يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. قبل انقضاء سنتين على هزيمة يونيو الموجعة، كانت مصر قد بدأت تتعافى من وجع الهزيمة، وفي مارس 1969، شرعت مصر في حرب استنزاف على جبهة سيناء المحتلة. باشرت مصر هذه الحرب فيما كانت أعمال إعادة بناء الجيش جارية ليل نهار. واشتملت الحرب على عمليات متنوعة ومتناغمة: قصف على المواقع الإسرائيلية شرقي قناة السويس، وغارات تقوم بها وحدات كوماندوس في عمق سيناء، كما اشتملت على عمليات يقوم بها فدائيون فلسطينيون بالتنسيق مع مصر وبمساعدتها. تأثيرات حرب الاستنزاف، وقد تضافرت مع تأثيرات المقاومة الفلسطينية، أظهرت بوضوح أن هزيمة يونيو لم تدفع العرب إلى رفع راية الاستسلام ولن تدفعهم إليه. وإلى هذا، أظهرت حرب الاستنزاف فعالية التعاون الذي اتسع بين مصر والاتحاد السوفييتي. وأثرت إلى اتجاه الرياح، ففي المتناول إعادة بناء جيش مصر وتحديثه، فضلاً عن جيش سوريا، وفي هذا ما فيه من نذر لإسرائيل المزدهية بانتصارها الكبير. ومنذ اشتعال هذه الحرب، فعلت الولايات المتحدة الكثير لوقفها وحماية إسرائيل من تأثيراتها. وفي يونيو 1970، بعد خمسة عشر شهراً من بدء حرب الاستنزاف، قدم وليم روجرز وزير الخارجية الأميركي المبادرة التي اشتهرت باسمه، وأول بنودها الدعوة إلى وقف إطلاق النار. جاءت مبادرة روجرز فيما حماس الجماهير العربية، وأخصها الفلسطيني، للقتال في إبّانه. وكان خليط الوقائع والرغبات الذي يشكل صورة المنطقة قد غذّى الثقة بأن الجانب العربي امتلك زمام المبادرة وصار قادراً على إلحاق الهزيمة بجيش إسرائيل وإطفاء صلف المعتدين. وقد توقع أغلب الناس أن يرفض الرئيس جمال عبد الناصر وهو الذي اتخذ المبادرة إلى القتال واستعاد بها كامل شعبيته في دنيا العرب، مبادرة روجرز، أي أن يرفض وقف إطلاق النار قبل تحرير الأرض المحتلة. وفي السياق، بل في المقدمة، أعلنت قيادة «م . ت. ف.» إدانتها للمبادرة الأميركية وحثّت على رفضها. ونجحت الدعاية التي انصبّت على أرض ملائمة في خلق حالة بدا معها أن القبول بمبادرة روجرز ليس أقلّ من خيانة. غير أن عبد الناصر لم يعبأ بالاعتراضات أو الإدانات والتهم. كان الرئيس المصري المكتوي بنار أذل هزيمة في تاريخ مصر الحديث أعرف الناس بواقع الحال ومتطلبات الاستمرار في المواجهة الاستراتيجية ضد العدوان الكبير، فقبل المبادرة. هيج القبول بالمبادرة الأميركية المشاعر الفلسطينية ضد الزعيم العربي. صُدم الجمهور الفلسطيني بالقبول وثار سخطه. وفي سوريا، لم تكن الاعتراضات أقلّ ولا كانت الصدمة أخفّ أو ثورة المشاعر. وفي الأردن، رحبت السلطة بالمبادرة، فيما العلاقات بينها وبين المقاومة الفلسطينية متدهورة إلى أدنى قاع، فانضاف سبب جديد لتشديد البغضاء والتوتر بين السلطة وبين المقاومة، وبدا أن الانفجار وشيك الوقوع. جارت «الصاعقة» التي أرأس أنا تحرير الصحيفة الناطقة باسمها الفصائل الفلسطينية في الحملة على عبد الناصر. غير أن رد فعل الفصيل الفلسطيني البعثي هذا تأثر برغبة سوريا في الاحتفاظ بعلاقاتها الطيبة مع مصر بالرغم من الاختلاف على المبادرة. أما الحملة الفلسطينية العامة على عبد الناصر فكانت شنيعة شناعة لا يسوغها أي حساب سديد. وقد ضقت أنا بهذه الحملة ضيقاً انفجر معه سخطي المتراكم ضد المزايدات السياسية كلّها، وفاض. لم أستسغ مبادرة روجرز، فقد كنت من الذين يشكون في أي مبادرة تجيء من الجانب الأميركي، ولدي أسباب عميقة لتغذية هذا الشك. إلا أني لم أجد في قبول مصر المبادرة ما يسوغ الحملة عليها، خصوصاً بعد ما أطلع عبد الناصر منتقديه من حلفائه العرب على دوافعه العملية للقبول بها. اقتنعت بأن من حق الرئيس المصري المثقل بأعباء الوضع المعقد أن يناور، ومن حقه على الجمهور أن يفهم حاجته إلى المناورة. إلا أن الجهر بهذا الرأي، بما هو رأي مخالف للمزاج الفلسطيني العام، انطوى على مجازفة كبيرة. بالرغم من هذا، أقدمت كالعادة، على فعل ما أملته قناعتي. وفي سعيي للتحوط ضد أذى المجازفة، لجأت، كالعادة أيضاً، إلى د. يوسف زعيّن وأجريت معه مناقشة طويلة ومعمقة. ولما كان د. زعين عارفاً أتمّ معرفه بدوافع مصر لقبول المبادرة الأميركية، فقد سهُل التفاهم معه والحصول على وعد منه بحمايتي ضد المزايدين. ولكي تدرك مغزى هذا الوعد، عليّ أن أقول لك إن د. زعين كان هو نفسه، ضد مبادرة روجرز، ولم يكن مرتاحاً لقبول مصر بها إلا أنه تعهد حمايتي وفي المناقشات التي أجريناها داخل هيئة كتاب «الطلائع»، بدا هؤلاء، ومنهم أنيس الخطيب، الفتحاوي، متفقين على أمرين: التميز عن المزاج العام والجهر بالتحذير من مخاطر العراك مع مصر. وهكذا، برز صوت «الطلائع» وحيداً ضدّ تيار عارم. وزاد عدد قراء المجلة واتسع الاهتمام بموقفها الفريد. حذرنا من مخاطر الدخول في خصومة مع عبد الناصر، وأكدنا على ضرورة الاحتفاظ بأطيب العلاقات معه في كل ظرف. وفيما نحن مستغرقون في المعمعة، فوجئت باتصال من مكتب السفير المصري في دمشق، ممدوح جبّة، يبلغ إلي أن السفير راغب في زيارتي. لم تكن لي صلة بهذا السفير، لكني رحبت، بالطبع، بالزيارة. ومن الذي لا يرحب بزيارة سفير أكبر دولة عربية ! واتصلت بفتوح الشريف، فاكتشفت أن صديقي مطلع على رغبة السفير وأنه سيصحبه في زيارته لي. وقال فتوح بنبرة من يقدم إيضاحاً عادياً : السفير مكلف من مكتب الرئيس في القاهرة بتقديم الشكر على موقف «الطلائع» ونقل تحيات الرئيس جمال عبد الناصر إلى رئيس تحريرها وكتّابها. أطنب السفير كثيراً في المدح، وكرر أمامي شرح مبررات القيادة المصرية للقبول بمبادرة روجرز: شنّت مصر حرب الاستنزاف، مجازفةً بالتعرض للخسائر التي تعرضت لها فعلاً، من أجل رفع المعنويات وتوفير الجوّ الملائم لعملية إعادة بناء الجيش وتطوير الروح القتالية فيه وإبراز الحضور في ميدان الصراع والاستفادة من هذا كله في الضغط على المعتدي. ومما لا شك فيه أن العمليات المصرية أزعجت إسرائيل وأثرت على موقفها العسكري والسياسي. لكن هذا وذاك تحققا بمقدار بعينه لم يتجاوزاه. لقد استهدفت العمليات المصرية مواقع الجيش الإسرائيلي في سيناء المحتلة وألحقت بها ضربات موجعة، لكن إمكانيات مصر قصّرت عن بلوغ الداخل الإسرائيلي وإيجاعه. أما إسرائيل في ردها على العمليات المصرية فقد كان الداخل المصري مفتوحاً أمام طيرانها المتفوق، وهو داخل مكتظ بالسكان. وقد صبّت إسرائيل على عمق مصر ضربات موجعة لم ينج حتى تلاميذ المدارس الصغار من فتكها. هذا الوضع أقنع السوفييت بضرورة تزويد مصر بنوع جديد متطور من الصواريخ المضادة للطائرات، وصار المصريون بحاجة إلى وقف إطلاق النار حتى يتمكنوا من بناء القواعد اللازمة لهذه الصواريخ. وفي هذه الحاجة يكمن الدافع الأول والأهم والأعجل تأثيراً بين دوافع القبول المصري بمبادرة روجرز. تحدث السفير ليس بمنطق ممثل الدولة المعنية بالأمر، فحسب، بل بخبرة الضابط العسكري الذي كانه أيضاً، وأسعده أن يجدني متفهماً لشروحه، أنا الذي سبق لي أن سمعتها من غيره. ثم ختم الرجل حديثه بالعرض المألوف : «أنا في تصرفكم لأداء أي خدمة أقدر عليها» لحظتها، تدخل فتوح، ويبدو أنه أعدّ نفسه لهذا مسبقاً؛ ابتسم صديقي وتساءل: «ألا يدهشك يا سعادة السفير أن هذا الإنسان المتفهم الذي يقف مع مصر بجرأة ممنوع من زيارة مصر؟». أحرجني تدخل صاحبي على هذا النحو. فوجود اسمي في القائمة المصرية السوداء لم يكن غائباً عن البال، إلا أني لم أستطب استثمار زيارة تتصل بموضوع عام جليل لإثارة شأن شخصي، وقد خشيت أن يبدو الأمر كأنه مقايضة. ولم يعد بالإمكان طيّ الموضوع وقد فتحه فتوح وأثار دهشة السفير الذي هتف بعفوية: «مش معقول !». وعندما فهم الرجل المجبول بطيبة أبناء البلد المصريين أن غير المعقول واقع، بدا محرجاً أشدّ الحرج، فأطرق برأسه، وراحت أصابعه تعبث بمسبحته. وشئت أن أحرر زائري من حرجه فقلت : «هذه أصغر من أن ينشغل بها رجل له مكانتك»، وحاولت أن أوجه الحديث إلى نقطة أخرى، فسألت السفير عن رأيه في الموقف السوري المعترض هو الآخر على مبادرة روجرز. غير أن السفير لم يستجب لمحاولتي، بل التفت ناحية فتوح، وقال: «حكاية المنع اللعينة هذي أتعهد أنا معالجتها». ولم يوجه زائري نظره إليّ إلا حين نهض لينصرف وقال : «لك عهدي أن تزور مصر في أقرب فرصة». استخدم الفلسطينيون وسائل إعلامهم الكثيرة للتحريض ضد عبد الناصر، وبضمنها إذاعة فلسطين التي وضعت مصر موجاتها تحت تصرفهم والتي تبثّ برامجها من القاهرة. وفي الرد على الحملة، أقفلت مصر هذه الإذاعة وضيقت على النشاط الفلسطيني في مصر، وبدا أن علاقات الطرفين أحدهما بالآخر تدخل في أزمة مستحكمة. وفي سياق تشديد الحملة الفلسطينية، دُعي المجلس الوطني إلى الانعقاد في دورة استثنائية وتقرر أن يجتمع المجلس في عمان، وليس في القاهرة كما جرت عليه العادة منذ ما بعد 1967، وتحدد يوما 27 و 28 أغسطس 1970 موعداً لعقد الدورة. وقتها، كنت في المجلس عضواً مراقباً الأمر الذي لم يعن شيئاً عملياً سوى الحق في شهود الجلسات. وقد بكرتُ في الذهاب إلى عمان. كان الجميع هنا مهتاجين. وكل شيء كان مضطرباً والتجافي بين ناس السلطة وناس المقاومة كان قد بلغ ذروته. وكان يكفي أن تنظر إلى الوجوه لتدرك كم صارت الهوة بين الجانبين عميقة. استعدادات السلطة لتصفية الحساب مع المقاومة صارت في تمامها. وتحدي المقاومة للسلطة أفلت من أي قيود. أما الهياج ضد عبد الناصر فكان في إبّانه. والمظاهر الاستثنائية كانت هي الطاغية: التواجد الكثيف للمسلحين، والحواجز، والمتاريس، والسلوك المتوتر على كل صعيد، هذا كله وما يماثله كان تام الحضور. أما ما كان غائباً أو مغيباً وراء الضجيح فهو صوت العقل. انهمكت في جدل شاق مع ناس الفصائل المسلحة، وسمعت سيل شتائمهم لعبد الناصر وتبجحاتهم بشأن القدرة على إحباط مؤامرة يرون هم أنه واقف على رأس الضالعين فيها. رأى هؤلاء في مبادرة روجرز مؤامرة يشترك فيها عبد الناصر وحكام الدول العربية الآخرون، وأخصهم الأردنيّون، ومعهم إسرائيل والصهيونية والامبريالية العالمية وليس الأمبريالية الأميركية وحدها. وفي أيام التحضير لدورة المجلس، لم يكن لحواراتي مع ناس الفصائل أن تنفعني أو تنفعهم. في الجبهة الشعبية، حيث التشنج الأشدّ ضد عبد الناصر، لم أجد من هو مستعد حتى للحوار معي. كان أصدقائي أنفسهم من أعضاء الجبهة يضيقون بما يعدّونه بثّي لروح الاستسلام. وكان زكريا أبو سنينة زميل النشاط في رابطة الطلاب ما أن يسمع مني جملة أو جملتين حتى ينصرف. أما تيسير قبعة فلم يكن يحاور إلا بالشتائم. وأما حكيم الجبهة جورج حبش فلم يستقبلني. ولئن قبل أصدقائي في الجبهة الديمقراطية محاورتي فلأنهم يحبّون الجدل ويتصيدون فرصة تصيداً، لكن الحوار معهم لم يقدم ولم يؤخر، فهم متمترسون وراء شعاراتهم فرحون بها، وإن جابهتهم بما يخالفها فلن تظفر منهم إلا بالشفقة عليك، وذلك في أحسن الأحوال. كان هؤلاء يتصرفون على أساس أن زمن الشعارات الكبيرة هو زمنهم هم بالذات. وكان حواتمة المنساق مع اهتمامه المستجد بالماركسية يشخص الحالة في الأردن بمقارنتها مع حالة روسيا وهي تتجه نحو ثورتها البلشفية ويبشر بقرب انتصار العمال الأردنيين والفلاحين والجنود. وقد ذهبت إلى حواتمة، ليس لأني أملت في حوار مفيد، بل لأنه كان من المهم الالتقاء برجل يتصور أنه موشك على أن يقود الجمهور الساخط في عمان إلى قصر الحمّر، قصر ملك الأردن، ويسقط ملكه كما قاد لينين جمهور بطرسبرغ إلى قصر الشتاء في العام 1917 وأسقط قيصره. وذهب معي سعيد حمامي الذي قلما رأيت حواتمة في تلك الفترة إلا وهو معي. كنت يائساً من إمكانية حمل نايف على أخذ انتقاداتي الجادة بعين الاعتبار فلجأت إلى السخرية المبطنة. ولمّا كرر الرجل مقارنته الشهيرة عارضته بمقارنة أخرى : «أنا أرى أن الوضع يشبه الوضع الذي سبق ثورة 1905 الفاشلة في روسيا، وليس ثورة 1917 الظافرة». لم أكن أرى الوضع في هذا النحو أو أجد وجهاً للمقارنة بين الأردن وروسيا. لكني اخترعت المقارنة اختراعاً لأربك تحليلات الماركسي المستجد. وأعجبت هذه المقارنة سعيد حمامي الذي أدرك ما رميت إليه وتسلم الحديث. وأمعن سعيد في استنباط أوجه شبه بين 1905 روسيا و1970 الأردن. وأتقن سعيد الاستنباط حتى لقد أثر على مناظرنا وكاد يؤثر عليّ أنا الذي أدركت أنه يسخر. ولم يهتد حواتمة إلى ما يرد به، فزاغ: «روح الاستسلام تحجب عنكما رؤية قدرات الجماهير. لكن حتى لو كان الأمر كما تقولان، فإن ثورة 1905 شكلت المقدمة التي لا بدّ منها لنجاح ثورة 1917». تورط أبو خالد فأطلق لساني بسخرية سافرة: «هل أفهم من كلامك أن على الحركة الثورية أن تخطط لقيام ثورة فاشلة، لأن الفشل مقدمة لا بدّ منها للنجاح !».في «فتح»، كان اختلاط الآراء وغموض الرؤية واضطرابها أشد، وكانت قواعد الفصيل الأكبر تفور بالحماس، وقد بزّ يساريّو «فتح» يمينها في الهياج والتهيج ضد عبد الناصر، واستخلصوا أن هذا هو أوان السعي للخلاص من النظام الأردني الذي أيد هو الآخر مبادرة روجرز. تصور المتحمسون أن إنشاء سلطة في الأردن رافضة للمبادرة وتحالف هذه السلطة مع سوريا الرافضة سيميلان بالكفة العربية كلّها ناحية الرفض ويرغمان عبد الناصر على التراجع. وبقي لهؤلاء وهمهم، فاعتقدوا أن الاستيلاء على السلطة أمر في المتناول لم يبق من أجل بلوغه إلا أن تتخذ القيادة القرار اللازم. من يساريي «فتح»، قابلت وقتها ناجي علوش، أنت تعرف أن ناجي كان بعثياً قبل أن ينضم إلى «فتح»، ولك أن تعرف أنه كان في البعث معدوداً من المتشردين. وقد أضاف ناجي إلى أفكار البعث القومية مقتبسات من المادية والتروتسكية والجيفاريّة ونقل الحصيلة إلى «فتح». وفي هذا الفصيل المفتقر إلى النظريين من غير السلفيين، برز ناجي بروزاً لم يتحقق له في حزب البعث. وكانت قيادة «فتح» تنبهر بتنظيرات المنضمين إليها من سقط الأحزاب اليسارية، فتوفرت لناجي فرصة ترويج أفكاره وصار معدوداً بين نجوم اليسار الفتحاوي. وفي ذلك الوقت، أوكلت القيادة إلى ناجي مهمة استطابها هو لأنها تليق بيساريته ، فصار مسئولاً عما سمي تنظيم الميليشيا في عمان. وفي حديثي معه، بدا ناجي واثقاً من أن عبد الناصر جاسوس أميركي ضالع في مؤامرة لتصفية القضية الفلسطينية ، وليس أقلّ من هذا. وشدد ناجي على أهمية المبادرة لإسقاط النظام الأردني، وتكررت عبارة الخطوة الأولى لتحرير فلسطين. ولكي يقنعني بوفرة الإمكانيات اللازمة لإسقاط النظام، قال ناجي إن تحت إمرته هو شخصياً ستين ألف مسلح من أعضاء الميليشيا وهم مستعدون كغيرهم للانقضاض على النظام. ولم يفت ناجي أن يعرّض بموقف عدد من قادة «فتح» الرافضين لاتخاذ القرار المناسب ويندد خصوصاً بموقف ياسر عرفات. ولما سألت الإعلامي الذي هو أيضاً، شاعر والذي صار قائد ميليشيا عن دقة الرقم الذي ذكره ومدى مكانة تنظيم الميليشيا، لجأ إلى ما يلجأ إليه أمثاله حين نجابههم بما قد يبطل تصوراتهم الرغبية، فاتهمني بضعف إيماني بالسلاح وقدرة الجماهير المسلحة على إتيان العجائب، ولم يقر بما أعرفه أنا عن افتقار الميليشيا إلى التنظيم والتدريب أو بالأفكار والسياسات المشتتة التي توجه الجموع فتبلبلها. ولم يتسن لي أن أختلي بأي من أصحاب القرار في «فتح»، إذ أنهم جميعهم كانوا مستغرقين في المشاغل الطارئة، انضممت وقد خصني خليل الوزير «أبو جهاد» بتحية متوددة حين انضممت إلى الحشد الذي تغصّ به حجرة مكتبه وأفرد لي مكاناً قريباً منه، لكنه لم يفرغ لي ولو للحظة. وهتفت لياسر عرفات، وقلت صراحة إني طامع في خلوة، فرد بحماس: «تعال حالاً». وعندما جئت، وجدت رجل «فتح» الأول رئيس اللجنة التنفذية لمنظمة التحرير القائد العام لقوات الثورة محاطاً بحشد غير متجانس. وكان في الحشد قادة فلسطينيون وأردنيون وعرب آخرون ومسئولون من مختلف المستويات، كما كان فيه صحافيون وموظفون في مكتب القائد وناس من شتى الأصناف. وابتدرني عرفات بالسؤال الذي أتوقعه: «كيف يرى الإخوان في سوريا الأمور ؟». وكنت على يقين من أن الرجل يعرف ما أعرف أنا وأكثر إلا أنه شاء أن يسمع زواره مني ما سبق أن رواه هو لهم. ولم أكن في مزاج يأذن بأن أدخل في اللعبة، فزغت عن الإجابة. ولم أظفر بالخلوة التي توخيت أن أحدّثه فيها عن هذا الأمر بالذات. المشهد ذاته تكرر تقريباً عند صلاح خلف. ترحيب وحفاوة، وحشد غير متجانس، هنا تميزت زيارتي بحديث هامس. وضع أبو إياد في أذني سؤالاً عن تقديري لانعكاس الخلافات الداخلية في سوريا على الموقف إزاء ما يجري في الأردن. وسمع مني إجابة هامسة : ستتفاقم الخلافات كلما اشتد تأزم الوضع هنا، ومن غير المستبعد أن ينشق البعثيون بعضهم عن بعض. ووضعت في أذن محدثي بدوري السؤال الذي يقلقني : إلى أين سيفضي هذا الجنون ؟ وتلقيت الرد المهموس: تلفّ الدوامة الجميع بغير رحمة وما من أحد يعرف ما ستؤول إليه الأمور، إلا الله.وبحثت عن محمود عباس «أبو مازن» فلم أقع عليه، وفي ظني أنه كان سيخصص لي خلوة أياً كانت الظروف. في هذا الجو، تسنى لي أن أتعرف على الدكتور عصام السرطاوي . درس هذا الفلسطيني اللاجئ إلى العراق الطبّ وتخصص في جراحة الأعصاب في الولايات المتحدة وبلغ في تخصصه درجة رفيعة. غير أن المسكون بالهاجس العام لم يمارس اختصاصه المتميز، وما أن رجع إلى المنطقة التي تلفّها الأزمات حتى بحث لنفسه عن دور فيها. وقد قاد البحث صاحبه إلى القاهرة، وفيها وقع عصام على شلّة من اللاجئين السياسيين العرب الذين تأوي عاصمة عبد الناصر كثيرين منهم. وكان أعضاء الشلّة يعانون من الرتابة ويبحثون عن تسليات يزجون بها وقت فراغهم المديد. وكان لهؤلاء مجلس دائم في مقهى لبّس في وسط المدينة وفيه التقاهم عصام وباح لهم برغبته في مقابلة عبد الناصر والاهتداء بإرشاداته فأوهموه بأنهم قادرون على تحقيق رغبته وأوقعوه في قبضة عبثهم. وقال المتسلون بالرجل إنهم أبلغوا أمره إلى الريّس عبد الناصر، وأوهموه بأن الرئيس معجب بطموحه ومواهبه، ومنوهين بموعد قريب. وكان طموح عصام أن يؤسس فصيلاً فلسطينياً جديداً، متصوراً أنه قادر على أن يأتي بما يبزّ الفصائل القائمة. غير أن المتسلين بالشاب المتحمس أفهموه أن الرئيس يرى أن الساحة مكتظة بالفصائل المتفرقة وأنه يتمنى أن يفعل القادم الجديد شيئاً لتوحيدها. وفي هذا، مع إيهام عصام بأن عبد الناصر متابع لجهده، تبلورت فكرة : أن يؤسس عصام الهيئة العاملة لتوحيد المنظمات الفلسطينية، وصاغ عصام فكرته في مشروع مكتوب سلمه لجلساء لبّس وقرنه بمذكرة إيضاحية. وبعد أخذ ورد اقتضتهما طبيعة اللعبة والحاجة إلى التسلية، جاء المتسلون آخر الأمر بالبشارة لعصام: أعجب المشروع الرئيس وفتنته المذكرة وتعهد تقديم الدعم. وأطلق عصام دعوته لتوحيد الفصائل وأنشأ الهيئة العاملة على توحيدها وجنّد لها همته الطازجة. توهم العازم على التوحيد أن الاستجابة ستكون واسعة، إذ ما الذي يمنع أن يستجيب الناس إلى دعوة جليلة ! لكن التوزع على فصائل عدّة، هذا الذي أنبته مصالح متباينة، كان قد أنبت بدوره مصالح تعزز الفرقة، فلم يقع عصام إلا على قليلين. ثم لم يلبث أن صار للفصيل الذي أسسه عصام مصالح تدفعه إلى الاستمرار بدون التوحيد. وبالرغم من أن الفصيل الجديد ظل محدود العدد فإن عصام لم ينكص. ولم يلبث أن انهمكت الهيئة العاملة في حمى المزايدات الرائجة واشتهر أمر عصام وفصيله بأنهما من أشدّ المتشردين. وكما يحدث كلما ظهر فصيل جديد، سعى الصحافيون الذين يجوبون الساحة إلى التعرف على زعيمه. وبين هؤلاء، كان صحافي مصري غريب الأطوار بعض الشيء مختلط الدوافع هو سعد زغلول فؤاد الأشدّ اندفاعاً نحو عصام. وعلى كثرة ما حاولت أن أتقصى دوافع سعد الذي أعرفه فإني لم أصل إلى يقين فنسبت الأمر إلى غرابة أطواره وغرابة أطوار عصام ذاته. ولعل من المفيد أن تعرف شيئاً من تاريخ المصري غريب الأطوار هذا. فقد كان سعد صحافياً في دار الهلال في القاهرة عندما ثار الضباط الأحرار واستولوا على السلطة في مصر. وربطت سعد بواحد من مشاهير هؤلاء الضباط هو أنور السادات صلة خاصة يبدو أنها نشأت قبل الثورة. وعندما أذنت قيادة الثورة بقيام عمليات مسلحة ضد القواعد البريطانية في منطقة قناة السويس للضغط من أجل إرغام قوات الاحتلال البريطاني على الجلاء عن مصر، انهمك سعد في هذا المجال، ليس بوصفه صحافياً فقط بل بوصفه فدائياً أيضاً. وآثر سعد أن يعمل منفرداً، فراح يستثمر صنعته الصحافية ليجول في المنطقة ويتصيد فرصة الإيقاع بهذا أو ذاك من البريطانيين. وقد ضرب سعد مرة ضربة كبيرة، ذلك أنه وقع على بريطاني يلبس ملابس مدنية لم تستر سمته العسكرية. وقع سعد على البريطاني صدفةً في أحد بارات المنطقة، فداهمه، واعتقله، ونقله إلى القاهرة بسيارته واحتفظ به في شقته التي يشاركه السكن فيها طالب طبّ من معارفه. ارتهن سعد البريطانيّ في الشقة وقرر أن يبلغ أمره إلى أنور السادات. ولأن سعد خشي أن يفلت البريطاني من يدي طالب الطب أثناء غيبته هو عن الشقة فقد نصحه بأن يحقن الرهينة بمخدر. وما أن واجه سعد السادات حتى اتضح أن المرتهن ضابط عالي الرتبة في المخابرات البريطانية وأن بريطانيا التي تفاوض المصريين على الجلاء تطالب بجلاء مصيره وتهدد بقطع المفاوضات إن تعرض لأي سوء. وبدل أن يتلقى سعد التقريظ الذي توقعه، داهمه حنق السادات وتقريعه وتهديده إيّاه باقتياده إلى السجن. والأخطر من هذا وقع حين وصل رجال المخابرات المصرية إلى الشقة وعاينوا ما حل بالمرتهن فيها. فقد حقن طالب الطب أسيره بكمية كادت تودي بحياته ولم يبح لنفسه، هو المؤتمن على سر خطير، أن ينقله إلى المستشفى لإسعافه. ولحقت بجسد البريطاني ودماغه أضرار لم يعد من الممكن تلافيها. ولهذا السبب، آثر الجانب المصري مواصلة الادعاء بأن لا علم له بمصير الرجل. ثم طويت المسألة بعد أن عجز الجانب البريطاني عن التقاط أي دليل يدين المصريين. ولم يلبث أن ظهر الضابط في شوارع باريس وقد اعتلّ جسده وفقد الذاكرة. سمعت هذه وغيرها من حكايات سعد من أصدقائي المصريين قبل أن ألقاه. تم تسنى لي أن ألقى غريب الأطوار هذا حين وصل فجأة إلى دمشق، واتصل بي على رقم هاتفي الذي زوده به صديق مشترك، وطلب أن يحلّ في منزلي وصارحني بأنه بحاجة إلى الاختفاء عن الأنظار لبعض الوقت. ومن فم ضيفي، سمعت حكاية جديدة. فقد رافق سعد جماعة من أنصار أحمد جبريل أثناء تنفيذها عملية اختطاف طائرة إسرائيلية في أجواء أوروبا والتوجه بها الى الجزائر. ويبدو أن الصحافي المصري قد رافق الخاطفين دون إذن من المخابرات المصرية التي كانت على صلة بالعملية وأنه اطلع على ما لا يجوز الاطّلاع عليه من أسرار العملية، فصار ملاحقاً. وبقي سعد مختفياً في منزلي، حيث تأسست صداقتنا، إلى أن سُويت أموره مع ملاحقيه. وعندما تقرب سعد بعد ذلك من هيئة عصام العاملة، أوهم زعيم الهيئة بأنه معجب به راغب في أن يصير من أنصاره فمنحه عصام غير الخبير بألاعيب هذا النوع من الصحافيين عضوية الهيئة وأولاه ثقته بعد أن أقسم سعد كما يقسم أي عضو على أن يطيع الأوامر ويصون الأسرار. ولم يحتج سعد إلى وقت طويل ليكتشف ضآلة حجم الهيئة وسذاجة الأفكار التي توجهها، فانطفأ فضوله وترك الهيئة وأطلق لسانه بالسخرية من عصام. نسي الصحافي قسمه، وجانبه الحذر، وأفرط في الاستهانة بالهيئة وزعيمها. ولم يرَ عصام في سلوك سعد أقلّ من مؤامرة دبرتها الرجعية والصهيونية والامبريالية للإساءة إليه وإلى مهمته الجليلة، فاحتسب سعد جاسوساً وتصرف إزاءه على هذا الأساس. وهكذا، اعتقلت الهيئة سعداً وحبسته في مكان معزول وحققت معه وأخضعته لتعذيب قاسٍ، وصدر حكمها عليه بالإعدام. كان من الممكن أن يختفي سعد إلى الأبد لو لم يعلم صديقه وصديقي سعيد حمامي بأمره. وقد حثني سعيد على التحرك لإنقاذ صاحبنا قبل أن يُنفذ فيه حكم الإعدام. وكان أن اتبعنا أقصر الطرق وأنجعها فأبلغنا الأمر إلى ياسر عرفات الذي يعرف سعداً معرفة شخصية منذ كان هو الآخر منهمكاً في عمليات المصريين ضد القوات البريطانية في قناة السويس. وبدوره، اتبع عرفات أقصر الطرق، فأرسل جماعة مسلحة من «فتح» فحررت صاحبنا. ونجا سعد من الإعدام وبقي له من التعذيب تأثير ضربة شديدة تلقاها على رأسه والكوابيس التي ظلت تلاحقه.