يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. بعد أن ظفرنا بإنقاذ صاحبنا، قدرنا أن عصام السرطاوي، الذي رضخ على مضض لتدخل عرفات، قد لا يكفّ عن ملاحقة من يعدّه هو جاسوساً. وفي تلك الزيارة إلى عمان، ارتأينا، سعيد وأنا، أن نتوجه إلى عصام ونحاوره ونليّن سخطه. وهذا هو ما أوصلني إلى عصام وهيأ لي فرصة التعرف عليه. وجدتني إزاء رجل تضطرم في شخصيته حزم من المتناقضات دون أن يبدو عليه أنه متناقض على نفسه. كان الرجل يلبس زي المقاتلين، إلا أن زيّه هذا كان صارخ الأناقة حتى ليمكن الظن بأنه وصل للتو من باريس من عند بيير كاردان؛ وكان ينتقي لحديثه ألفاظاً منتقاة من قاموس الثقافة الرفيعة حتى حين يتحدث عن القتل أو إبادة الآخرين؛ وكان يجلس وراء مكتب أنيق حلّت فوقه أدوات لا تقل أناقة، فيما وقف خلفه حارسان مسلحان جهمان يفرطان في إظهار اليقظة وأسندت بندقية جاهزة للإطلاق بقربه هو على حافة المكتب. وقد تلقانا عصام بلياقة إلا أنه لم يجاملنا. ولئن استخدم الرجل في حديثه معنا تعابيره المنتقاة فإن هذا لم يجعل الحديث أقلّ قسوة. أخذ عصام علينا تدخلنا في شأن قال إننا لا نعرف ملابساته، وألمح إلى أننا قد نكون، نحن نفسينا، جاسوسين مثل سعد. ولكن حال عصام معنا تبدل وانقلب النقيض حين قلنا له إننا نجيئه راغبين في التفاهم حريصين على ألا يتورط هو العالم المثقف فيما يتورط فيه الجهلاء. وإذا بنا إزاء محدث بارع، متمتع بمعرفة موسوعية، في العلوم والآداب والفنون. ولم تكن هذه حالة ازدواج شخصية من أي نوع، بل حالة شخصية مركبة من نوع خاص. ولئن لم أظفر في هذا اللقاء بصداقة عصام فإن باب الظفر بها لم يبق مغلقاً. الصحافيون الذين توافدوا لتغطية أنباء الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني الفلسطيني، كان لي بينهم معارف وأصدقاء كثيرون فصار لابد من أن أنشغل بهم. جاء طلال سلمان من بيروت. بقي صديقي اللبناني مسكوناً بعواطفه الناصرية بالرغم من معارضته لمبادرة روجرز وقبول عبد الناصر لها، كما بقي على التزامه تأييد المقاومة الفلسطينية بالرغم من هجومها الشرس على عبد الناصر، وبقيت له عواطفه الخاصة التي تشدّه إلى الجبهة الشعبية وأمينها العام د. جورج حبش، بالرغم من أن هذه الجبهة بزّت الجميع في الحملة على الرئيس المصري. توزعت مشاعر طلال، أو قل إنها تباينت بين ثقته بسلامة حس عبد الناصر القومي وحكمته وبين اعتقاده بأن مشروع التسوية الأميركية مؤامرة والقبول به خطيئة. وكان من المثير مراقبة ردّ فعل طلال الذي عدّ قبول عبد الناصر المبادرة مناورة وأيد حق المقاومة في الاعتراض عليها ووازن بين تبايناته بالدعوة إلى إطفاء الخصومة بين الجانبين. من مصر، جاء كثيرون؛ بعضهم جاء بدافع الفضول الشخصي، وبعضهم أرسلته المؤسسات الإعلامية التي تملكها الدولة. وقد انتقت المؤسسات مرسليها من بين المشهود لهم بأنهم أصدقاء حميمون للمقاومة الفلسطينية. وقد ضم الحشد عدداً كبيراً من نجوم الصحافة المصرية. وكان من هؤلاء محمد عودة وأحمد بهاء الدين ولطفي الخولي وحسين عبد الرازق وأمين هويدي ومصطفى الحسيني ومصطفى نبيل، كما كان منهم جلال السيد وإحسان بكر ومكرم محمد أحمد وآخرون لا تحضرني الآن أسماؤهم. وكان هؤلاء من الذين ألفوا أن يلقوا أتم الحفاوة من قادة الساحة الفلسطينية، إلا أنهم عوملوا هذه المرة بجفاء ظاهر. ويبدو أن الغضب المنفلت من أي ضابط قد أجج موجة عداء ضد السياسة المصرية فشمل أيّ مؤيد لهذه السياسة وأي ساكت عنها، كما شمل هؤلاء الصحافيين الذين دعوا إلى رأب الصدع. وقد تهيب حتى أعقل القادة من التجديف ضد التيار، ولم يجرؤ قائد فلسطيني على إظهار الترحيب المألوف بالصحافيين المصريين. حاولنا، أنا والذين لم تأكل الموجة الهائجة عقولهم، أن نفعل شيئاً لكسر الأجواء التي أحيط بها أصحابنا. فراجعنا قادة كثيرين وحثثناهم على التمييز بين الإختلاف في الرأي وبين متطلبات الاعتراف بالجميل والاحتفاظ بصداقة الأصدقاء المجربين. لكننا لم نلق إلا استجابات حية أو وعوداً لا يلبث أن يتنصل أصحابها منها. وكان أجرأ القادة على اتباع السلوك المطلوب هم الذين قبلوا أن يستقبلوا هذا أو ذاك من صحافيي مصر دون إعلان. والحاصل أني وجدتني محرجاً إزاء هذا الوضع كأنني أنا الموكل باستقامة العلاقات مع صحافيي مصر وانتظام تدفقها. وفي سعيي المثابر إلى تحقيق شيء، أي شيء، توجهت إلى قائد الصاعقة، عضو القيادة القومية لحزب البعث الحاكم في سوريا، الأردني ضافي الجمعاني. لم تكن صلتي بهذا القائد أوثق من صلتي بغيره، لكني ظفرت منه بما لم أظفر به من سواه. وحين زرته، كان أبو موسى وهذه هي كنية الرجل، قد رجع لتوه من مصر. شارك الرجل في الوفد الذي ترأسه عرفات، الوفد الذي شغل على عجل قبل أيام من افتتاح دورة المجلس الوطني وتوجه إلى الاسكندرية وأجرى مع عبد الناصر محادثات مستفيضة بأمل إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وقتها، وسط ضجيج الحملة على عبد الناصر، استشعر ياسر عرفات وعدد من القادة الآخرين المخاطر المحدقة، وخشي القادة، خصوصاً أن يستثمر النظام الأردني الفرصة فيبادر إلى تصفية حساباته بالقوة مع المقاومة. فتشكل الوفد على عجل وسافر أعضاؤه متعجلين وقف التردي مجازفين بمواجهة سخط الجمهور الفلسطيني عليهم، حتى أنهم في عجلتهم وارتباكهم لم يحملوا معهم حقائب سفر. وقد روى لي أبو إياد الذي لقيته فور عودة الوفد إلى عمان تفاصيل اللقاء مع عبد الناصر. كان الرئيس مستاءً من ضراوة الحملة التي استهدفته وشناعتها، فخالف عادته المألوفة في استقبال وفد يرأسه عرفات، فلم يظهر خارج حجرة مكتبه ليرحب به كما جرت عليه هذه العادة، بل رتب الاستقبال بحيث يدخل أعضاء الوفد الحجرة فيما هو جالس وراء مكتبه ولم يقف لتحية القادمين عليه إلا بعد أن اقتربوا منه. وفي هذا الجو المشحون بالاستياء، مدّ عبد الناصر للمصافحة يداً مسترخية، وجلس فور انتهاء المصافحات، ثم أخذ يعبث بأصابعه برزمة جرائد موضوعة أمامه، وتساءل : «إذن،. يا أبو عمار، عبد الناصر خائن ؟». وإزاء شدّة الاستنكار الذي ينطوي عليه السؤال، هتف عرفات : «خائن يا ريّس من يقول عنك إنك خائن». ولم يؤخذ بمحاولة التهدئة هذه، بل استلّ واحداً من أعداد الرزمة وعرضه على زواره وهو يقول: «إنها جريدتكم، جريدة، فتح، هي التي تقول هذا». وكان مانشيت عريض باللون الأحمر يتصدر عدد جريدة «فتح» واصفاً القبول بمبادرة روجرز بأنه خيانة. هذه المواجهة أربكت عرفات بالطبع. فراح الزعيم الفلسطيني المحرج والمثقل بأعباء المسئوليات يردد عبارات غير مكتملة فيما هو مشغول بالبحث عن عبارة ملائمة دون أن يهتدي إليها. وزادت حراجة الموقف، وبدا أعضاء الوفد كأنهم واقعون في مصيدة خانقة. وضافي الجمعاني هو الذي حرر الوفد من المصيدة. فهذا الرجل الذي يحتفظ بفطرة البداوة واجه عبد الناصر بنظرة مباشرة وهتف بغير مقدمات وغير استئذان : «نعم أخطأنا، وجئنا الآن لنستسمح ونطلب المعذرة، والكريم هو من عذر !». وما كان لشيء أن يثقب الدائرة البغيضة إلا صدق هذا الرجل. وما ان فرغ أبو إياد من روايته حتى استحضرتُ ما أعرفه من أريحية ضافي الجمعاني وشهامته فتوجهت لتوي إليه واقترحت عليه أن يستقبل الصحافيين المصريين. لم يكن أبو موسى من محبّي الأضواء، وقد تصورت أني محتاج لجهد كبير كي أقنعه باستقبال صحافيين. غير أن الرجل لم يحوجني إلى الإفاضة، فقد أدرك الوضع بسهولة وقدر دوافعي وأيدها وفاضت نخوته : «هؤلاء إخواننا وواجبهم علينا كبير». يومها، أصدر أبو موسى تعليماته لمعاونيه، فحجز هؤلاء مطعماً كبيراً، ودعا المصريين جميعهم إلى وليمة عشاء علنية، وخولني أن أدعو إليها من أشاء. وليمة العشاء شهدت واحداً من أصدق الحوارات العلنية التي جرت في ذلك الظرف. انفتحت القلوب على القلوب دون بغضاء فجرى حوار من أصرح الحوارات التي شهدتها في حياتي. وها أنا ذا أتذكر هيأة أحمد بهاء الدين المفتون بصدق مضيفه وبساطته وصراحته وهو يسأل السؤال الحساس: «هل تنوون حقاً إسقاط العرش الأردني ؟»، فأتذكر إجابة ضافي الموجزة: «لا». وقد انداح صدى هذه الـ «لا» في المكان الفسيح وبسط صمتاً مفاجئاً أحكمته مخالفة هذه الإجابة لما هو رائج بشأن موقف المقاومة الفلسطينية وسوريا كليهما. وبعد لائه البليغة، توجه أبو موسى إلى سائله : «ألا تحبّ أن تعرف لماذا لا نريد إسقاط العرش». فظهر التوق إلى المعرفة على وجوه الحاضرين جميعهم، ولابدّ من أنه كان بينهم من توقعوا أن يتلقوا شرحاً مستفيضاً. أما أبو موسى فقدم شرحه في جملة واحدة : «إن أسقطنا العرش فسنتهاوش عليه». وبالرغم من أن معظم المصريين لا يعرف لفظة نتهاوش البدوية العامية هذه، فقد كان المعنى جليّاً. ومع ذلك، تطوعت أنا بتقديم إيضاح: «أراد أبو موسى أن يقول إن الفصائل الفلسطينية ليست متفاهمة ولا موحدة إلى الدرجة التي تجيز لها باستلام السلطة. ولو أمكن حقاً إسقاط النظام الأردني فلن يلبث أن يتعارك مسقطوه فيما بينهم فتحلّ الفوضى». وقد أصغى أبو موسى إلى إيضاحي بادي الإعجاب به ثم هتف: «تمام، عداك العيب يا طيب !». في الجوّ المحموم الذي كان يعصف بعمان، شاعت حكاية اعتذار ضافي الجمعاني لعبد الناصر والوليمة التي أقامها بعد ذلك للصحافيين المصريين وما قاله فيها، فأججت سخط المزايدين على الرجل الطيب. ولأن الرجل كان عضواً في قيادة الحزب الذي يحكم سوريا، فقد ذهب الذين يستنبطون أشياء كبيرة من وقائع عادية إلى حدّ الزعم بأن سوريا موشكة على تبديل موقفها الرافض لمبادرة روجرز والانضمام إلى القابلين بها. كل هذا، دون أن يكون الجمعاني أقلّ تشدداً إزاء السياسة الأميركية من سواه أو تكفّ سوريا عن معارضتها أيّ دعوة إلى التسوية مع إسرائيل. وفي هذا الجو، انعقدت دورة المجلس الوطني الفلسطيني التي سميتها أنا الدورة المجنونة. كان مجمع النقابات المهنية في عمان يشغل المبنى الذي لا يزال يشغله الآن. وكان هذا المبنى ينتصب منفرداً وسط براري منطقة الشميساني التي لم تكن مأهولة. هنا، احتشد أعضاء المجلس الوطني، العاملون والمراقبون، وزعماء الحركة الوطنية الأردنية، والمراسلون الصحافيون، والضيوف الكثيرون، ومن يحفّون بهؤلاء جميعاً من حراس ومرافقين ومساعدين وفضوليين. اكتظ المبنى بالناس حتى صار من العسير أن يجد القادم المتأخر مكاناً يقف فيه، كما اكتظ بالضجيج حتى صار من الصعب أن يسمع متحدث صوت محاورة ما لم يلجأ كل منهما إلى الصياح. وعندما دعي الأعضاء إلى دخول قاعة الاجتماع، تزاحم المحتشدون على شغل مقاعد القاعة ووجد بعضهم مكاناً يقف فيه في ممراتها، وبقي كثيرون خارجها. وقفت وراء المقاعد. ومن موقفي، راقبت ما يجري في القاعة، وخصوصاً ما يجري على المنصة التي تتصدر الجهة المقابلة وبقيت على صلة بالمنتشرين خارجها. وقد تناوب على المنبر الراغبون في إفراغ ما يثقل على أجوافهم، فسال كلام كثير. وبدا لي أنني إزاء مباراة يتنافس فيها المزايدون دون ضوابط. دون كيشوتات أحصنتهم الرغبات والأوهام ورماحهم الجمل الطنانة. كان بإمكانه أيما أحد أن يتكلم، ضيفاً أو عضواً، مدعواً أو طارئاً. فقد تعذر على رئيس المجلس التمييز بين طالبي الكلام أو المبادرين إليه دون طلب لكثرة العدد. وكان بإمكان أي متكلم أن يقول أي كلام، في الموضوع الذي انعقدت الدورة لمناقشته أو في أي موضوع آخر. وأنا أتذكر واحداً من المتكلمين أدهشني وجوده بيننا قبل أن يدهشني كلامه. قُدّم هذا إلى الحاضرين بوصفه أميركياً يمثل حركة الفهود السود في الولايات المتحدة. وكانت هذه وقتها حركة ذائعة الصيت. فثار فضولي: ما الذي جاء بممثل هذه الحركة إلى اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني. لم يرد السؤال بغير سبب. فقد كنت أعرف أن الحركة التي تناضل من أجل حقوق الأميركيين الأفارقة تتجنب ما يثير ضدها سخط اليهود ولا يشغلها ما يشغل أيما عرب أو يوقع الخصومات بينهم. فتقصيت الأمر، فوقعت على الحكاية وسرّها. فقد التقى جماعة من إعلاميي «فتح» في بيروت جماعةً من السياح الأميركيين ذوي البشرة السوداء. فاغتنم الإعلاميون الفرصة وساوموا أفراد الجماعة: ندفع أكلاف إقامتكم في لبنان وننقلكم إلى عمان ونوفر لكم فيها إقامة طيبة، وكل هذا مقابل أن يلقي واحد منكم كلمة هناك، نكتبها نحن له. وكان الذي ألقى الكلمة جهير الصوت، طنان النبرة، كثير الحركة. ويبدو أن الرجل تصور نفسه في مشهد تمثيلي وأن تسليط أضواء المصورين عليه عزز تصوره، فملأ القاعة صخباً، وأجج الهياج العام بأشدّ مما فعل أي متكلم. ولم ينتبه إلا قليلون بعد ذلك إلى البيان الذي أصدرته حركة الفهود السود ونفت فيه أن يكون أي من أعضائها موجوداً في الشرق الأوسط لأي غرض كان.وفيما توالت الخطب على المنبر، نشطت الحوارات في الكواليس، وحاول المتعقلون التقليل من أذى الهياج العام. لكن، ما من أحد جرؤ على الجهر بمخاوفه. وكان أعضاء الوفد الذي التقى عبد الناصر في عداد هؤلاء. الشاذ الوحيد عن هذا الجوّ كان هو الزعيم الأردني سليمان النابلسي. جيء بالرجل الى الاجتماع بعد ممانعة منه، فجاء إليه مكرهاً وأخرج بعض ما في جوفه، فكان مختلفاً عن غيره. وها أنا ذا أتذكر الملابسات: اتخذ أبو فارس، وهذه هي كنية الرجل الكبير، موقفاً ثابتاً في تأييد المقاومة الفلسطينية وساند حقها في التواجد في الأردن ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي انطلاقاً من أرضه. غير أن الرجل لم يخف ضيقه بالتجاوزات ولم يقصر في التحذير من مخاطرها. وكان أشد ما ضاق به زعيم الحركة الوطنية الأردنية هو محاولة المقاومة جعل هذه الحركة تابعة لها. وقد بلغ ضيق الرجل ذروته حين انفجر الهياج ضد عبد الناصر وأظهر معارضته الساخرة للحملة التي استهدفت الزعيم العربي الكبير. وعندما تلقى أبو فارس الدعوة لحضور دورة المجلس الوطني ضيفاً كبير الشأن، تردد في قبولها. وهو الذي قال لي إنه خشي أن يعدّ حضوره تأييداً للهجوم على عبد الناصر فآثر الابتعاد. وعندما افتتحت الدورة، افتقد كثيرون حضور الرجل. ولتدارك الأمر، توجه وفد من قيادة المقاومة إلى منزل النابلسي وهاتفه عرفات مدعّماً مهمة الوفد وراجياً إياه أن يحضر. استجاب النابلسي للرجاء وجاء مع الوفد إلى الاجتماع ثم تحامل على نفسه ووقف على المنبر. وفي كلمته ظل الرجل صريحاً وجهر بموقفه بتمامه. وتحتفظ ذاكرتي بطرفة رواها أبو فارس في معرض انتقاده لاستهانة المقاومة بالحركة الوطنية الأردنية. قال الرجل إنه كان عائداً ذات مساء إلى منزله بعد سهرة في الجوار ففوجئ بأن جماعة فلسطينية مسلحة أقامت حاجزاً قريباً من المنزل. وعندما جاء الأمر المألوف : «قف، من أنت ؟»، ظن صاحب الاسم الشهير أن ذكر اسمه سيفتح له الطريق مع الترحيب، فجهر بالاسم إلاّ أن الطريق لم ينفتح، بل جاء أمرٌ جديد بنبرة منذرة: «انبطح». وعزّ على الزعيم أن ينبطح فصرخ بنبرة المستاء : «ولك، أنا أبو طز !» ولدهشة الرجل، فتحت «أبو طز» هذه الطريق. وكان مغزى الطرفة سافراً لمن يعرف الوضع: فأبو أي شيء حتى وهو أبو طز، أي أي منتسب إلى المقاومة أهم عند ناسها من سليمان النابلسي.لاحظ أن هذا وقع قبل أيام من حلول سبتمبر 1970. وتصور، إذن، كم كان التباين صارخاً بين القول وبين واقع الحال ! مثابرتنا على مواجهة الشطط في التعامل مع الصحافيين المصريين أفلحت في اجتذاب الانتباه إلى مخاطر الخصومة مع مصر. وقد نجحنا في اكتساب تأييد عدد آخر من القادة لإجراء حوار مع هؤلاء، فلم يبق أبو موسى وحيداً في هذا المجال . وقد انتظمت بعد انقضاض دورة المجلس مائدة حوار مفتوح مع الصحافيين المصريين. وانضم إلى الندوة عدد من المفكرين والمسئولين الفلسطينيين. وفي الحوار، تعرض المصريون لاستفزازات كثيرة، لكنهم صبروا، وكنت أنا أحثهم على الصبر. وقد كررت أمام الأصدقاء ما سمعته مراراً من خالد بكداش: «الفلسطيني ابن شعب مظلوم وعلينا أن نعينه في أي ظرف ولا يجوز أن نقاطعه بسبب أخطائه أو نكف عن تقديم العون له. خطأ المظلوم يعامل بالسعي المثابر لتصحيحه، وليس بالعقوبات». في الحوار، برز أحمد بهاء الدين. انطلق المشهور له بالحكمة والتعقل من حبّه الثابت للفلسطينيين وصدقه في التعامل معهم وحرصه على أن تستقيم ممارساتهم وتصير أكثر نجاعة، وواجه المزايدات بأناة وتبصر، وكسب أتمّ الاحترام. أما فرسان الجمل الثورية فكان منهم كثيرون، وقد ملأوا القاعة بصخب لا غناء فيه. أتذكر من المتحدثين واحداً كان من نجوم العمل الفلسطيني هو الخليلي المقيم في عمان عبد الخالق يغمور وهو واحد من مؤسسي م. ت. ف. شغل عبد الخالق منصب أمين سر اللجنة التنفيذية في عهد رئاسة الشقيري للمنظمة، وبقي طيلة حياته المديدة رافضاً لأي حل للقضية الفلسطينية إلا أن يكون الحل الذي يفضي إلى تحرير فلسطين بكاملها وإزالة دولة اسرائيل وإعادة اليهود غير الفلسطينيين إلى البلاد التي وفدوا منها. وفي موقفه هذا، انطلق الرجل من مقولات ثابتة لا تزعزعها في ذهنه أي تبدلات: جاء اليهود بمعظمهم إلى البلاد غزاة في حماية الاحتلال البريطاني لها، اغتصبوا أرض الشعب الفلسطيني وممتلكات ناسه وحقوقه وواصلوا العدوان والتوسع وأبوا أن يقرّوا لأهل البلاد بأي حقوق، ولا حل إلا بإعادتهم من حيث جاءوا. وكان الرجل كما ينبغي أن يقال صادقاً في إيمانه بهذه المقولات، لم يزعزع إيمانه أيّ كلام عن الواقعية وموازين القوى وتشابك العلاقات الإقليمية والدولية. وفي الحوار، وقف عبد الخالق ليدحض ما عرضه أحمد بهاء الدين المؤيد لحل يستند إلى الشرعية الدولية وما عرضه فلسطينيون يدعون إلى قيام دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين يعيش العرب واليهود فيها بحقوق متساوية : «تريدون أن أقبل دولة واحدة وأعيش مع اليهود فيطيل ابني شعره ويصير له شاليش وتلبس ابنتي البنطلون القصير، هذا رابع المستحيلات». ختم الرجل مداخلته في هذا النحو، ثم غادر المنصة ساخطاً على الذين يدفعون الأمور في هذا الاتجاه. وقد ملت ناحية أحمد بهاء الدين حين عانيت أساه إزاء ما سمعه، واجتذبت انتباهه إلى صعوبة إقناع الفلسطينيين بما يعرضه. فهز أحمد رأسه هزّات متأنية دون أن يقلّ أساه. قلت لك إني سميت دورة المجلس، هذه، الدورة المجنونة، ولعلك اقتنعت بأني لم أبالغ. بعد عاصفة الدورة، جاءت العواصف الأشد. تصور عبد الناصر أن الشروح التي تبسط في عرضها كافية لجعل دوافعه إلى قبول مبادرة روجرز مفهومة، وتوقع أن يعمد قادة المقاومة إلى إطفاء الهياج. وقد ساء الرجل المثقل بالمسئوليات الكبار أن يبقى الهياج وأن يشار إليه هو في بيان المجلس الوطني بما يشكك فيه ويضعه في منزلة عملاء الأمبريالية. ولم يكن للجانب الأردني العازم على حسم ازدواجية السلطة في البلاد أن يجد جواً أنسب له من جو القطيعة بين «م. ت. ف.» ومصر ليصفّي حساباته المتراكمة مع المقاومة. بلغ الطين درجة من البلل أحالته وحولاً يغوص فيها الناس حتى الأنوف. ثم لم يلبث أن أقدمت الجبهة الشعبية على الفعلة التي زادت هذا الطين بللاً فطمرت وحوله الرؤوس. اختطفت الجبهة ثلاث طائرات ركاب جامبوجويت أميركية دفعة واحدة وجاءت بها وبركابها إلى مطار المفرق العسكري الأردني، دون غيره، ثم فجرت الطائرات على أرض المطار في استعراض للحماقة لا مثيل له، واحتجزت الركاب في فندق في عمان، ودعت الصحافيين للتفرج عليهم وعلى رعبهم. إزاء هذه الفعلة يجدر أن أتوقف لأجلو لك مغزى إشارات سبق أن وردت في حديثي هذا إليك. فقد مارست جهات فلسطينية أخرى أعمال خطف الطائرات في وقت أبكر. وكانت الذريعة التي تُعلن هي هذه التي صرت تعرفها: العالم مؤيد للصهيونية، منحاز لإسرائيل، غير مكترث بمأساة الشعب الفلسطيني، فمن حق الفلسطينيين، إذن، أن يأتوا أي فعل يجتذب الانتباه إلى هذه المأساة ويرغم الغافلين على الاهتمام بمطالبهم. ويبقى بعد هذا أن كل عملية خطف كانت لها دوافع تتعلق بالظرف الذي جرت فيه، وأن التنافس بين الفصائل على اجتذاب الأضواء فعل فعله. وقد انضاف إلى هذا كله دوافع دول عربية بعينها فجعل هذه الدول تؤيد عملية أو تشجع أخرى. عملية الخطف الأولى، هذه التي سبقت الإشارة إليها عندما رويت لك حكاية الصحافي المصري سعد زغلول فؤاد، استهدفت طائرة ركاب مملوكة لشركة العال الإسرائيلية التي تملكها حكومة إسرائيل. في هذه العملية، امتزج دافع مصري مع الدوافع الفلسطينية وتجلى في هذا المزيج أوجع ما في ظروف الهزيمة التي تعرض لها العرب في حرب يونيو 1967. كانت جبهة التحرير الفلسطينية، وزعيمها أحمد جبريل، متحدة آنذاك مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان الذين أعلنوا وحدتهم بحاجة إلى الأضواء وإلى ما يظهر تميزهم. أما مصر فكانت قد ضاقت بالانتقادات المثابرة التي يوجهها إليها الرئيس الجزائري هواري بومدين. فهذا الرئيس، وهو من قادة جيش التحرير الجزائري في حرب استقلال بلده، تشدد في انتقاد قبول مصر لوقف إطلاق النار كما تشدد في انتقاد قبولها القرار 242 بعد ذلك. رأى بومدين أن مصر وسوريا كانتا قادرتين على مواصلة القتال حتى لو أدى الأمر إلى احتلال القوات الإسرائيلية حلب في شمال سوريا وأسوان في جنوب مصر. آمن الرجل بمقولة نقطة الزيت هذه التي تضعف كلما تمددت، واعتقد أن تمدد قوات إسرائيل على بقاع عربية أوسع سوف يضعفها فيسهل القضاء عليها. وراح الرئيس الجزائري يحرض على استئناف القتال ويأخذ على مصر بالذات ميلها إلى القبول بالتسوية السياسية ويحرجها. من هنا، التقت رغبة مصر في إطفاء المزايدة الجزائرية مع الرغبة الفلسطينية في إعلاء الصوت، وتم تنظيم خطف الطائرة الإسرائيلية بالتعاون بين الجانبين، وجيء بها وبركابها الذين كان بينهم موظفون اسرائيليون حكوميون إلى مطار الجزائر. وكان الهدف سافراً: إحراج الجزائريين. والحقيقة أن صوت الانتقاد الجزائري خفت بعد ذلك. فقد اضطر الرئيس بومدين إلى السماح بعودة الطائرة وركابها سالمين إلى إسرائيل، واستوعب الدرس، وتواضع. أما أحمد جبريل الذي نسبت العملية كلها، بالطبع، إلى جهده وحنكته فقد وجد وسط حمى المزايدات الفلسطينية ما يتباهى به. وفي عملية الجامبو جيت الثلاث، هذه التي وقعت بعد انفكاك وحدة جبهة التحرير الفلسطينية والجبهة الشعبية، انضافت دوافع عديدة إلى الدافع الثابت. وقد شاءت الجبهة الشعبية أن تظهر عجز السلطات الأردنية فتسوغ العمل على استبدالها، كما شاءت أن تفاقم التأزم القائم لتحمل المترددين على الانغماس في العمل لإسقاط النظام. وفي العلن، أرادت الجبهة أن تظهر ما تؤمن به، وهو أن الأمبريالية الأميركية نمر من ورق. وأياً ما كان عليه الأمر، فقد عكست العملية حالة الجنون العام السائدة وفاقتها، ولم يحسب الخاطفون حساب النتائج الأخرى؛ أليست الامبريالية مجرد نمر من ورق، فأي أذى يمكن لنمر ورقي أو لأتباعه ان يلحقوه بثوار مقدامين ! وكان من الطريف أن الرهائن جمعوا في بهو الفندق وأرغموا على الاستماع إلى شروح طويلة تظهر عدالة المطالب الفلسطينية وحق الفلسطينيين في التمتع بالحرية وتحثهم على تأييدها. وقد استمع الرهائن إلى هذه الشروح وهم محاطون ببنادق الخاطفين. وكان د. جورج حبش هو من قدّم هذه الشروح. وقد بسط حكيم الجبهة شروحه بتأن واستفاضة. تبعت الخطف الأحداثُ المروعة الأخرى التي لم يتسن لي للأسف أن أكون من شهودها في مركزها. فبعد مشهد الفندق الذي وصفته لك، غادرت عمان ساخطاً وقرفاً، ورجعت إلى دمشق، وفيها تابعت التطورات. انضاف السخط العالمي على الفلسطينيين الذي توجب أن يدفعوا جميعهم ثمن جريمة ارتكبها نفر منهم إلى استياء عبد الناصر ومؤيدي مبادرة روجرز، فتوفر عامل إضافي قوّى عزم السلطة الأردنية على تصفية الحسابات المتراكمة. والإنذار ذو الدلالة الحاسمة في هذا المجال جاء حين أقيلت الحكومة القائمة وتشكلت في الأردن حكومة طارئة رئيسها وأعضاؤها عسكريون. وقد التقطت مغزى الإنذار كما التقطه غيري، فتعجلت الفراغ من تحضير عدد «الطلائع» للطبع حتى أتمكن من السفر إلى عمان. إلا أن الوضع انفجر بأعجل حتى من عجلتي. وفي المساء الذي سبق اندلاع القتال في عمان، وصل كمال ناصر إلى دمشق قادماً من عمان . كان هذا الشاعر المسكون دوماً بهواجس متجددة قد بتّ صلته التنظيمية مع حزب البعث دون أن تنبت صلته بالفكر الذي نشأ عليه، وصار كمال واحداً من قادة م. ت. ف. المشهورين مثلما صار قريباً من «فتح» لصيق الصلة بزعيمها ياسر عرفات. وكعادته كلما جاء إلى دمشق، حل كمال في فندق قاسيون الذي يشغل الطوابق العليا في المبنى الذي تشغل جريدة «البعث» طابقه الأول، فخففت إلى لقائه. كان من الغريب بالنسبة لمن لا يعرفون كمال أن يبرح، وهو القائد، موقعه ويبتعد عن مركز الأحداث المداهمة، وهذا هو ما بدأنا الحديث به. ولم أر صديقي مضطرباً في أي وقت ومستثاراً وحائراً مثلما رأيته في ذلك المساء. يقيناً أن الرجل لم يكن أبداً من الهادئين، إلا أن اضطرابه بلغ في ذلك الوقت حداً أخافني أنا الذي أعرفه أتم معرفة. وقد استشعر هو هواجسي، لكنه، وهو المستغرق في هواجسه، لم يرحمني : «أعرفك، أنت واليساريين أصحابك، دعاة الثبات في المعامع الخطيرة، لا بدّ من أنكم تتهمونني بالجبن، لكن اسمع !». ولم أكن أتهم صاحبي بأي شيء، لكني سمعت. كرر كمال ما يعرفه كلانا عن المزايدات والفوضى والاستهتار والافتقار إلى استعداد حقيقي لمجابهة المخاطر المحدقة، عن الخلافات والمشاحنات بين الفصائل، عن غياب التقدير الصحيح لقوة النظام الأردني. واستحضر الشاعر ما ألف أن يردده : «الثورة يصنعها المجانين»، وأضاف: «نعم ، قلت هذا ولا أزال أقوله، لكن على أساس أن يوجهها العقلاء». ثم فاض الأسى: «الآن، لم يبق أحد عاقلاً».