على ماذا قال رئيس الوزراء ارييل شارون في جلسة الحكومة الاخيرة: لا يعقل ان تحدث مثل هذه الظواهر عندنا؟ هل يقصد الوضع الذي يعاني فيه 13.2 في المائة من الاطفال الفلسطينيين ـ حسب وكالة الاغاثة الأميركية ـ من سوء التغذية الطويل و9.3 في المائة من سوء التغذية المزمن؟ ام انه يقصد في قوله القاء قنبلة وزنها طن على حي سكني وقتل 15 من ساكنيه؟ ام انه حجب المعالجة الطبية والحرمان منها؟ ام الاغتيالات التصفوية اليومية؟ ام سجن مئات الاف الناس خلال عامين في اطار عقاب جماعي؟ ام هدم البيوت وابعاد وطرد عائلات الانتحاريين؟ أم انه يقصد بقوله هذا تكاثر المظاهر العنصرية ضد العرب في اسرائيل؟ شارون ووزراؤه لم يعبروا بالمرة عن صدمتهم وجزعهم من أي واحدة من الظواهر والامور المذكورة سالفا. الا ان رئيس الوزراء تتلوه جوقة متآلفة منسجمة من الناطقين بدءا من رؤوبين ريبلين وانتهاء بيوسي بيلين الذين شعروا بالصدمة من مبادرة حركة غوش شالوم لارسال رسائل لخمسة عشر ضابطا في الجيش وتحذيرهم فيها من جمع معلومات وأدلة حول اعمالهم في المناطق بهدف تقديمها الى المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي للاشتباه لارتكابهم جرائم حرب. «هذا اسوأ من رفض الخدمة» قال شارون. حقا ان جمع مواد مدينة لعسكريين بمبادرة من حركة سياسية بهدف ارسالها لأطر قضائية دولية ـ هو مسألة مثيرة للاشكال: فلا توجد في اسرائيل سلطات كافيه لجمع المعلومات والمواد ـ عندما يكون هناك شك بارتكاب جرائم حرب ـ وتقديم المسئولين للمحاكمة؟ ولماذا توجد حاجة للقيام بخطوة وشاية؟ ولكن من قبل ان نسارع الى مهاجمة اعضاء غوش شالوم يجدر بنا ان نستعرض عدة اسئلة ونتمعن فيها. اولا: هل يقوم جنود الجيش وضباطه بأعمال يمكن ان يشتبه بأنها جرائم حرب؟ ان كان الجواب بالايجاب فمن الواجب وضع حل لها حتى من خلال وسائل خلافية. مجرد تداعي الجيش والحكومة يثير الشبهات بوجود ما نخفيه عندنا فعلا. في الاونة الاخيرة اتخذ الناطق بلسان الجيش خطوات تهدف الى التأثير على وسائل الاعلام وعلى الضباط في الجيش لعدم ابراز الجنود والقادة الذين يخدمون في المناطق بالاسماء والوجوه. بسبب ذعرهم من محكمة لاهاي. الحاجة لتغطية وجوه الجنود كجناة يسترون وجوههم امام الكاميرات في المحكمة يثير التساؤل ان كان الجيش حقا واثقا من نقاء وطهارة سلاحه.عدا عن ذلك، في الاشهر الاخيرة قامت اسرائيل بعدة خطوات في اطار مكافحتها للعنف وهي خطوات يجدر طرحها على محك اخلاقي وقانوني ـ ولا توجد امكانية للقيام بذلك هنا. مثل هذه الخطوات سواء كانت حجب الامدادات الملائمة ومنع مئات الاف الناس من امكانية الحصول على رزقهم وانتهاء بالتسبب في وضع سوء التغذية. عشرات عمليات الاغتيال وليس فقط للقنابل الموقوتة وهدم بيوت الابرياء وحجم العلاج الطبي والطرد ـ الا يوجد هنا شك بارتكاب جرائم حرب يتوجب ربما ان تقوم جهة ما باصدار حكمها فيها؟ ولكن من الذي سيقدم الجناة للمحاكمة؟ لشدة الاسف اصبح عدم وجود عنوان لذلك في اسرائيل باهتا في السنوات الاخيرة اكثر فأكثر. الجيش كف تقريبا وبصورة كلية عن دراسة عمليات القتل في المناطق خلافا للانتفاضة الاولى. فلمن سيتوجه من يشتبه بأن جنود الجيش قد قتلوا انساناً بلا مبرر وخلافا للقانون في هذه الحالة؟ من الذي سيحقق في موت الاطفال المواليد والمرضى الذين لم يسمح لهم باجتياز الحواجز حيث يتضح ان الجيش لا يقوم بالتحقيق بذلك بصورة جدية؟ هل هي محكمة العدل العليا؟ صوت هذه المحكمة أيضا يغيب كليا عندما يتعلق الامر بالامن. قضاة المحكمة العليا قرروا في السابق ان اصدار قرارات بصدد قوانين القتال في كل ما يتعلق بسياسة الاغتيالات ليس من اختصاصهم وفي الاسبوع الماضي قرروا ان الجيش ليس ملزما بتحذير الفلسطينيين عند هدم بيوتهم. بذلك يكونون قد قضوا على كوابح ضرورية اخرى في المجتمع الاسرائيلي. لمن سيلتمس الذين يعتقدون بأن التصفيات تلحق باسرائيل ضررا فادحا وتتناقض مع القانون الدولي؟ لو كان الجيش قد أمر بالتحقيق في مظاهر المس بحقوق الانسان كما يجب وقدم الجنود للمحاكمة وكانت محكمة العدل العليا على استعداد للعب الدور المنوط بها والتدخل عندما يتم خرق القانون في المناطق لما فكرت اية جهة اسرائيلية بالتوجه للهيئات الدولية. في ظل الوضع الحالي توجد حركات سياسية ومنظمات حقوق انسان وافراد تعتبر صورة اسرائيل مسألة عزيزة عليها لدرجة الاستعداد للقيام بخطوات استثنائية شاذة حفاظا على هذه الصورة. انهم لا يقلون وطنية عن الاخرين.لا يتوجب التنديد أيضا بمن يعتقدون ان من الواجب الدعوة الى فرض العقوبات على اسرائيل. نظام التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا وصل الى نهايته لاسباب منها فرض العقوبات عليه. ليس على اسرائيل ان تستبدل نظامها خلافا لجنوب افريقيا وانما يتوجب عليها فقط ان تضع حد للاحتلال وهي بحاجة الى مساعدة العالم من أجل هذا الغرض. الحذر الذي يضطر الجنود الى توخيه ومراعاته الان قد يكون مسألة مطلوبة: فربما سيفكرون من الان فصاعدا من قبل ان يقوموا بالقاء قنبلة ضخمة اخرى في قلب حي سكني.في الوضع الذي لا تؤدي فيه السلطات التشريعية ومحكمة العدل العليا والمستشار القضائي للحكومة وقسم عن الصحافة واغلبية الجمهور دورهم ويغطون وجوههم رافضين مشاهدة ما نقترفه نحن بحق الآخرين وبحق أنفسنا سيكون التوجه لطلب المساعدة من العالم الطريق الاخير المتبقي. ومن يستخدمون هذه الوسيلة انما ينشدون مصلحة اسرائيل العادلة. عن « هآرتس »