الاعلان سيد الموقف، هذا هو المفهوم الذي اصبحت القنوات التلفزيونية خاضعة له وتفرد له مساحات واسعة حتى ولو على حساب اعصاب المشاهد، أو احترام عقليته ومشاعره، فالاعلان الآن يتدخل فجأة ليقطع عليك تواصلك مع المادة التي تتابعها بصورة مستفزة وغير اخلاقية على الاطلاق، فقط بعبارة سخيفة اصبحت ايضاً سمة سائدة باحترافنا التقليد يتم اخضاعنا او هكذا يراد منا ان نبقى معهم وألا نذهب بعيداً ونظل نشاهد رغم انوفنا فقرة اعلانية لن تخلو بالطبع من اعلان صور بطريقة غير لائقة او ان السلعة المعلن عنها لها خصوصيتها، والواضح ان مثل هذه الامور اصبحت عادية ورفع عنها ما نسميه خدش الحياء، ولا عيب ان ترى مواضع حساسة من جسد المرأة بسبب او بدون سبب، ولكم كان يحرص التلفزيون حتى وقت قريب على مشاعر المشاهدين حين كان يخصص فترة اعلانية قبل بدء الفيلم او المسلسل، لكن في سبيل العائد المادي اصبح لدى القنوات كوادر متخصصة تتفنن في ابتكار وسائل تنكد بها على المشاهد حيث يتداخل الاعلان دون سابق انذار مع المادة المعروضة وكأنه من نسيجها وسياقها فتحتاج الى وقت لكي تكتشف انك تشاهد اعلاناً، والى هذا الحد تبدو المشكلة بسيطة ومبررة ومردوداً عليها، اذ من حق التلفزيون ان يدعم ميزانيته، ومن حق المعلن ايضاً ان يختار موعد وكيفية عرض اعلانه ما دام يدفع المقابل بسخاء، ومن حق المشاهد ايضاً ان يهرب من الاعلان ويذهب الى المطبخ ليعد كوبا من الشاي، لكن ليس من حق هؤلاء جميعاً ان يقدموا او يقبلوا او يصمتوا تجاه ما نشاهده من اعلانات تكون فيها المرأة بجسدها العاري اكثر حضوراً من السلعة المعلن عنها وكأننا امام اعلان عن «...» خصوصاً عندما يتم وضع الاعلان اثناء فيلم مثلاً يشاهده الكبار والصغار في وقت واحد، والسؤال هو اين دور الرقابة مما يحدث؟، قبل فترة تم حجب القناة الفرنسية التي تبث عبر عربسات لأسباب مشابهة وكأننا نريد ان نقول دعونا نفعل ذلك بأنفسنا واذا لم نفلح فافعلوها انتم حين ذاك، وبالطبع نحن في طريقنا لنيل الدرجة الكاملة حيث اصبح الامر عادياً ان نشاهد امرأة بالملابس الداخلية وهي تقوم بتدليك مواضع حساسة لتختبر ازالة الترهلات او ما شابه، حتى الاجهزة الرياضية والاعلان عنها دخلت المرأة بجسدها لتعبر عن ضرورتها، وها نحن نتابع وعلى عربسات قناة دعائية اعلانية تبث على مدار الساعة اعلانات بطريقة استفزازية واذا من تعليق على ما يحدث كونه موجهاً الى المرأة العربية اولاً والى الرجل ثانياً فيما يخص الرشاقة وازالة الدهون من مناطق معينة واستدارة الخصر والساقين وما الى آخر القائمة، نقول ان هذه الاعلانات لن تأتي بفائدة مع عقلية نسائية ترى في المأكولات ما يجعلها محط انظار عيون الرجل الشرقي الذي لا تملأ عينيه هشاشة عارضات الازياء وقوامهن النحيل الذي يشبه الى حد كبير اقلام الرصاص الطويلة، بل على العكس تماماً، فإن احباطاً نفسياً يصيب الغالبية من النساء حيث لا يستطعن مقاومة اطباق المحاشي والبرياني والمقلوبة و«المعدولة» والحلويات بأنواعها، وهن يشاهدن في نفس الوقت قوام الفتيات «المستخدمات» في الاعلان، او رشاقة عارضات الازياء، وفي هذه الحالة لا احد منا يستطيع ان يعرف مدى الحسرة التي تنتاب بعض النساء وتطلعهن لان يصبحن في هذا الشكل والقوام او ذاك، لولا الخوف من ورقة الطلاق او ان يهرب الزوج الى عش آخر يجد فيه امرأة ممتلئة وبصحتها كما يقولون، وفي النهاية اذا كان التعري في الاعلان هو غاية المعلن وترضى عنه قنواتنا الرسمية والخاصة فنحن نبشر بافلاس المعلن في وقت قريب اذ ان ثقافة «حلة المحشي» هي الاقوى والأبقى. عز الدين الاسواني