويعرض التفاوض إن التزمت المقاومة الفلسطينية مسبقاً بها. وهمس العميد عبد الرزاق في أذن عرفات حاثاً إياه على قبول العرض. إلا أن أغلبية الحاضرين هاجت وماجت وراحت تحثّ عرفات صراحة على إقفال الخط في وجه مملي الشروط. ووصل الأمر بأحد الحاضرين إلى أن قفز ناحية عرفات وأخذ يلكزه لكزاً في جنبه ويحثّه على الرفض. وبالطبع، لم يأذن هذا الجوّ بإجراء محادثة مثمرة من أي نوع، بل كان من شأنه أن وتّر عرفات زيادة على ما هو متوتر. وانتهى الأمر إلى أن صار عرفات نفسه يزعق في وجه رئيس الحكومة بما يزعق به الآخرون: «الإملاءات مرفوضة». في فجر اليوم الذي تلا حديثي مع كمال ناصر، باشر الجيش الأردني هجومه، واشتعلت الاشتباكات في عمان، ثم انداحت فشملت كل مكان في الأردن توجد فيه قوات للمقاومة، وصار الأردن ساحة قتال.أيقظني هاتف مبكر من نومي الكابوسي. كان الجهد المتواصل والتوتر الشديد قد أسلماني إلى نوبة من نوبات الألم الشديدة، الألم الذي يستوطن عامودي الفقري حتى بدون ذلك، وتعذر أن أنام نوماً هادئاً، فلم أغف في ليلة الترقبات تلك إلا هنيهات طاردتني خلالها الكوابيس. وأتاني على الهاتف صوت عبد الله الحوراني ، وقد اكتسى عمقاً إضافياً يعكس أساه: «وقع ما توقعنا، تعال إلى الإذاعة، عندي إخوان كثيرون، ونحن في انتظارك!». فاجأني أن يتكلم عبد الله من هيئة الإذاعة والتلفزيون السورية هو الذي كان قد استقال من رئاستها قبل حوالي ثلاث سنين. غير أن هذا لم يكن مهماً. وقد تعجلت الاستعداد. وبدأت بابتلاع حفنة من الحبوب المهدئة للألم ووضعت البقية في جيبي. تطور النزاعات بين المقاومة الفلسطينية والأردن أحدث في سوريا اضطراباً لم يحدث مثله في أي بلد آخر. حتى بدون هذا، كان لسوريا أسبابها للنزاع مع النظام الأردني، فكيف وقد تصرفت القيادة السورية بوصفها حليفاً ثابتاً للمقاومة. وقد وجدت القيادة البعثية في المقاومة شريكاً تتماثل سياسته المنشودة مع سياستها ووجدت في موقف المقاومة إزاء النظام الأردني ما يسند الموقف السوري ضد الأنظمة العربية المحافظة. وكان بين ناس القيادة السورية كثيرون تحمسوا للدعوة إلى إسقاط النظام الأردني واستخفوا بأخطارها. غير أن ازدواجية السلطة في سوريا ذاتها، الازدواجية التي وزعت ناس الحزب والحكم على كتلتين متنافستين ومتنابذتين، فعلت فعلها في هذا المجال أيضاً، فتفاوتت درجات الحماس للمقاومة، وتباينت المواقف إزاء الدعوة إلى إسقاط النظام الأردني. وهكذا، صار من شأن أي قرار يُتخذ في القيادة حول الصدام الذي وقع للتو أن يؤجج الخلاف بين الكتلتين. وقد أظهرت كتلة القيادة وزعماؤها، اللواء صلاح جديد رجل الحزب القوي، ود. نور الدين الأتاسي رئيس الدولة ود. يوسف زعين رئيس الحكومة حماساً صريحاً لإنجاد المقاومة في قتالها مع جيش الأردن، فيما تحفظ اللواء حافظ الأسد وزير الدفاع وزعيم الكتلة الأخرى على زج جيش سوريا في القتال مع جيش البلد الشقيق الجار. بكلمات أخرى، اشتد التباين بين أغلبية المدنيين وأغلبية العسكر في قيادات الحزب والحكم. وتحدت الأولى الثانية. واتخذت قيادة الحزب قرارها وطلبت من الأسد بوصفه وزيراً للدفاع وقائداً عاماً للجيش أن ينفذه. وفي سياق دعم المقاومة، وضعت القيادة التي كان وزير الاعلام حمود القباني في عداد أعضائها موجات الإذاعة السورية كلّها في تصرف المقاومة الفلسطينية : ألغيت «هنا دمشق» كلية وحل محلها على الأثير «صوت فلسطين، صوت اللجنة المركزية لحركة المقاومة». وندبت القيادة عبد الله الحوراني الذي كان لا يزال عضواً في الحزب ليشرف على هذا الصوت. وكعادته كلما واجه معمعةً ، طلب عبد الله مني أن أكون بجانبه، فصرت بمثابة نائب له. وقد كنت بالنسبة لعبد الله معاوناً طيباً يمكن الركون إليه وتحميله أشق الأعباء والاستفادة من نصيحته كلما تعلق الأمر بأي شأن حساس. يقيناً أن حافظ الأسد لم يكن ضد المقاومة الفلسطينية لكنه تميز بحدّة انتقاده للعديد من أوجه سلوكها وسياستها. وهو لم يكن ضد أن تستخدم سوريا نفوذها لتوفير الحماية الممكنة للمقاومة، إلا أنه عارض إقحام الجيش في حرب مع الأردن وتحسب إزاء المخاطر وتخوف ردود الفعل الإقليمية والدولية. ولكن إصرار القيادة على تنفيذ قرارها أدى الى توجيه القوات السورية لاقتحام حدود الأردن بهدف التدخل في القتال لصالح المقاومة بالطبع. وبوجود الخلاف والمحاذير، جرى تمويه هذا التدخل، لكنه كان تمويهاً ساذجاً. فقد أُعلن رسمياً أن جيش التحرير الفلسطيني هو الذي تحرك لإنجاد إخوانه، وليس جيش سوريا، ولم يستر هذا التمويه شيئاً، كما أن استخدام هنا صوت فلسطين بدل هنا دمشق لم يخف حقيقة أن الموجات المستخدمة هي سوريا كلها. أما لماذا لم يرفض الأسد تنفيذ قرار القيادة فلأنه كان ملزماً بتنفيذ قرار اتخذته أغلبية قيادة هو عضو فيها، ولأن رفضه سيعني تمرداً صريحاً لم يكن هو قد أتم استعداداته له، ولأن الجوّ الشعبي المفعم بالحماس للمقاومة لم يكن ملائماً لتمرد من هذا النوع، وهكذا أشرف الأسد على تنفيذ ما يقع ضمن صلاحياته، لكن بغير حماس وبغير اقتناع، وراح يراقب مسلك القيادة ويحصي عثراتها، ويحملها مسئولية المجازفة الخطيرة، ويراكم ضدها النقاط.لم يحتج عبد الله إلى أن يشرح لي هذه الملابسات التي يعرف أني أعرفها ولابدّ من أخذها بعين الاعتبار. اكتفى عبد الله بالإشارة إلى حراجة الوضع. ولكي أطمئن قريبي، قلت له إننا نسير في حقل من البيض القائم على رؤوس مسامير وأنا أعي أن علينا أن نتوخى الدقة. وكرر عبد الله أمامي ما أوصاه به د. زعيّن: «تجنب ما يمكن أن يؤجج الخلافات الداخلية في البلد!». وما كان أعقدها من مهمة! اتصلنا بفصائل المقاومة كلها وطلبنا منها أن ترسل إلى الإذاعة من تنتدبهم من كتّابها، فجاء من هؤلاء عدد كبير. وتطوع آخرون من تلقاء أنفسهم. وجاء آخرون بحكم صلتهم الشخصية بي أو بعبد الله، أو بدافع الفضول. وبإضافة هؤلاء إلى العاملين أصلاً في الإذاعة السورية، توفر حشد كبير فيه أكفاء وغير أكفاء. وكان هذا الحشد كافياً لتشغيل إذاعات عدة منشغلة بمواضيع مختلفة وليس فقط إذاعة واحدة منشغلة بموضوع وحيد. وتوجب أن نقيم في مبنى الإذاعة ليل نهار، ذلك أن البث اتصل على مدار الساعة دون أي توقف. ولئن بدأنا العمل بعدد يفيض عن الحاجة، فقد جاء إلينا المزيد من المتطوعين في كل يوم جديد. وبمضي الأيام واحتدام المعمعة، اشتد الزحام واشتد معه الضجيج، فزادانا رهقاً، ولم يعد واحدنا قادراً حتى على أن يغفو بهدوء على كرسيّه، حتى لو هدّه التعب هداً. الميزة الوحيدة وسط هذا الرهق وفرتها لنا رعاية حمود القباني وزير الإعلام وسخاؤه. فقد جنّد هذا الإنسان الذي لا ينسى نفسه للخدمة الدائمة دون أن يتدخل فيما نفعل أو نقول. وعندما لاحظ حمود أننا لا نتناول وجبات منتظمة لأن أحداً لم يفطن إلى حاجتنا إليها أمر بأن تجيئنا الوجبات الثلاث يومياً من أجود مطاعم المدينة وفيها ما يفي بالحاجة ويفيض، ولم ينكص عن مكرمته حتى بعد أن زاد عددنا وصار عشرات كثيرة. وسأعترف مع غير قليل من الحرج أن الوزير الأريحي أنفق على طعامنا خلال أسبوعي الاشتباكات في الأردن كل ما هو مخصص لوزير الإعلام من نفقات خاصة خلال ما بقي من السنة المالية.لا أدري كم كان جهدنا مفيداً فيما لغة القتال هي السائدة وهي التي ترسم المصائر. لكن أعرف أنه كان جهداً كبيراً. وحين حوصرت المقاومة في عمان، دخل جيش سوريا على خط القتال، وتواجهت دباباته سوفييتية الصنع مع دبابات الجيش الأردني أميركية الصنع، وامتدّت الحرائق. والذي أملك الجزم به أن دور الإذاعة نفع في التأكيد للمحاصرين على أنهم ليسوا متروكين لوحدهم وأن إخوانهم في الخارج يضعون ثقلهم في الميدان. أما سوريا فقد جازفت حتى باستقلالها ذاته وهي تنجد المقاومة. لم تكن مشاكلنا بحجم المشاكل التي يواجهها المحاصرون لكنها لم تكن أقل تعقيداً أو تنغيصاً. وأول ما كابدناه وأوجعه كان اضطرارنا إلى متابعة أحداث تخصنا دون أن نكون في مركزها. وقد علمتني التجربة أن مكابدة المحاصر أخفّ وقعاً من مكابدة من يعلق عليه عن بعد. ولكم أسفت لأني لم أكن بين المحاصرين! أما كثرة العمل، وغياب فرص الراحة، وفوضى التوجيهات المتباينة التي تجيء من الفصائل، والافتقار إلى العدد الكافي من المحترفين الأكفاء على كثرة الموجودين، فكانت مشاكل ألفنا مواجهتنا وكان عناؤها مما يمكن احتماله. وأما المرور عبر الحساسيات الناجمة من ازدواجية السلطة في سوريا فكان في صعوبة مرور جمل من ثقب إبرة حين لا يكون الجمل مطواعاً ولا يكون الثقب سالكاً. مع الفصائل، وخصوصاً مع «فتح»، أي مع الناس الذين يتصرف معظمهم وكأن المعمعة الجارية «طوشة» عرب تنفع فيها الفزعات، تواترت المشاكل بسبب الاختلاف حول مفاهيم العمل الإعلامي وأسلوب الإذاعة. ثورية الإذاعة عند ناس الفصائل كانت تعني مجاراة العواطف المهتاجة وتأجيج ما يفترض أنه ساكن منها، والتهويل، والنداءات والبيانات الإنشائية الحماسية الطويلة، ولابدّ من أن يُبث هذا كله بالزعيق.كان أحسن المذيعين عند الفصائل هو أعلاهم صوتاً، وأجود الكتاب هو أصوبهم إنشاءً وأحرصهم على العبارات ذات الطنين، وأنجع ما يتوخاه الإعلامي هو إثارة الحماس بالصياح. ولأننا، عبد الله وأنا وآخرين من أمثالنا، كنّا نرى الأمر على نحو مختلف، فما أشدّ ما صعب التفاهم، وما أكثر ما نشب من مشاحنات! ولما كان خالد الحسن في دمشق، فقد استنجدت به ليعينني على زاعقي «فتح». غير أن القائد الفتحاوي الذي وضعته الظروف بعيداً عن مركز القتال، خشي على سمعته ولم يشأ أن يصدم ناس فصيله. وظل من الممكن أن أتفاهم مع الرجل الصديق شخصياً، أما تدخله لتصحيح الوضع فظل قليل الفعالية. أنيس الخطيب، وهو من هو من مسئولي «فتح» المتفهمين وإعلامييها الأوائل كان تواقاً، مثلنا، إلى أن تتوخى الإذاعة مخاطبة العقول وتتجنب الإثارة والتهويل. إلا أن أنيس كان في سربه، خصوصاً في ذلك الظرف المشحون بالإثارة، عازفاً يكاد أن يكون منفرداً، ولم يكن أنيس على أي حال هو من أوكلت إليه «فتح» مهمة قيادة إعلامييها في الإذاعة. فهذه المهمة تولاها رجل يكتب الشعر ويوقع قصائده باسم «فتى الثورة» ونعرفه بكنيته: أبو هشام. وكان أبو هشام من أكثر إعلاميي «فتح» افتتاناً بالصوت العالي والتعابير الطنانة. وفي المعمعة التي أحدثك حديثها، بقي أبو هشام لبضعة أيام يمارس دوره، موجهاً لإعلاميي «فتح»، من مكتبه دون أن يجيء إلينا. ولما لم تنعكس أوامر الموجه في عمل الإذاعة، فقد ظن الرجل أن الفتحاوي الآخر أنيس متواطئ معنا، فجاء إلى الإذاعة بنفسه. جلب أبو هشام أوراقه معه وأقلامه واصطحب عدداً وافراً من المرافقين. وصل الرجل بعد أن اكتظت الحجرات المخصصة لنا بشاغليها، ولم يشأ أحد أن يخلي مكانه للقادم المعتدّ بنفسه المصر على أن يصدّره الآخرون عليهم،. فلم يقع أبو هشام على مكتب خالٍ يجلس إليه. وشاء عبد الله أن يلزم الرجل حداً بعينه فوفر له مكتباً، لكنه لم يهتم بأن يكون المكتب في صدر الحجرة، فجلس أبو هشام حيث انتهى به المجلس وكان مجلسه قرب الباب. وكان في هذا وحده ما يكفي لإثارة سخط ممثل الفصيل الأكبر وإكساء وجهه تأشيرة لم تبرحه طيلة مكوثه بيننا، وأشرع الرجل أقلامه، وفرد أوراقاً بيضاء كثيرة وراح يسودها الواحدة تلو الأخرى، وهو محاط بمرافقيه الملزمين بالوقوف بجانبه. وفرض التصرف إلى التفكير والكتابة على مرافقيه أن يظلوا مستنفرين في خدمته، فإذا احتاج إلى تنظيف أنفه مثلاً فعلى أحد المرافقين أن يناوله منديلاً، وإذا اشتهى القهوة أو رغب في كأس ماء فعلى مرافق ما أن يهرع إلى المقصف. أما إذا جفّ القلم أو نفد الورق فعلى المرافقين أن يخفوا إلى الحركة دون توان. هذا السلوك كان من شأنه في ظرف آخر أن يستثير التعليقات الساخرة وليس أكثر. أما في ذلك الظرف فإن سلوك الرجل أثار السخط وأوقع ناس «فتح» كلهم في الحرج. وقد ملت مرة على أنيس المحرج كغيره وقلت: «في «فتح» بلايا من كل نوع، فلماذا لم يرسلوا لنا بلية أهون من هذه». فزفر أنيس أساه دون أن يفارقه ظرفه: «هذه أو غيرها، لماذا لا تقنع بما قسمه الله!».وكان من محاسن الصدف أن استدعي عبد الله مرة للتشاور مع رئيس الحكومة، فطال غيابه، وحللت أنا محله لوقت كان كافياً للتصرف مع ممثل الفصيل الأكبر بما أملاه علي ضيقي وضيق غيري بسلوكه. ولك أن تعرف أني تعمدت استفزاز الرجل لعلي أحمله على مفارقتنا، ولم يكن إنفاذ عزمي صعباً، فما أيسر استفزاز هذا النوع من الناس! أرسل إليّ أبو هشام النصوص التي كتبها، فقرأتها بإمعان قراءة الترصد وأشرت على الأخطاء التي تبيح منع إذاعتها، وما كان أسهل أن أقع على الكثير منها.انسحب أبو هشام معلناً أن «فتح» هي التي تنسحب من إذاعة يتحكم فيها البعثيون، وتبعه معظم الفتحاويين منصاعاً لأمر صارم منه. وبقي أنسي وحده وعلى ثغره ابتسامة تعكس مرارة لا يعبر عنها بتمامها إلا البكاء. وإذن، فقد تسببت أنا داعية الوحدة الوطنية في أزمة لا تتفق مع مستلزمات هذه الوحدة. كنت قليل الصبر. وها أنا ذا أقرّ بالخطأ، فأرجو أن لا تعده في الكبائر! في اليوم التالي، رجع إلينا واحد من المنسحبين وكان هذا هو نصر شما الممثل المسرحي الذي يتعاطى العمل الإذاعي أيضاً، واستخلصنا أن نصر أرجع إرجاعاً كي تبقى للمنسحبين صلة بالإذاعة، ولم نكن مخطئين. فكلما احتاج أمثال أبي هشام هذا إلى إذاعة شيء كانوا يملون نصهم على نصر، فيجيء نصر به إلينا ويقول: «الإخوة في عمان أرسلوا هذا النص على الجهاز اللاسلكي وطلبوا إذاعته».وقد تقبلنا حكاية الجهاز هذه لنعفي أنفسنا من مماحكات لا لزوم لها. فزاد تواتر المواد المسنوبة إلى الجهاز، وكانت بمعظمها مواد مما يمكن الاستغناء عنه. وصرنا نتندر بالجهاز ونصف أي مادة ركيكة بأنها وردت على الجهاز. وتقنا مرة إلى الترويح عن النفس بعد عناء نهار ومساء طويلين، فتذكرنا نصر والجهاز. وكان نصر لحظتها قد استسلم لإغفاءة على كرسيه في حجرة مجاورة، فطلبه على الهاتف الداخلي أحد المتواطئين معنا وأملى عليه نصاً قال إنه وصل تواً على الجهاز من الإخوة في عمان. هذا النص الذي صنعناه نحن بالطبع كان بمثابة بلاغ عسكري يعلن أن التدخل العسكري الياباني في القتال الجاري في الأردن قد ابتدأ وأن البوارج اليابانية أنزلت مشاة أسطول اليابان ومعداتهم في ميناء العقبة، وأن هؤلاء يزحفون الآن باتجاه عمان. وحمل نصر ما أملي عليه وجاء إلى حجرتنا وقدمه لعبد الله. فتظاهر عبد الله بالدهشة الشديدة، وتساءل، موجهاً الحديث إلى نصر: «تدخل عسكري ياباني! ؟». وجاء جواب نصر كما توقعنا بالضبط: «نعم، ياباني، إنه الجهاز». مع الفصائل الأخرى، واجهتنا مشاكل مماثلة وإن كان حجمها أقل. فلحجوم المشاكل علاقة طردية بحجوم الفصائل. ظل أحمد جبريل يتصل بنا بين وقت وآخر ويزودنا بنصائحه ويحثنا على رفع الصوت، وكان له هو الآخر جهازه. وواظب فضل ثرورو معاون أحمد المسئول عن الإعلام على زيارتنا. وكان صديقنا هذا يقدم نصائحه بطريقته التي لا تعرف معها متى يكون جاداً ومتى يكون هازلاً : «أعرف، قبل أن تقولوا هذا بأنفسكم، أنها غير نافعة، لكنهم، عندنا، تعرفون، يحبّون هذا». ناس الصاعقة الفلسطينيون كانوا يتصرفون على أساس أن سوريا هي سوريتهم هم ويرون أننا جميعاً في خدمتهم ويتعاملون معنا على هذا الأساس. الشعبية التي كانت علاقتها بسوريا سيئة لم يظهر منها أحد. أما الديمقراطية فلا تحتفظ ذاكرتي بشيء عن دور ناسها في عمل الإذاعة، إن كان لهم دور. مشكلة أخرى أوقعنا فيها الجميع، النداءات المرمزة التي تبثها الفصائل ويفترض أنها تعليمات وأوامر صادرة عن القيادات وموجهة إلى المقاتلين. وأنا أستطيع أن أجزم أن معظم النداءات كان مما لا لزوم له إلا التظاهر بوفرة النشاط. وقد كنا مرغمين على إذاعة أي نداء، فمن منّا الذي يملك حق التمييز بين ما له لزوم وما ليس له! ولأن الفصائل لم تتقن الترميز ولم يكن لأي منها شيفرة حقيقية معتمدة، فكثيراً ما كانت الرموز بسيطة ومفضوحة. فأبو جهاد في نداءات جبهته هو أحمد جبريل الذي يعرف الجميع كنيته هذه بمقدار ما يعرفون اسمه. والوالد في نداءات «فتح» هو ياسر عرفات. وإذا استخدم أحدهم رمز الفارس الأحمر مثلاً فهذا يعني مسئولاً في فصيله اسمه فارس. الرمان في النداءات يرمز إلى القنابل اليدوية، والكوسا هي القذائف المدفعية والبطيخة هي اللغم، أما البطارية أو السيارة فهي البطارية والسيارة وليس أيّ شيء آخر. ولما كان الجيش السوري مشتبكاً مع نظيره الأردني وقيادته بحاجة إلى توجيه نداءات عاجلة، فقد خشيت هذه القيادة أن يختلط الأمر على عساكرها مع النداءات الكثيرة التي نبثها. وقد رجت القيادة السورية الجميع أن يقللوا نداءاتهم، لكن دفق النداءات لم يخفّ، بل اشتد بمضيّ الأيام. ومع زيادة العدد، زاد عدد النداءات التي لا لزوم لها. وها أنا أتذكر فتحاوياً صديقاً لي أملى عليّ نداءً صدّره بكنيته التي أعرفها ووجهه إلى أصدقاء له أعرفهم وضمنه العبارة الوجيزة التالية : «العشاء جاهز، نحن بانتظاركم». وعندما راجعت صديقي بشأن لزوم ندائه، حلف بالطلاق على أنه قد يكون أصدق النداءات جميعها، ثم روى الحقيقة : «دعوتهم إلى العشاء في منزلي وقد تأخروا وأنا أحثهم على المجيء». الحاج مطلق مسئول في «فتح» له اسم شهير ليس لأنه يشغل موقعاً ذا خطورة خاصة بل لأنه يرأس الإدارة التي تنظم سجلات أعضاء «فتح» وتحتفظ بوقائع خدمتهم فيها ولا يستغني أي منهم عن خدماتها الإدارية. وقد وصلتني بالرجل علاقات مودة وكنت أستظرفه وكان سلوكه الذي لا تصله صلة بسلوك الحجاج مما يجتذب انتباهي إليه. الحاج مطلق هذا اتصل بي وأملى نداءً مقتضباً: «الهدية على الطريق، أعلفوا الخيول. فجرّوا البطيخة!» وقد أذيع النداء بالطبع. وفور إذاعته، اتصل الحاج مخنفا «إيش هذا الذي عملته فينا» وقال الحاج إن النص الذي أذيع من قبلنا أفسد الخطة، فقد كان ينبغي أن تصل واو العطف ما بين الجمل، واتهمنا بأننا نحن الذين نسيناها. وها أنا ذا أتذكر ما أنطقني به غيظي : «أكيد يا حاج أن مصير الثورة كله مربوط بواو العطف هذه». أما أهمّ مشاكلنا على الإطلاق فقد سببها تفاقم الخلاف بين كتلتي الحزب والحكم في سوريا. كنّا، عبد الله وأنا ومعظم الذين يديرون عمل الإذاعة محسوبين على كتلة القيادة أو من المتعاطفين معها. وكان هذا، في نحو ما صحيحاً، خصوصاً إذا تذكرت أن هذه الكتلة كانت أشدّ حزماً في دعم المقاومة، وكانت لعبد الله ولي، خصوصاً لي، مشاكل مع الكتلة الأخرى، ولم يكن ناسها يثقون بنا.رأى هؤلاء أن الإذاعة السورية التي حملت مع الأحداث اسماً فلسطينياً صارت خارج سلطتهم كلية، فساءهم الأمر وشحن حساسيتهم إزاء أي كلام نذيعه، فتابعونا بيقظة زائدة، وأعطوا للكلام التفسيرات التي تمليها حساسيتهم. وإليك هذا المثل : فقد سمينا الحكومة الأردنية الجديدة الحكومة العسكرية أو حكومة العسكر أو ما إلى ذلك مما هو مطابق لحالها. وكان من المنطقي أن نهاجمها.ولم ننتبه إلى أن صفة العسكرية أو صفة العسكر أو ما يماثلها هي الصفات التي تطلق في سوريا على الكتلة الأخرى، ولا كان بإمكاننا في ذلك الظرف أن ننتبه إلى هذه النقطة. وحمل ناس الكتلة الأمر على محمل سوء النية، وتصوروا أن هجومنا على حكومة العسكر الأردنية ينطوي على التعريض بهم، وطالبوا بإبعادنا، عبد الله وأنا عن الإذاعة ومنهم من هدد بحبسنا إن لم نُبعد. ولك أن تتصور أن مشكلة كهذه المشكلة شغلت المناصب العليا في الدولة وحزبها الحاكم فيما المنطقة كلها على أكف مئات العفاريت! وقد انتهى الأمر بالطبع إلى تسوية أملاها ميزان القوى، فبقينا في الإذاعة شريطة أن نكفّ عن استخدام صفة العسكرية. ولم نهتد إلى صفة أخرى ملائمة للحكومة المتميزة، فسميناها الجديدة وقد ظلت هذه الحكومة جديدة في الإذاعة إلى أن سقطت. ولكم أشفقت على د. يوسف زعين وهو يجهد نفسه لتطييب خاطرنا ويرجو أن نلتزم ما تم الاتفاق عليه وهو غير مقتنع به! وفيما نحن متفرقون في ما أحاطنا من مشاكل، طرأت مشكلة نجمت من احتدام القتال بين الجيشين السوري والأردني وما أثارته الخسارة الكبيرة التي تعرض لها اللواء الأردني المدرع الأربعون من ردود فعل. هنا يقتضي الأمر أن أتبسط في الرواية وأستطرد بعض الشيء. فلئن سلم بعضهم بما لا بدّ من التسليم به من نتائج مؤسسية للاقتتال بين جيشين عربيين بذريعة ضرورتها لفك الحصار عن المقاومة، فإن كثيرين في سوريا، خصوصاً في الجيش، ساءتهم المهمة التي اضطلع الجيش بها وعدّوها بغيضة. ولعل من المفيد أن أروي لك واقعة تصف مشاعر د. يوسف زعين بالذات، هو الذي كان من أشدّ المتحمسين لإنجاد المقاومة ودفع الجيش السوري إلى القتال. فهذا الرجل ذاته لم يملك أن يحبس دموعه وهو يشهد معركة الدبابات الشهيرة التي وقعت بين الجيشين. وقد فاضت دموع الرجل فيضاً وأجهش بالبكاء أمام مشهد بعينه وقع عليه وهو يراقب المعركة. رأى رئيس حكومة سوريا كيف حطّت قذيفة على دبابة أردنية فأشعلت فيها النيران. ثم رأى عسكرياً يخرج من فتحة الدبابة بغباء وقد اشتعلت النار في ملابسه وراقبه وهو يقاوم الحريق الذي يأكل جسده، فانفجرت الدموع. وإذا كان هذا هو رد فعل المتحمس لقرار القتال فبإمكانك أن تستخلص ردود الفعل الأخرى، خصوصاً ردود فعل الذين اعترضوا، وكيف انعكس هذا على حالنا عند الذين يتوجب علينا أن نشدد الهجوم الإذاعي كلما اشتد القتال بينما يتهمنا فرسان الجمل الثورية بأننا مقصرون.