في نظر العالم الخارجي، يتأقلم الاميركيون من أصل عربي في أميركا بشكل جيد مع الاجواء الأمنية التي تكفل لهم الحماية بموجب القانون ويتعاونون مع أصحاب اللقاءات الاعلامية ويفتخرون بعرض ورفع أعلامهم الاميركية. ولكن في الداخل على حد قول دون أونيس وهو مواطن أميركي من أصل لبناني: يتملك الناس القلق والتوتر والغضب المتزايد لما يشعرون به بأنه حرب داخلية وخارجية على العرب والمسلمين.فقد تم استدعاء أقاربهم للتحقيق معهم، وتم اعتقال اخوانهم في السجون الاميركية بسبب شكوك انتمائهم لمنظمات ارهابية، في الوقت الذي لم تنطق الحكومة الاميركية ببنت شفة عن الجرائم التي يتهم بها بعض هؤلاء. وهناك احساس وشعور سائد ومنتشر بأن قلة فقط من الاميركيين يتفهمون ـ أو يعنيهم ـ الموقف الذي يمر به هؤلاء من أصل عربي أو مسلم. وجاءت تعليقات تفوه بها عضو في اللجنة الأميركية للحقوق المدنية في 19 يوليو الماضي ـ ورفضها كل اعضاء اللجنة ـ لتكون بمثابة الصدمة المرعبة لهؤلاء، حيث ألمح هذا العضو لامكانية العمل على اقامة معسكرات اعتقال يوضع بها الاميركيون من أصل عربي إذا حدثت هجمة أخرى على الأراضي الاميركية. يقول أونيس الذي يبلغ من العمر 63 عاماً وولد في الولايات المتحدة الاميركية وحارب والده مع اميركا في الحرب العالمية بعد ان هاجر من لبنان عام 1917: «انهم يموتون خوفاً، فهم يغنون الأغنية التي تود السلطات سماعها، ولكنهم يرتعدون خوفاً.. فنحن لا نزال لا نملك صوتاً كبيراً في أميركا». وتعتبر منطقة ديترويت اكبر المناطق التي تحتوي على أشخاص من أصل عربي في أميركا، كما تعد ضاحية ديربورن التي تقع داخل ديترويت مركز هذا التجمع العربي، حيث تنتشر المطاعم والمدارس والمساجد وتقدم خدماتها لعائلات مثل عائلة أونيس التي لها أصول ضاربة الجذور في هذه الدولة. ولكن منذ أحداث سبتمبر الماضي لم يعد هذا المكان بمثابة مأوى للأميركيين العرب، فقد انتشرت عمليات التحرش بشكل دوري ومنتظم بهؤلاء المواطنين الذين أصبح يتملكهم خوف متواصل من التعرض لأذى جسدي والرعب من امكانية اعتقالهم بسبب تحريات مرتبطة بالحرب ضد الارهاب. يقول فريد بيرسون وهو عالم سياسي في جامعة ولاية واين ويدير مركز دراسات الحرب والسلام التابع للجامعة: «يبقى مجتمع الأميركيين من أصل عربي على حالة من الترقب والقلق كلما وجدت أزمة في البلاد، فمثلهم مثل الأميركيين من أصل افريقي، فإن هؤلاء يعدون أقلية معروفة يمكن تمييزها. وتحدث يومياً لكل أنواع المقابلات التي تذكرك بوضعك ضمن الأقلية. ويصر الرئيس الاميركي جورج بوش ووزير العدل جون أشكروفت على ان اجراءات مكافحة الارهاب ضرورية لحماية الولايات المتحدة في الوقت الذي يكون فيه التهديد بشن هجمات اضافية أمر واقع وحقيقي للغاية. وقال أشكروفت ان هناك جلسات استماع سرية وقيود أخرى على المعلومات التي تذاع للجماهير بشكل طبيعي يتم اللجوء اليها لاخفاء المعلومات عن الارهابيين وحماية خصوصية المعتقلين. وتقول وزارة العدل انها لا تتورط في عمليات عرقية أو متعلقة بجنس وأصل الاشخاص وان حربها ضد الارهاب وليس ضد المسلمين. لكن هذه الأقوال والتصريحات لم يكن لها صدى ايجابي لدى عدد كبير من الاميركيين من أصل عربي، حيث يواصل هؤلاء ومنهم المقيمون في لوس انجلوس وشيكاغو انتقاد تلك البرامج مثل المقابلات التي أجراها مكتب التحقيقات الفيدرالي مع 5 آلاف رجل والتي تركزت على أشخاص من الدول العربية. وفي سياتل يشتكي الاميركيون العرب من انهم يتم الابلاغ عنهم بسبب اشياء مثل التقاط صور لطائرات بوينج اثناء تجوالهم بالقارب في رحلات ترفيهية أو دخول مركز تسوق ثم الخروج من دون شراء أي شيء. تقول ريتا زوايدة مؤسسة تحالف جالية الاميركيين العرب في سياتل: «بعض الناس يفضل عدم الذهاب الى المحكمة حتى في قضايا مرورية لأنهم يشعرون انهم سيكونون متهمين بشكل اتوماتيكي ويفضلون دفع الغرامة بدلاً من الذهاب الى المحكمة». وتضيف زوايدة، وهي مواطنة اميركية من أصل اردني وتملك وكالة سفر وسياحة في سياتل: «يتم تتبع السيدات في سياراتهن بسبب ارتداء الحجاب، وحدث ان احدى السيدات فقدت التأمين الصحي الخاص بها حيث قالت لها شركة التأمين: «نحن لا نتعامل مع مهاجرين، في الواقع اننا لا نعرف الحقوق التي نملكها كمواطنين أميركيين». لقد اضطرت الجالية العربية في أميركا على التجاوب سياسياً، فخلال العقدين الماضيين، تطور الوجود العربي الى الدرجة التي يمكن فيها للعرب ان يقوموا بتعبئة سريعة ويتوافقوا مع مجموعات لها حقوق أكثر استقراراً على حد قول رون ستوكتون الذي يدير مركز الدراسات العربية الاميركية في جامعة ميتشيجان في ديربورن. يضيف ستوكتون: «المجتمع الاميركي العربي أكثر تنظيماً بشكل كبير مما كان عليه الوضع في السابق». وبدأ الاميركيون العرب الذين يقدر عددهم بحوالي ثلاثة ملايين مواطن باكتساب نفوذ على المستوى السياسي لاسيما في الانتخابات المحلية وانتخابات الولايات فقد وقف هؤلاء بقوة مع جورج بوش الابن في انتخابات عام 2000 عندما كان حاكم تكساس بعد ان عارض بشدة قانون عام 1996 يسمح باستخدام ادلة سرية في اجراءات الترحيل وبعض هؤلاء يتمنى الآن ان لو يقدر ان يسحب دعمه هذا. يقول اسامة سبلاني رئيس اللجنة العربية الاميركية للعمل السياسي «الآن نحن نندم على اعطاء اصواتنا لجورج بوش» يذكر ان تلك اللجنة هي التي ساهمت في فوز بوش عام 2000 والتغلب على المرشح الديمقراطي آل جور عن طريق اعطائه اصوات عدد كبير من الاحياء التي يقطنها اميركيون عرب. ويقول سبلاني: «قال ان ادارته ستكون ادارة متعاطفة ولكننا الآن نرى ادارة متغطرسة تماما تضر سياستها الخارجية المنحازة بأراضينا ونحن لم نر شيئا غير معلومات سرية تستخدم ضد اهلنا هنا» يذكر ان سبلاني الذي ينتمي الى الحزب الجمهوري تقابل مع بوش ثلاث مرات اثناء الحملة. ولقد أدت تعليقات ادلى بها احد الذين عينهم بوش في اللجنة الاميركية للحقوق المدنية الى اشعال الموقف. فقد قال عضو اللجنة بيتر كيرسانو في اجتماع للجنة عقد في ديترويت: «اذا حدثت هجمة ارهابية اخرى وكانت صادرة عن جماعة عنصرية معينة ينتمي اليها ارهابيون، يمكنكم نسيان الحقوق المدنية في هذا البلد». واضاف كيرسانو وهو محام من كليفلاند، بعد ذلك ان هجمة اخرى يمكن ان تؤدي الى انشاء معسكرات اعتقال مثل تلك التي بنيت لاحتواء الاميركيين من اصل ياباني في الحرب العالمية الثانية، ويقول: «لن يكون هناك اناس كثيرون للغاية ممن سوف يغضبون اذا حدث المزيد من الاعتقالات والتحقيقات والايقافات وسوف يكون هناك قدر كبير من الرأي العام الذي يناصر التخلي عن الحقوق المدنية».وطالبت مجموعات للحقوق المدنية وعضو مجلس الشيوخ ديبورا آن ستابينو باقالة كيرسانو من اللجنة ومنذ ذلك الطلب يقول كيرسانو انه لم يكن يعبر عن آرائه الخاصة ولكن عن آراء الآخرين الذين يخافون على امنهم الشخصي وقالت ادارة بوش انه ليس هناك اي تفكير في اقامة معسكرات اعتقال. ولكن الضرر وقع بالفعل على المستوى المحلي على حد قول عماد حمد، المدير الاقليمي للجنة الاميركية العربية لمناهضة التمييز العنصري. يقول حمد: «الاوضاع جعلت الناس اكثر خوفا واقل تعاونا فالناس مصابة بالهلع ولذلك لايتعاونون». منذ قرن مضى اخذت اعداد من المهاجرين من الشرق الاوسط يتوافدون الى هذه الضاحية الواقعة جنوب غربي ديترويت مدفوعين بالامل في الحصول على وظائف في صناعة السيارات في البداية ثم للهرب من الصراعات الموجودة في بلادهم بعد ذلك واصبح يتواجد في المنطقة لبنانيون ويمنيون وسوريون وفلسطينيون ومصريون وعدد متزايد من العراقيين. ويقول العمدة مايكل جويدو ان لديه امكانية اتصال مفتوح مع الزعماء العرب ولكن الحكومة عليها ان تقوم بوظيفتها الرئيسية في حماية المواطنين. يقول جويدو: «هناك خط رفيع يفصل بين السلامة والتصحيح السياسي، احيانا تكون هناك حساسية بالغة فيما يتعلق بالتحديات الشخصية وكلنا نتعلم ماهو الطريق الصحيح للقيام بالاشياء. ولكن الكثيرين يقولون ان السياسات الحالية المتخذة ضد الارهاب كلها خاطئة فالشهر الماضي قام تحالف يتكون من 50 منظمة حقوق مدنية بمطالبة الحكومة بانهاء السياسات التي يتم من خلالها «الشك في جميع الجاليات العرقية والدينية». يقول عابد حمود احد الاشخاص الذين جاءوا الى اميركا من لبنان: «يحدث وان توجه تهمة الارهاب الى اي عربي بمجرد ان يحدث له حادثة سيارة، اي مخالفة بسيطة لاجراءات الهجرة تعرض الشخص للاتهام بالانتماء الى القاعدة نريد ان تقوم حكومتنا بمحاربة الارهاب وليس محاربة الاميركيين العرب، لقد اصبحت الحكومة في مرحلة من الرعب جعلتها تتخذ الطريق السهل في كل شيء. وقد كان حمود مرشحا لمنصب عمدة دير بورن الخريف الماضي، ويعمل مساعدا للمدعي العام في واين ويقضي معظم أوقاته في محاولة ادانة تجار المخدرات والمجرمين ويقول انه يريد ان يرى التهم توجه الى كل من يتم ثبوت تورطه في جريمة. ويضيف حمود: «ان الامر يخيفني انا شخصيا فعندما اقوم باتهام قاتل علي ان اقول له الدليل الذي املكه ضده ان قلب المشكلة هي السرية». ولكن الاحساس بالقلق موجود بشدة داخل الشارع الاميركي، فقد شاهد باول كاسبر الذي يقيم في شارع شوفين منذ 45 عاما طوال عمره الذي يبلغ 47 عاما، مؤخرا مجموعة من عملاء الشرطة والمحققين تنتشر في الحي الذي يقيم به بعد القبض على شخص اردني المولد يدعى عمر شيشاني بتهمة تزوير شيكات بمبلغ 12 مليون دولار وادخالها الى اميركا وجاءت احدى قوات مكافحة الارهاب لمعرفة ما اذا كانت له علاقة بالجماعات الارهابية والواقع ان كاسبر لا يعرف شيشاني ولكن يعلم بان مجتمعه قد تغير. يقول كاسبر: «بالفعل لم يعد المرء يعرف جيرانه»، ويضيف انه اذا لم يكن المرء يعرف الناس فانه لا يعلم ماذا سوف يقومون بفعله ويستطرد قائلا: «انا لا اكره جيراني لانهم عرب ولن احبهم اذا كانوا يحاولون قتلي». يقول اونيس انه ما من احد يريد ان يصادق ويصاحب الذين يحاولون الاضرار به ولكنه قال انه من الخطأ تعميم التهم بسب جرم البعض. ويضيف: «العرب الذين يعيشون في هذا البلد هم اميركيون ايضا الم نتعلم اي شيء منذ الحرب العالمية الثانية؟ احيانا لا اعتقد اننا تعلمنا شيئا». ترجمة : حاتم حسين عن «واشنطن بوست»