بدأ الدولار، الذي عانى من تراجع في فترات كثيرة من العام الحالي، رحلة العودة الى استعادة هيبته في الاسواق العالمية، لكن بخطى غير ثابتة مستغلاً جاذبيته ومكانته كطوق نجاة في أوقات الازمات. وعلى الرغم من ان المحللين يقولون ان خطر حدوث ركود جديد في الولايات المتحدة الاميركية آخذ في التنامي، فإن المخاطر المالية والسياسية المحتمل حدوثها خارج اميركا هي الاخرى آخذة في التنامي بشكل اسرع. هذا الوضع اعطى المستثمرين الاميركيين العصبيين كعادتهم، احساساً بالطمأنينة بعض الشيء تجاه امكانية تعرضهم لهزات تفضح وتؤثر سلبياً على وضعهم في الاسواق العالمية. ونتيجة لذلك فإن العملة الاميركية التي فقدت 15% من قيمتها امام اليورو منذ يناير الى منتصف يوليو، عادت مرة اخرى واستعادت حوالي 5% من قيمتها وسجلت ارتفاعاً طيباً مؤخراً في الوقت الذي ارتفعت فيه الاسهم الاميركية بشدة. يقول نيل مكينون، احد كبار علماء الاقتصاد في مجموعة اي سي يو لادارة وتسوية الديون التي تتخذ من لندن مقراً لها: «يتمتع الدولار في الوقت الحالي بحالة من الاستقرار، وهناك درجة كبيرة من الابتعاد عن المخاطرة في السوق». وفي الوقت نفسه، ارتفعت تقديرات وتوقعات حدوث مخاطر مالية في العالم الى مستويات لم تصل اليها منذ احداث سبتمبر او حتى عام 1998 عندما تفجرت الأزمة المالية في آسيا. ففي الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد البرازيلي ويتزايد فيه قلق المحللين من امكانية وصول الدولة الى مرحلة التوقف عن سداد الديون، رفع المقرضون «قيمة المخاطرة» على سندات الاسواق الناشئة الاخرى. وعلى نحو مماثل، يعاني المقترضون من تزايد تكلفة الدين فيما تشدد البنوك اجراءات التسليف بسبب تزايد حالات الافلاس وعدم المقدرة على سداد الديون. وفي الوقت نفسه استمرت اسواق البورصة العالمية في معدلات تأرجحها بين المكسب والخسارة، حيث سجل مؤشر داو جونز ارتفاعاً بلغ 2.87 في المئة يوم الثلاثاء الماضي، في الوقت الذي سجلت فيها المؤشرات الرئيسية في اوروبا ارتفاعاً بلغ 7 في المئة بعد ان كانت المؤشرات نفسها تعاني من خسائر حادة في اليوم السابق مباشرة. واخيراً هناك تزايد في نبرة الحديث عن العراق، حيث يتضح ان العملة الاميركية بشكل عام تحقق مكاسب اثناء اوقات الازمات السياسية. ويحذر المحللون من ان عودة الدولار للتقدم يمكن ان تقابل بالفشل اذا نجحت البرازيل في تجنب فشلها في سداد دينها او توقف التوتر بشأن العراق وتشير معظم التقديرات ان العملة الاميركية لا تزال عالية القيمة على الرغم من تدهور قيمتها في النصف الاول من العام. في هذه الحالة ربما تحول اسواق العملة تركيزها الى العوامل التي اثرت سلباً على قيمة الدولار في اوائل هذا العام، وهي المخاوف المتعلقة بقوة الاقتصاد الاميركي وتضخم نسبة العجز في الميزانية تلك المخاوف زادت في الايام الاخيرة بعد ظهور تقارير تفيد بأن الاقتصاد الاميركي في موقف حرج بين الانتعاش البطيء ولكن المنتظم من جهة والانكماش والركود من جهة اخرى. ولكن هذا لا يعني ان الدولار سيضعف بسرعة فالاقتصاد الاوروبي هو الآخر يعطي مؤشرات بالتراجع وهو الامر الذي يتضح على سبيل المثال في ظهور تقارير تفيد بضعف نسب التوظيف وارتفاع نسب البطالة، وعلى الوجه الآخر تعتمد آسيا بشكل كبير في صادراتها على الولايات المتحدة. وتنأى اسواق العملة عادة بأنفسها عن منطقة الثوابت الاقتصادية، ففي معظم فترات التسعينيات على سبيل المثال كان الدولار اقل من قيمته مما هو عليه الوضع الآن ولكن الاقتصاد الاميركي ايضاً اقوى بكثير مما هو عليه الوضع الآن لا سيما عند مقارنته بالاقتصاد الاوروبي. يقول المحلل الاقتصادي ستيفن جين ان الركود يمكن ان يساعد الدولار لانه سيدفع عدداً اكبر من المستثمرين الى الملاذ الذي تمثله الخزانة الاميركية. ويؤكد محللون آخرون ان تدفقات رؤوس الاموال التي تدخل اميركا حالياً والتي ساعدت على عودة الدولار الى استعادة بعض من قوته سببها ابتعاد المستثمرين الاميركيين عن الاوضاع في الخارج وليس سببها تفاؤل متجدد من هؤلاء المستثمرين تجاه الاقتصاد الاميركي. وهذا يعني ان انتعاش الدولار يمكن ان يكون قصير العمر. عن« هيرالد تربيون»