أوعز شارون إلى المستشار القضائي للحكومة، فتح تحقيق ضد نشطاء «كتلة السلام» الذين أبلغوا 15 ضابطاً في الجيش الإسرائيلي، عبر «رسائل التحذير» بأنهم يجمعون أدلة تدينهم، بارتكاب جرائم حرب بهدف تقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية. في شوارع المدن ترتفع لافتات تقتبس دعوة النائب كلاينر إلى قتل ألف فلسطيني مقابل كل قتيل يهودي (هذا يعني قتل أكثر من 600 ألف حسب آخر المعطيات). ويتجاوز شارون هذا الدعم الذي تحظى به الدعوة إلى الابادة الجماعية. بحد ذاتها، تعتبر مسألة إرسال الرسائل استفزازًا صبيانيًا، لأسباب ثلاثة: لا يوجد أي مفعول قانوني لهذه الخطوة، جوهر المشكلة لا يكمن في العمليات المنفردة للقيادة الميدانية. فهذه الأدلة، ومهما كانت قاسية، لا تتفق مع المعايير القضائية للمحكمة الدولية لجرائم الحرب. إن نشطاء «كتلة السلام» لا يفهمون أنهم يقومون عبر استفزازاتهم الفارغة بتوفير ذرائع للمتعصبين في اليمين كي يمزقوا نهائياً شبكة الحماية الديمقراطية. إن أحد المآزق الأخلاقية البالغة الصعوبة، التي نواجهها، هو المأزق الذي يضع الاخلاص للشعب والدولة مقابل الاخلاص للقيم الدولية والتضامن البشري. وفيما يتعلق بإسرائيل، فإن مأزق «هذه بلادي سواء كانت صالحة أو شائبة» يعتبر مأزقاً صارمًا بشكل خاص. وهذا هو السبب الذي يحتم التوجه إلى المحكمة الدولية فقط من خلال الاقرار بأن الحواجز الأخرى تتفكك أمام قوى الشر الصاعدة في إسرائيل، القوى التي تتحرك بدوافع قيم ومفاهيم يمكنها تحويل دولة اليهود إلى دولة مظلمة للأغيار وكارثة لنفسها وللمنطقة. هل هذا هو الوضع حقا؟ إن الاختبار المناسب هو البحث عما إذا كانت هناك دلائل تشير إلى أن وجهة حكومة شارون، ومكملي طريقها المتوقعين، هي ليست كوجهة حركة «زو أرتسينو» (هذه بلادنا). إذا كانت هناك دلائل كهذه، فمن المناسب حتى في هذه الفترة، تركيز الكفاح على أمل إحراز التغيير من الداخل. في واقعنا، يشير فحص الوضع القومي إلى التأثير الكبير لـ «اليمين العميق» على جدول الأعمال القومي: معاقبة الشعب الفلسطيني بسبب العنف من خلال منحه أقل ما يمكن من الحرية والكرامة والغذاء، وتحدث شارون عن «حرب ثقافات» مقابل مئات ملايين المسلمين، وغير ذلك الكثير من المساوئ ، وهذا كله يحتم الاستنتاج بأن السياسة الحكومية طويلة الأمد، ليست إلا تطبيقا، بطيئا وبفوارق هامشية، لأفكار «زو ارتسينو». «مجلس حاخامي المستوطنات الإسرائيلية» يدعو إلى قصف «الفلسطينيين الذين يرقصون على الدماء» جواً. الكاهانيون يلوحون عبر الانترنت بالابادة الجماعية باسم «الاخلاق اليهودية»، ويرفع اليمين المتطرف صرخة «إما الترانسفير وإما النووي». رواد اليمين يشقون الطريق نحو الضياع ولا من يمنعهم من ذلك، لا القانون ولا الحكومة. هناك في الجهاز الدولي محرضون على الجرائم يستحقون تقديمهم إلى المحكمة الدولية أكثر منهم، ولكنهم ليسوا كثر. من يدعو إلى الاكتفاء بالنضال السياسي المفتوح والشرعي يتخوف كما يبدو، من مواجهة إرتقاء التعصب على مختلف اطيافه. وأكثر من ذلك، من يعارض تقديم تقارير إلى المحكمة الدولية حول ما يحاك من فظائع يعتبر شريكا للمتآمرين على ارتكاب جرائم الحرب. متى تفهم الأقلية غير المستعدة لأن تكون شريكة في فقدان الطريق القومي أن المحكمة الدولية هي كما يبدو، ملاذهم الأخير. إنهم أولئك الذين لم يفقدوا تماماً أملهم بأن نكون شعبًا متحرراً من التعصب في بلادنا. عن « يديعوت أحرونوت»