من يعرف السيد راضي جيدا يدرك انه عجوز اسما فقط لكنه في الحقيقة يعيش بقلب شاب في العشرين، يرتدي البنطلونات الجينز والقمصان والتيشيرتات على أحدث خطوط الموضة ويقفز من مكان لآخر، بحثا عن ابداع جديد يقدمه أو مشكلة يحلها، هو شخصيا يعتبر انه ولد من جديد بعد الخروج على المعاش وبدأ مرحلة التوهج والانطلاق ويؤكد ذلك بالانتشار الذي حققه على مستوى التلفزيون كممثل والمسرح كمنتج ومخرج، ويرى السيد راضي أن مسئوليات المنصب كرئيس سابق لقطاع مسرح الدولة ومن قبله كمدير للمسرح الكوميدي لمدة 18 عاما كانت عائقا امام طموحاته الفنية وهو حاليا يلقب نفسه بعمدة الفنانين بفضل منصبه كرئيس لاتحاد النقابات الفنية (الممثلين، الموسيقيين، السينمائيين) اضافة الى قدراته في فض أي نزاع أو مشكلة تواجه أي فنان، حتى على المستوى القومي كان له دور في الوقوف مع الانتفاضة الفلسطينية وضد المذابح الاسرائيلية في جنين من خلال تفعيل دور الاتحاد، ولكن بمرورالوقت تراجع هذا الدور وهو مادفعنا لسؤاله عن السبب في هذا التراجع فقال: اتحاد النقابات الفنية الذي يضم في عضويته 35 ألف فنان كان أول صوت ارتفع ووصل للشارع المصري للتنديد بالعدوان الصهيوني على الفلسطينيين وأول من دعا الى مقاطعة السلع الأميركية والاسرائيلية وطرد السفير الاسرائيلي من القاهرة، أنا شخصيا لم أترك لقاء أو مؤتمراً يناقش القضية الفلسطينية الا وحضرته سواء في نقابة المهندسين أو المحامين أو الأطباء ولم نهدأ الا عندما دعت القيادة السياسية الى التفاوض ولكن كما هو واضح الآن يبدو أن القضية لن تحل وان هناك سيناريو أميركياً محكماً ينفذه شارون وباول وعنان لتمييع القضية وضياع الحق الفلسطيني لذلك أتوقع أن صوتنا سيرتفع مرة اخرى خلال الأيام المقبلة لاشعال حماس الشعب المصري لأن قضيتنا واضحة والحق الفلسطيني لن يضيع ولن نتوقف الا بانشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس. ـ هل يعني ذلك انك مؤمن بدور الفنان السياسي؟ ـ بالتأكيد، الفنان هو ضمير الأمة الذي يعبر عنها، ودوره ليس مجرد أن يضحك ويبكي وانما لابد ان يعبر عن نبض الشارع ويستثمر شعبيته وتأثيره القوي عند الناس في احداث صحوة وقيادة الرأي العام عندما يستدعي الظرف السياسي ذلك. ـ وما موقف اتحاد النقابات الفنية من التطبيع؟ ـ الاتحاد كان موقفه واضحاً من أول دقيقة ورفض تماما التطبيع مع اسرائيل تحت أي ظرف واتخذ قرارا بشطب أي عضو من اعضاء النقابات الثلاث (الممثلين، السينمائيين، الموسيقيين) وطبعا قرار شطب الكاتب المسرحي علي سالم من نقابة الممثلين كان أول خطوة لتنفيذ القرار وان كان علي سالم حاليا مقتنعاً تماما بأنه اخطأ عندما قبل التطبيع بعد ان شاهد بنفسه الاعتداءات الوحشية الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني، كان لنا ايضا موقف واضح من مجموعة كوبنهاجن وأعتقد ان كل هذا يمثل ضغطا على اسرائيل. ـ رشحت نفسك لرئاسة الاتحاد ثلاث دورات فهل تعتزم الترشيح لدورة رابعة؟ ـ ماحققته للاتحاد يجعلني فخوراً به وقد انتخبت خلال رئاستي له ممثلا عن القارة الافريقية في مؤتمر ماي بأميركا وفزت بمقعد مستشار الدول الناطقة بالعربية في برلين كما ان الاتحاد ساهم في تكوين نقابات فنية بكل من سوريا ولبنان وغيرهما من الدول العربية، وأنا أرى نفسي عمدة الفنانين وأبوهم، مشاكلهم أنا مسئول عنها وافراحهم واحزانهم اشاركهم فيها، اعتبرهم عائلتي وأنا بهم لي وضعي وهم معي في حماية يلجأون إلي ويعلمون انني لن أخذلهم، وطبعا منصبي كرئيس للاتحاد يؤهلني للقيام بهذا الدور، ولو لم أكن على قدر المسئولية مافزت بالرئاسة ثلاث دورات، هم يعلمون انني شخص مزعج وصوتي مرتفع ولا أخاف الا الله وابحث عن الحق والعدل وأرفض التعامل مع انصاف الحلول وليس لي مصالح شخصية، أنا أجد نفسي في المنصب وهم يجدون في خير من يمثلهم. ـ عملت مديرا للمسرح الكوميدي 18 سنة ثم رئيسا للبيت الفني للمسرح خمس سنوات وبعد خروجك على المعاش انقطعت صلتك بمسرح الدولة الا ترى ذلك غريبا؟ ـ لم أتعمد الابتعاد لكن يبدو أن الجيل الجديد لا يؤمن بخبرات المسرحيين الكبار فمنذ خروجي على المعاش لم يطلب مني أحد تقديم عرض مسرحي ولو طلب مني ذلك ما تأخرت حتى لو لم أتقاض اجرا، والحمدلله ان اسم السيد راضي كفيل بانجاح أي عرض مسرحي، وعملي في القطاع الخاص خير دليل على ذلك، فالفرسان لا تسقط، وما احصل عليه من القطاع الخاص ماديا وأدبيا اضعاف ما سأحصل عليه في مسرح الدولة، ولكن يؤسفني أن المسرح الذي نشأت فيه وافنيت عمري في خدمته لا يتذكرني وأنا بطبعي لا يمكن أن أذهب كي أطلب العمل في جهاز كنت في يوم من الأيام أجلس على قمته. ـ كيف ترى حال مسرح الدولة الآن؟ ـ مشكلة هذا المسرح هي الإدارة، وهو الآن في أمس الحاجة لخبرات الكبار الى جانب الشباب ومن الخطأ ان تترك الدفة كلها للشباب دون ان تكون لهم خبرات في الإدارة، وأذكر انني عندما توليت منصب رئيس البيت الفني للمسرح كان مسرح الدولة يمر بأزمة كبيرة وكانت الأصوات مرتفعة تطالب بتصفية وبيع مسرح الدولة وتسريح العاملين فيه واختارني وزير الثقافة نظراً لخبرتي في ادارة المسرح الكوميدي احد مسارح الدولة لمدة 18 عاما وبفكر القطاع الخاص الذي كنت أحد أجنحته لكي انقذ المسرح في تلك الفترة الحرجة وبالفعل نجحت في اقالته من عثرته وقيادته الى بر الأمان وقدمت مجموعة من انجح العروض لكبار الكتاب وانشأت مسرحاً جديداً للطفل بالمسرح العائم مازال يعمل حتى الآن واستعدت مسرحين جرى الاعتداء عليهما هما: مسرح «مصر» و«ميامي» ونجحت في استصدار أمر بالاستيلاء على مسرح محمد فريد وجددت المسرح القومي، كل هذا لأنني تعاملت مع المنصب بشرف وامانة وخبرة طويلة فاحدثت حالة من التوهج، اما الآن فأرى ان هناك حالة من عدم الالتزام بهوية كل فرقة ومايحدث الآن «سمك لبن تمر هندي»، والمفروض ان تعود كل فرقة للالتزام بهويتها ويكون لها فلسفة خاصة في تقديم عروضها، ولابد أن يبتعد من هو في موقع اداري عن مناقشة الفنانين في تقديم عروض ليتفرغ هو للإدارة وانجاح مسرحه كما كنت أفعل، فقد رفضت ان اخرج أي عمل حتى لا يقال انني استغل منصبي. ـ انشأت فرقة مسرحية للقطاع الخاص اثناء ادارتك للمسرح الكوميدي وكان متوقعاً ان تكثف نشاطك بعد ان تفرغت من المناصب الادارية وهو مالم يحدث لماذا؟ ـ فعلا انشأت فرقة وقدمت من خلالها مجموعة من الاعمال الجيدة اذكر منها (على فين يادوسة) و(الدنيا مزيكا) و(مطلوب على وجه السرعة) و(دلع الهوانم) واحضرت من خلالها فيروز للغناء في مصر، ولكن بعد الخروج على المعاش وجدت ان الواقع المسرحي في القطاع الخاص اصبح عشوائيا وذوق الجمهور ذهب الى منطقة لا أستطيع الاقتراب منها حتى الانتاج اصبح أي شخص يستطيع تكوين فرقة يقدم بها عرض لمدة شهرين ثم يختفي ومعه فرقته ومع ذلك عندما وجدت فرصة تقديم اعمال جيدة لم أتاخر فقدمت (الكوماندا) ليسرى الجندي و(على كيفك ياقمر) لجمال عبدالمقصود. ـ هل تشعر بالفعل انك توهجت بعد سن الستين؟ ـ نعم خاصة انني تخلصت من اعباء الادارة واصبحت قادرا على الابداع في مجالات متعددة على رأسها التمثيل وقدمت اثنين من افضل ادواري في مسلسلين تلفزيونيين فجسدت القاضي يدير في (السيرة الهلالية) و(الخواجة كرياكو) في «جمهورية زفتى». ـ الملاحظ انك تقدم نوعية خاصة من الأدوار تتميز معظمها بالشر المغلف بخفة الظل. ـ أنا متخصص بالفعل في الأدوار الصعبة المعقدة التي تحتاج لقدرات خاصة، وبعيدا عن أني مخرج مسرحي فأنا أدرس التمثيل ولابد أن أقدم ادواراً تليق بقدراتي في هذا المجال بعد ان اصبحت من المخضرمين، وانا من البداية كنت افضل الادوار المركبة مثل أدواري في (ابناء الصمت) و(وراء الشمس) و(أمهات في المنفي) و(الانس والجن) و(جحيم تحت الارض) و(48 ساعة في اسرائيل). ـ لكنك مهتم الآن بالتعامل مع التلفزيون أكثر من السينما والمسرح؟ ـ التلفزيون الآن هو لغة العصر وهو الأكثر تأثيرا فأنا أجيد التعامل معه، مع ذلك لا استطيع الابتعاد عن المسرح لأن الجمهور اعطاني ثقته في البداية كمخرج ويأتي التمثيل في المرتبة الثانية وان كان التمثيل في الاعمال التلفزيونية الآن يفرض نفسه علي بقوة وخاصة أن مايعرض علي من ادوار لا يمكن رفضه. ـ وماعلاقتك بالتأليف؟ ـ أنا في التأليف هاو فقط لكني ممثل مخضرم وفي الاخراج أب ومعلم، وعندما تلح علي فكرة جيدة ابدأ في كتابتها بروح الهاوي ولا أفكر في احتراف الكتابة لا للتلفزيون ولا المسرح. ـ السيد راضي ماترتيبه في عائلة راضي الفنية؟ ـ أنا عمدة هذه العائلة وكبيرها واعتقد ان عائلة راضي هي الوحيدة في العالم العربي التي اخرجت هذا العدد من الفنانين فإلى جانب السيد راضي هناك محمد راضي ومنير وايهاب راضي في الاخراج السينمائي، ود.ماهر كبير مصوري السينما وعفاف راضي المطربة وبسمة السيناريست وغادة الممثلة واعتقد ان عائلة راضي احدى أكبر العائلات الفنية في مصر. ـ يقال دائما ان بروفات السيد راضي افضل كوميديا من العرض لأن من يشاهدك في هذه المرحلة لا يتمالك نفسه من الضحك ودون أن تبذل مجهوداً في ذلك ما تفسيرك؟ ـ أنا مقتنع بهذا الكلام لأن مرحلة البروفات هي مرحلة ولادة العرض ولذلك أنا أغوص في هذه الفترة في الورق واجري وراء شخصياتي واتقمصها مع الممثلين لافتح نوافذ جديدة وخلال هذه الفترة أرى هذه الشخصيات تكلمني وتمشي معي في الشارع، هذه المرحلة تتطلب مني ابداعاً اضافياً للورق لانني لست منفذا لما كتبه المؤلف فقط، والعمل الكوميدي يتطلب ابداعاً خاصاً اعتقد انه متوفر لدى والبروفات جزء مهم من هذه الابداع. ـ لماذا لم تنضم حتى الآن لأي حزب؟ ـ أنا أرفض هذه الفكرة تماما لانني في هذه الحالة سأتلون وأنا لا أستطيع ان أساوم على فكري وهناك واقعة حدثت في الستينيات جعلتني ارفض فكرة الانضمام لأي حزب وذلك في اعقاب نكسة 67 فقد كنت وقتها عضوا في الاتحاد الاشتراكي وعندما تنحى الزعيم جمال عبدالناصر فوجئت وأنا في المسرح القومي ببعض رجال الحزب يحضرون للمسرح ويحاولون انزال صورته الموجودة على الحائط ورفضت ذلك بشدة وتحول الموقف الى ازمة سياسة انتهت بقرار ابتعادي عن أي تنظيم سياسي