يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. لم يكن غريباً، أن تصب إسرائيل جانباً من جهدها الرئيسي في مواجهة نشاطات الفدائيين، وما أكثر ما فعلته إسرائيل في هذا المجال ! وكلما تقدم هذا الجهد وتطورت أساليبه ووسائله، صار التسلل أصعب واشتدت أكلافه، وصارت فرص الحركة في الداخل أصعب وارتفع عدد الضحايا. كثيرون أغارت عليهم الطائرات الإسرائيلية قبل أن يبدأوا الحركة. كثيرون داهمهم القصف وهم على الطرق. كثيرون جابهتهم الكمائن قبل أن يعبروا. كثيرون ردتهم الرشاشات عن مواقع العبور. كثيرون ممن عبروا أرغموا على الارتداد. كثيرون ممن أفلحوا في التقدم اكتشف المترصدون بالفدائيين آثارهم قبل أن يبلغوا أهدافهم، كثيرون جوبهوا بمن يكمن لهم عند الهدف . وفي كل حالة، أصيب فدائيون وسقط شهداء وزادت أعداد الأسرى. صور الشهداء والملصقات التي تمجد تضحياتهم انتشرت في كل مكان، في شوارع المخيمات والقرى والمدن، واكتظت بها جدران المنازل وصارت علامة فارقة. فإن قدمت على حيّ تكثر فيه صور الشهداء فلا بد من أن يكون حياً يقطنه فلسطينيون. وكثرت الجنازات، جنازات حقيقية تتقدمها أجداث الذين سقطوا على الدروب قبل بلوغ المعابر، وأخرى رمزية تكرّم الذين لم يمكن استعادة أجداثهم. وفي كل جنازة، سار ألوف أو عشرات ألوف وراء نفوس مجللة بالعلم الفلسطيني وهتفوا ممجدين الاستشهاد ومحيين الكفاح. وما أوضح ما كان بالإمكان استخلاصه من وفرة الملصقات والجنازات: ضخامة التضحيات واستعداد الجمهور لاحتمال المزيد، وقد كان هذا كلّه ملهماً. ومع تزايد مصاعب التسلل، لجأت الفصائل إلى أسلوب أيسر وأقل كلفة. لم تتوقف عمليات العبور، ولم يفتقر بعضها إلى النجاح، غير أن الأسلوب الجديد حلّ إلى جانب الأسلوب السابق. فقد حصلت الفصائل على المدافع وراجمات الصواريخ، وكان أخصها الهاون والكاتيوشا. وصار بالإمكان توجيه القذائف إلى الناحية الأخرى دون المخاطرة بالتسلل. وغني عن البيان أن القصف عن بعد أحدث من الضجيج أكثر مما أحدث من الخسائر. ثم إن القذيفة المنطلقة عن بعد نحو مستوطنة أو قرية قد تبلغ الهدف وقد تخطئه، خصوصاً حين كان يطلقها مدفعيون قليلو الخبرة. وإن بلغت القذيفة هدفها فهي قد تصيب عسكريين كما أنها قد تصيب مدنيين، خصوصاً حين توجه مطلقيها سياسة لا تنشغل بالتمييز بين الجانبين. أباح الإسرائيليون لأنفسهم، قبل قيام دولتهم وبعدها، استهداف المدنيين، بل إنهم تقصدوا في معظم الحالات استهداف المدنيين بالذات، وبعض هذه الحالات شهير، واستهدفوا من المدنيين أكثرهم براءة. وقد خلّف هذا السلوك أسى مزمناً في الروح الفلسطينية، وصار من الصعب أن يمتنع المقاومون عن إيقاع الأذى بأيّ اسرائيلي. القصف الفلسطيني، خصوصاً ما استهدف من المناطق المأهولة أوقع الرعب داخل إسرائيل، ولإن استطاعت سلطات الاحتلال أن تهون من شأن العمليات التي يباشرها الفدائيون بالتكتم عليها أو التقليل من نتائجها، فقد بدت عاجزة عن إخفاء وقائع القصف المجلجل أو آثاره. وفي ردها على القصف، كثفت إسرائيل غارات طائراتها على المواقع الفلسطينية في الأردن ولبنان حيث لا تواجهها مضادات فعالة، وقامت بغارات قليلة لكنها محكمة على عدد من المواقع الفلسطينية في سوريا. خطر الطيران الإسرائيلي ألجأ القاصفين إلى أسلوب التفخيخ. صارت الصواريخ تُفخخ مع جهاز توقيت يطلقها بعد ابتعاد مفخخيها عنها: أي بعد أن يصيروا بمنجى من انتقام الطيران. ولما لم يكن بالإمكان إحكام توجيه القذائف المفخخة فما أكثر ما كان يقع منها في أماكن خالية. بالرغم من هذا، بقي الضجيج المرعب في حد ذاته، وظل من الممكن أن تقع قذائف في أماكن موجعة. وفي الرد على هذا التطور، شدّدت إسرائيل غاراتها على قواعد الفدائيين ووسعت انتقامها من المدنيين، فزادت الغارات على المخيمات والأماكن المأهولة بالمدنيين الفلسطينيين وغيرهم. ومنذ صار المقاتلون أفضل تدريباً على الاحتماء من الغارات الإسرائيلية، اشتدّ الانتقام الإسرائيلي من المدنيين العزّل خارج الأرض المحتلة وداخلها. في هذه الحرب المتصلة بين العين غير المسلحة إلا بالرموش وبين المخرز الفتاك، كان شيء حقيقي يتشكل، وكانت تنشأ أيضاً أوهام. وبالقدرة الفذّة على الاحتمال ومواصلة العراك الذي لا تتكافأ فيه موازين القوى، نمت على الجانب الفلسطيني مشاعر الثقة بالنفس والاعتزاز بها. وبهذا كما بغيره مما صرت تعرفه، توطدت مكانة م. ت. ف. وفصائلها كما نما التوجه إلى توطيد استقلالها، وصارت المنظمة هي الكيان الذي يجمع الفلسطينيين ويعوضهم الافتقار الى وطن مستقل. وفي مقابل هذا، أدى الاهتمام بالعمل الفدائي إلى تغذية الأوهام بشأن قدراته، كما أدى تشكّي إسرائيل المستمر من مخاطره عليها إلى توسيع هذه الأوهام. ولكي تجد الأوهام ما يسوغها، وفي كل فترة أدت فيها المصاعب المتراكمة إلى تقليص المنجزات الفعلية للعمل الفلسطيني المسلح، اشتدت الحاجة إلى المبالغات وانضاف هذا إلى العوامل الأخرى الحافزة على المبالغة، فاشتط المتحدثون في تهويل الروايات التي يبثونها. والذين رسموا أهدافاً أكبر من القدرات وروجوا شعارات كبيرة ووجدوا أنفسهم بحاجة إلى ما يتباهون به لم يتعففوا حتى عن اختلاق الروايات اختلاقاً. وهنا بالذات أكثر مما في غيره تجلّى خطأ سياسة المزايدة وأخطارها. ولو أن المتحدثين اكتفوا بإبراز ما يتحقق فعلاً لكان فيه، حسب رأيي، ما يكفي لإثارة الإعجاب وتنشيط الهمم واستقطاب الاهتمام والتأييد، وذلك شريطة أن ترسم الأهداف على قدر القدرات. وكان بين آل الحوراني في عمان شخص سأسميه: شحادة. كان هذا شاباً أنهى التعليم الثانوي ولم يتمكن من الدراسة في جامعة إذ لم تمكنه موارد أسرته الفقيرة من الدراسة. وقد بحث شحادة طويلاً عن فرصة عمل، سنة بل سنوات، كان شاباً قوي البنية، طول وعرض ومهابة، وكان نبيهاً فضلاً عن أنه متعلم، إلا أن الفرص ظلت ضئيلة فلم يعرف العمل المريح ولم يستقر في عمل واحد ولم يتوفر له دخل يفي ولو بالضرورات. وفي غضون ذلك، تزوج شحادة كما يتزوج أمثاله، وجاء الأولاد، وانضاف واجب إعالة الأسرة المستجدة إلى واجبه في إعالة ذويه الذين يعيش معهم في منزل واحد، وتكاثفت الأعباء، واشتد العوز. وقد بقي هذا هو حال شحادة إلى أن انضمّ إلى «فتح» فراح الحال يتبدل. ولم يلبث أن طلق شحادة العوز كما طلقه شبان كثيرون من أمثاله. وانتظمت أحواله، وكثر الخير في المنزل المستقل الذي صار له وفي منزل ذويه. في هذا الوقت، تعرفت أنا على شحادة. والذين وصلوني بالشاب قالوا إنه واحد ممن عرفوا كيف يستفيدون من الظروف المستجدة. وعندما سألت شحادة عن موقعه والمهمة التي يتولاها، جمجم جمجمة أثارت فضولي، فحثثته على البوح، فأمعن في الغموض. وكان أن تصورت أن الشاب انضم إلى جهاز الرصد الثوري في «فتح» وطولب بأن يبقى الأمر سراً أو أنه يتولى مهمة سرية أخرى من هذا القبيل. ولم أكف عن الاهتمام بحكاية شحادة إلى أن عرفتها فعرفت بها الكثير الذي سأحدثك حديثه. ففي سعيها إلى الظفر بحكاية تبثها بلاغات المتحدثين العسكريين، اتبعت الفصائل، بين ما اتبعته، أسلوباً قد تجده غريباً إلا أنه كان في ظروف تلك الفترة عادياً. عينت الفصائل مندوبين لها يداومون على العمل قرب جسر الملك حسين، الواصل بين ضفتي الأردن المحتلّة منهما وغير المحتلة ويتسقطون الأنباء من أفواه القادمين من الأرض المحتلة. كان شحادة يتوجه إلى الجسر في الصباح وينافس زملاءه في الاستئثار بأكبر عدد من القادمين واستدراجهم إلى الحديث ويحاول أن يلتقط أي إشارة إلى أي شيء يمكن للمتحدث العسكري باسم «فتح» أن يستفيد منه: ألم تسمع صوت انفجار أو إطلاق نار، ألم تر حريقاً، ألم تصادف ناساً فارّين من ملاحقة أو متوجهين إلى هدف ما ؟ وغالباً ما تحولت الإجابات بنعم إلى بلاغات عن عمليات فدائية : تفجير موقع، أو اشتباك، أو حرق آخر، أو مداهمة، أو ما إلى ذلك مما تواترت حكاياته. ويمضي الوقت، مع حاجة شحادة إلى استرضاء رؤسائه والظفر بمكافآت وعطايا أكثر، صار مندوب الجسر، هذا خبيراً في طرح الأسئلة التي تستدرج إجابات ترضي الرؤساء وتلبّي حاجتهم إلى حكايات جديدة: حدثني قادم جاء من منطقتك أنه صحا في الليل على صوت إطلاق نار، فهل سمعت أنت ما سمعه هو أم أن نومك ثقيل ؟ قال لي ناس من قريتك إنهم أمّنوا الحماية لفدائيين هاجموا المعسكر الإسرائيلي القريب، فهل سمعت أنت هذه الحكاية أم أن أهل قريتك لا يأتمنونك على الأسرار ؟ . ثم يمضي مزيد من الوقت، صار لشحادة كما صار لغيره من المندوبين زبائنه الخاصون به، وصار هؤلاء أقرب إلى المخبرين المواظبين، فهم يتسقطون الأنباء بالطريقة التي يستقطبها هو أو يختلقونها اختلاقاً، ويبلغون إليه الحصيلة، فتتواتر البلاغات. ومن هؤلاء المخبرين من عرف الطريق إلى مندوبين عدّة فكان يكرر النبأ ذاته لكل واحد منهم، فتصدر الحكاية ذاتها في بلاغات أكثر من فصيل واحد وتتخاصم الفصائل حول نسبها. وقد سألت شحادة مرة : «ألا يزعجك أن تساهم في نشر الكذب وتعميم الأوهام الضارة وإفساد الناس؟». فابتسم شحادة ابتسامة الفطين حين يواجه غرّاً وقال بجدية تامة «يا ابن العم ! لم أشبع اللقمة إلا في هذه الأوقات، فهل تريد أن أرجع إلى أيام العوز ويجوع عيالي». لا شك في أن المقاومة الفلسطينية كان فيها متسع للصادقين، متسع فسيح في واقع الأمر. وأنا أعرف كثيرين سلكوا بنزاهة وتحدثوا دائماً باستقامة دون أن يجوعوا أو يجوع أولادهم. قلت هذا لشحادة فأثاره ما عدّه تعريضاً منّي بسلوكه واستفز حاجته لتبرير ما يعمله: «لست أنا الذي يريد الكذب. هم، في مكتب المتحدث العسكري، يريدونني أن أكذب. إنهم يريدون بلاغات، وإذا لم أجئ أنا بالحكايات فما أكثر الذين يتمنون أن يحلّوا محلّي !» . حين كان شحادة يدقق في الروايات في أول عهده بعمله، كان يعود إلى رؤسائه بحصيلة يعدونها هم شحيحة أو يعود خالي الوفاض، فكان الرؤساء يتهمونه بالتقصير ويقرعونه ويعيرونه بأن مندوبي فصائل أصغر من «فتح» أنشط منه وأوفر حصيلة. وكثيراً ما كان رؤساء شحادة يخترعون حكايات من عندهم أو يستقون حكاياتهم من إشارات موحية ترد في وكالات الأنباء العامة حين لا يجيئهم شحادة وأمثاله بما يكفي. قال شحادة : «لم ينبني من الصدق إلا زعل الرؤساء وخسارة المكافآت، فلماذا لا أفعل ما يفعله غيري». أسلوب آخر لجأت الفصائل إليه لزيادة حصتها من الأمجاد. فقد جرت الاستعانة بالذين اكتسبوا مع الوقت تسمية مقاولي العمليات. وكان هؤلاء خليطاً من حسنيي النية وسيئيها، من الراغبين في إزعاج الاحتلال ومن الراغبين في الارتزاق. كان الواحد من هؤلاء يجيء إلى أحد الفصائل ويعرض فكرة عملية وتقديره لأكلافها ويتعهد القيام بها لحساب هذا الفصيل. فإذا دفع الفصيل الأكلاف، أدى المقاول ما تعهده أو أوكل المهمة إلى غيره، أو زعم زعماً أنه أدّاه وظفر الفصيل ببلاغ جديد، ولم يكن من النادر أن يعرض مقاول طماع الفكرة على غير فصيل واحد، فيصدر عن عملية واحدة، منجزة أو مدعاة، بلاغات عدّة ويتبع ذلك اختصام الفصائل على حقوق الأمجاد. وقد جاء وقت كثرت فيه الخصومات التي من هذا النوع وتسببت في إثارة فضائح موجعة. ثم تدخل الحريصون على إطفاء أسباب التوتر في علاقات الفصائل بعضها ببعض، واتفق الجميع على أن يصير حق نشر البلاغ للمتعاقد الأول مع المتعهد. غير أن هذا الاتفاق أبقى ثغرة تعبر منها الخصومات، إذ كيف يمكن التيقن من الأولوية. وانتهى الأمر باتفاق جديد، فصار على أي فصيل مزمع على القيام بعملية أن يودع خطتها في ظرف مغلق عند رئيس المجلس الوطني خالد الفاهوم الذي يكتب على الظرف تاريخ إيداعه لديه. فإذا تبين أن المتعهد باع حق النشر لأكثر من فصيل، ظفر بالحق صاحب التاريخ الأسبق. مرة أخرى، لكي لا تخطئ الفهم، أكرر القول إن المنجزات الحقيقية لم تكن قليلة. إلا أنها السياسات الخاطئة، هي التي أطلقت حمى المزايدة،. فأطلقت المزايدة حمى التهويل واحتاج المهوّلون إلى وسائل فابتكروها. ولقد تعلمت أنا الدرس منذ وقت مبكر: لا يمكن أن ينجم من سياسات خاطئة إلا ممارسات من نوعها. أضرب لك أمثلة : قاعدة في الأغوار، قائمة في مكان تستره صخوره أو تكتنفه أجمة، يشغلها متطوعون اجتذبتهم إلى المقاومة رغبة حقيقية في التصدي للاحتلال، يقودهما مسئول اجتذبته الرغبة ذاتها ففعل ما فعله مرئوسوه فترك مقعد الدراسة في جامعته، أو ترك وظيفته أو عمله الخاص، والتحق بدورة للتدريب وحرص على الاستفادة منها واكتساب أوفى خبرة، فلفت نظر قائد متفهم فظفر بما يستحقه حتى صار رئيساً للقاعدة، فركّز جهده في تنظيم نشاط قاعدته واستبقى فيها المقاتلين الملائمين ونحّى غيرهم، واستثمر الحماس والإخلاص، فقامت القاعدة بما ينبغي القيام به لإقلاق العدوّ، تفحصت الفرص المتاحة بتبصر، واستطلعت الأهداف الممكنة، واستوفت المعلومات اللازمة عنها، وأعدت لعملياتها بإتقان وبما يتلاءم مع الإمكانيات، فنجحت بعض عملياتها وفشلت أخرى، وتم هذا كله بغير ضجيج ودون تبجح. وقاعدة أخرى قائدها لم يلتحق بأي دورة وإذا التحق بدورة فإنه لم يبذل أي جهد لاكتساب الخبرات، بل تزلف وخادع المتنفذين وكسب رضاهم فظفر بمنصب يستحقه غيره. مسئول مثل هذا سوف يفتح أقنية اتصال عديدة مع القادة الكبار والمسئولين عن المال وعن الإعلام، ويختار لقاعدته موقعاً يسهل وصول الزوار إليه والتمتع بالحفاوة فيه، ويغرق مكاتب المتحدثين الرسميين ورجال الإعلام بأنباء عن عمليات تقوم بها قاعدته، ويحرص على استضافة القادة والصحفيين وتوفير الضيافة الباذخة لهم. وإذا وجد صحافيّ حريص على التيقن من صدق الروايات فإنه سيظفر بمعاملة خاصة فيُدعى إلى المكوث في القاعدة وتجري في حضوره نشاطات توحي بالاستعداد لعملية متميزة وبأن أمر تنفيذها قد يصدر في أي لحظة فيتاح له أن يشهدها. وحين يصدر الأمر المرتقب فلا بدّ من أن يكون هذا في عتمة ليل بهيم حين يكون الصحافي غارقاً في النوم، فيوقظ بجلبة، ويتوجب عليه أن يسير مسافة طويلة وهو نصف نائم وعاجز عن الرؤية ثم يجد نفسه وهو يعبر مخاضة ماء فيستخلص أنه يعبر نهر الأردن، فيشتد خوفه ويشتد فضوله في آن، وحين تبرق أمام عينيه التماعات القذائف وتمتلئ مسامعه بضجيجها فيستخلص أنه يشهد اشتباكاً حامي الوطيس. وفي هذا الوضع لا بدّ من أن يسمع الصحافي تحذيرات: انبطح ! أحط رأسك بيديك ! انهض واجر لكن ليس في خط مستقيم ! وحين يعود الصحافي مع العائدين إلى القاعدة لن يكون قد شهد في واقع الأمر سوى مناورة دون أن يقول له أحد إنها مجرد مناورة. وسيكتب هذا الصحافي قصة طويلة. لكن، لأنه ليس بالإمكان خداع الصحفيين كلهم، فقد اتبعت وسائل للتحوط ضد يقظة اليقظين، وفي هذا المجال، اشتهرت الوسائل التي اتبعت مع الصحفيين العرب. فذوو الأهمية من هؤلاء كانوا يستقبلون بحفاوة من قبل قادة الصف الأول ويحاطون بالاهتمام. وفي هذه الحالة، كان القائد يقرّ بوجود السلبيات ثم يتفنن في الحديث عن المصاعب ويخلط بين هذه وتلك في نحو تظهر السلبيات معه كأنها نتيجة المصاعب وليست من فعل فاعل فاسد. والصحفيون الأقل أهمية كان أمرهم يترك إلى قادة الصف التالي، فتفيض عليهم أحاديث هؤلاء، وقد يوكلون أمر أي منهم إلى قائد قاعدة من الصنف المخادع الذي حدثتك عنه. أما الصحفيون غير المهمين فكان يتولاهم الذين يتصيدون أي صحافي ليغرقوه بالحكايات الخارقة، وما كان أكثر هؤلاء ! وفي الأحوال كلها، ظل بالإمكان إطفاء اليقظة بالرشوة حين لا تنفع الوسائل الأخرى. وهذه لم تكن تسمى بالطبع رشوة، فهي نفقة رحلة، أو هدية، أو مكافأة لقاء أتعاب، أو دعم لصحيفة الصحافي، أو ما شئت من الأوصاف اللائقة، وأكثر الرشوات فتكاً بالضمائر كانت تدفع لذوي الأسماء الكبيرة في الصحافة ويقول دافعها لمتلقيها: أعرف أن قلبك معنا، وأعرف أن يدك نظيفة، ولهذا السبب اخترتك أنت بالذات لمساعدتنا، والمبلغ الذي أسلمه لك موضوع بتصرفك لمعالجة الصحفيين الذين لا يخدمون أحداً إلا إذا قبضوا، أنت أعرف منا بأبناء المهنة وأرجو أن تؤدي لنا هذه الخدمة ! وفي ذاكرتي أسماء صحفيين كبار اغتنوا بهذه الوسيلة. أما الصحفيون الأجانب، أي غير العرب، فقد اختلف أمرهم. مراسلو المؤسسات الإعلامية التابعة للدول الاشتراكية لم يحظوا إلا بالقليل من العناية الخاصة. استقر في الأذهان أن هؤلاء يتبعون التعليمات التي تمليها حكومات دولهم على صحافتها فلا حاجة للعناية بأشخاصهم. وقد غلبت روح الاستهانة بهؤلاء ودورهم ولم يكونوا بمعظمهم مرحباً في مجالس القادة الفلسطينيين إلا حين يكون أحد القادة في صدد التوجه في زيارة إلى دولة الصحافي الاشتراكي أو إيصال رسالة غير مباشرة إلى حكومتها. وكان لي في هذه المسألة رأي مختلف عن السائد. وعندي الصحافي هو الصحافي ودوره مؤثر في الرأي العام في بلده ومؤثر على صناع القرار فيه إن كانت مؤسسة حكومية أو خاصة وأياً ما كانت عليه صفة النظام القائم في البلد. وقد تعاملت مع صحفيي الدول الاشتراكية بوصفهم، على العموم، أصدقاء للشعب الفلسطيني راغبين في إيصال صوته إلى جماهير بلادهم. ولأني حررت نفسي من تهيب الاتهام بالتبعية، فقد تعاملت مع الأصدقاء بما يستحقه الأصدقاء وفتحت لهم أبواب منزلي ومكتبي كما فتحت لهم قلبي ومخزن معلوماتي ومكنون عقلي. آثرت هؤلاء بهذا كله على غيرهم من الأجانب، بل عاملتهم كما أعامل أصدقائي من الصحفيين العرب، واكتسبت ثقة كثيرين منهم. وها أنا ذا أتذكر صديقاً من هؤلاء عزيزاً عليّ هو التلفزيوني الهنغاري ألايوسن كرودنياك. درس آلايوسن اللغة العربية وأتقن التحدث بها بطلاقة قلما توفرت لمستعرب ودرّس هذه اللغة في جامعة بودابست لبضع سنوات قبل أن تجتذبه مهنة الصحافة فيتفرغ لها. وحين تعرفت أنا على ألايوسن كان هو صاحب برنامج بانوراما نصف الشهري، ولعله أشهر برامج التلفزيون الهنغاري وأشدها اجتذاباً للمشاهدين ومشتري البرامج الهنغارية. تميز ألايوسن بفطنة ظاهرة وذكاء حاد وانفتاح ذهن واسع، كما تميز بالجرأة في متابعة الأحداث وملامسة المواضيع الحساسة وارتياد مناطق الخطر. وقد اجتذبت سخونة الأحداث التي تواترت في منطقتنا منذ العام 1967 ألايوسن هذا، فكثرت زياراته وتعرفت أنا عليه في دمشق في وقت ما من العام 1969. لقائي الأول به تم في سفارة بلده في العاصمة السورية. دعتني السفارة لحضور استقبال نظم تكريماً لوفد رسمي ترأسه سيدة عضو في قيادة الحزب الشيوعي الهنغاري، وكان هو هناك، وهو الذي تولى ترجمة حواري مع السيدة. وكان أن سألتني هذه السيدة عن رأيي في نشاط السفارة فأجبت، محملاً نبرة صوتي المغزى الذي توخيت إبرازه : «إنها المرة الأولى التي أعرف أن لبلدكم سفارة في دمشق». وأعجبني أن الترجمة نقلت المغزى بتمامه. ولئن بُهتت السائلة فلم تطرح أي سؤال آخر وسخط الغير فصمت، فإن ألايوسن امتدح صراحتي. فكانت تلك بداية طيبة لعلاقة بين صحفيين يعشقان الجهر بالحقائق ولا يقيمان وزناً للياقات الدبلوماسية. يومها، طلب ألايوسن أن أجمعه بواحد من قادة «فتح» النافذين، لم يكن أبو عمار أو أبو إياد أو أبو جهاد أو أبو سعيد في البلد. ومحمود عباس «أبو مازن» عدّ استقبال صحافي من هنغاريا مضيعة للوقت. ولم تنفع محاولتي إقناعه. وكان هؤلاء هم الذين أعدهم أنا النافذين من أعضاء لجنة «فتح» المركزية من بين الذين يمكن العثور عليهم في دمشق. ولكي لا أخيب رجاء الهنغاري أو أظهر أمامه بمظهر العاجز، اتصلت بفاروق القدومي «أبو اللطف»، صاحب «إخرس يا قلم»، فقد كان بعد أي حساب عضواً في اللجنة المركزية وكان قد بدأ يبرز بوصفه واحداً من القادة الفتحاويين الذين يلتقيهم الصحفيون. رحّب القدومي بطلبي إلا أنه اشترط أن أقدمه باسم إبراهيم المغربي؛ وضع الشرط مسبقاً لمعرفته أني أستسخف استخدام اسم حركي لرجل يعرف الجميع اسمه الحقيقي أكثر مما يعرفون الاسم الذي يتستر به. ولعلّي بسبب هذا أهملت الشرط حتى نسيته، ولم أبلغه إلى صاحبي الهنغاري. جئت بالهنغاري في الموعد. وكان أبو اللطف في الانتظار وقد أعد نفسه إعداداً خاصاً: البذلة الخاكية، والكوفية الحمراء التي تغطي الرأس وأجزاء من الوجه، والنظارات الداكنة، والمسدس، وحزام الذخيرة في الوسط، وما إلى ذلك. وبدأ أبو اللطف بمصافحتي أنا ضاغطاً على يدي ضغطة أرادها ذات مغزى، وقدم نفسه بصوت جهير قبل أن أقدمه أنا: إبراهيم المغربي، فلم يعد من اللائق أن أقول للهنغاري أننا في حضرة فاروق القدومي. وظن الهنغاري أننا إزاء واحد من مساعدي القائد الفتحاوي وتعامل معه على هذا الأساس ؛ صافحه بغير تركيز واستجاب لدعوته إلى الجلوس ثم بقي صامتاً منتظراً أن يظهر فاروق القدومي. ولما لم يظهر أحد بل شرع أبو اللطف فيما بدا أنه سيكون كلاماً طويلاً، تساءل الهنغاري: «ألن نقابل السيد القدومي ؟». وجاء الرد: «فاروق القدومي انتهى منذ انتسب إلى الثورة، الكفاح المسلح خلقه خلقاً جديداً، أنت الآن أمام إبراهيم المغربي». ولم أملك أن أكتم ضيقي بالأداء المصطنع، فعقبت بغير حذر: «اخرس يا قلم ولعلع يا رصاص !» ثم ندمت لأني ظننت أن تعقيبي سيسوء الرجل. إلا أن المفتون بزيّ المقاتلين لم يفطن إلى السخرية بل قال بنبرة متأنية : «تمام !»، ثم جلجل: «الكلام للرصاص أحسنت يا رفيقي القديم !». والتقط الهنغاري دلالة هذا الحوار كلها وقال ببرود: «أوه، أنت، إذاً أبو اللطف !».ابتدأ ألايوسن المقابلة التي سجلتها كاميرا التلفزيون بالتساؤل عن مغزى إصرار «فتح» على اعتبار الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، مضمناً التساؤل استغرابه لاستبعاد الوسائل الأخرى. فجاءت الإجابة شرحاً ختمه أبو اللطف بسؤال يتضمن دهشته إزاء استغراب السائل: «ألا تنبع السياسة من فوهة البندقية ؟». فطرح ألايوسن سؤاله التالي : «هل تعدّ نفسك ماوياً؟». وكانت الماوية حين يذكرها شيوعي من بلد اشتراكي أوروبي معدودة تهمة. إلا أن القدومي لم ينتبه إلى هذا المرمى، فقال : «ماوتسي تونغ على الرأس والعين، قائد فذ لشعبه، ونحن نستفيد منه ونقتدي بمسيرته الكبرى». ويبدو أن الهنغاري شاء أن يتيقن من صواب ما استخلصه، فطلب من القائد الفتحاوي المفتون بالماوية أن يحدثه عن برنامج «فتح» الاجتماعي. وعند هذا السؤال ، اتخذ القدومي هيئة المرغم على التكتم : «لماذا تريد أن تعرف هذا البرنامج ؟». فقال ألايوسن مظهراً دهشة ممزوجة باستخفاف ظاهر بمحدثه: «أنا صحافي، مهنتي تتطلب أن أتعرف على مواقف الآخرين». ولم يبدل القدومي هيئته بل أمعن في التكتم: «نعم لنا برنامج اجتماعي، إلا أننا لا نعلنه». وقبل أن يطرح السائل الذي اشتد اندهاشه أي سؤال جديد، أضاف القائد: «إعلان برنامجنا الاجتماعي سيؤدي إلى وقوع خلافات حوله فيؤثر على وحدة حركتنا. المرحلة مرحلة كفاح مسلح ينهمك فيه الجميع. أما الإعلان عن البرنامج الاجتماعي فيجيء بعد التحرير وليس قبل ذلك». بعد هذا الإيضاح، أشار ألايوسن إلى رجل الكاميرا كي يوقف التصوير، ثم لم يتحفظ في إظهار استهانته. وها أنا ذا أتذكر كيف وقف صاحب القامة الطويلة الرشيقة، وكيف ملأت ابتسامة فصيحة الدلالة وجهه، ثم كيف توجه نحو محدثه وأحاطه بذراعيه كما يفعل المرء مع طفل أوقفته سذاجته في خطأ، ثم كيف قال : «طمأنتني، فأنا أعرف الآن أنك لست حتى ماوياً»، ولدهشتي أنا الذي تحرجت إزاء سخرية الصحافي بالقائد الذي قدمته له، لم ينتبه القدومي إلى ما تنطوي عليه العبارة من تعريض به، بل عدّها مديحاً، وازدهى، وقال: «نحن في الثورة الفلسطينية هكذا، نأخذ ما يفيدنا من أي نظرية ونحتفظ بنظريتنا الخاصة». بعدها، واصل ألايوسن الحديث دون تصوير وأباح لنفسه أن يتحدث بصفته صديقاً للمقاومة الفلسطينية، فتبسط في عرض آرائه وأطلق لصراحته العنان على آخره. وفي ختام حديثه، عاد ألايوسن إلى حكاية الماوية، لم يسخر بل تكلم بجدية: «ماو، وحزبه، وحكومته، على ما بيننا وبينهم من خلافات، لهم برامج معلنة، وهم لا يعتمدون على البندقية وحدها». قال الهنغاري هذا، ونهض وهو يمد يده للمصافحة ويهتف: «يا سيد إبراهيم المغربي، لقد استمتعت بلقائي بك». أما القدومي الذي صافح مودعه دون أن يخفي برمه فقد أنطقه ضيقه بكلام وجهه إلي أنا «لماذا تجيء إليّ بأعداء الكفاح المسلح الموافقين على وجود إسرائيل هؤلاء. لا أريد أن أرى وجه صاحبك مرة ثانية». نسي المتستر غير الفطن أن صاحبي المومأ إليه الواقف بجانبنا يتقن العربية. وكم أثر فيّ رد الصحافي الأريب، فهو لم يظهر أي حنق، بل فرد على وجهه ابتسامة ملأته وقال للحانق عليه: «أما أنا فسأسعى إلى مقابلتك مرة أخرى حين ترغمك التجربة على تبديل رأيك». وفيما القدومي مبهوت وقد فطن إلى قلة فطنته، قال ألايوسن وهو ما يزال يبتسم: «آمل أن تكون عندما ألقاك ثانية قد اقتنعت بأن السياسة الصحيحة هي التي تنبع من الفهم الصحيح للمصالح، وليس من فوهة بندقية ولا فوهة بركان». الوافدون من المؤسسات الصحافية الغربية الكبيرة كانوا عصيين على الرشوة، ولا أظن أن ناس المقاومة الفلسطينية نجحوا في رشوة كثيرين منهم. بعض الوافدين من الغرب كانوا مندوبين لصحف تصدرها هيئات يسارية متطرفة صغيرة وفقيرة، وهؤلاء كانوا مؤيدين للمقاومة راغبين في عمل شيء ينفعها لكن تأثيرهم على الرأي العام في بلادهم كان ضئيلاً. وكان قصارى ما يمكن أن يتلقاه الواحد من هؤلاء أن يستضيفه إعلامي فلسطيني ليقيم في منزله وأن تبيح له مكاتب الإعلام استخدام وسائل الاتصال المتوفرة لديها دون مقابل. موفدو صحف الأحزاب الشيوعية ذات الوزن في دولها، الفرنسي أو الإيطالي على سبيل المثال،كانوا هم الآخرون مؤيدين للمقاومة بدرجة أو بأخرى وكانوا يعدّون تغطية انبائها أو ترويج ما يرونه إيجابياً من أفكارها خدمة أممية يملي الواجب عليهم أداءها، وكان ناس المقاومة ينظرون إلى هؤلاء وكأن ولاءهم مضمون فلا يخصونهم بعناية زائدة. أما الذين حظوا بأتمّ الاهتمام فكانوا من موفدي المؤسسات الصحافية الغربية الكبيرة، الأوروبية والأميركية، وخصوصاً الناطقة بالإنجليزية أو الفرنسية. وهؤلاء لم يكن من المتعذر رشوتهم فحسب، بل كان من الصعب أيضاً تضليلهم. لم يكن هؤلاء هم الأذكى أو الأكفأ بين صحفيي العالم، كما أشاع مفتونون غير مدققين، بل إن مواقفهم المسبقة ضد المقاومة حصنتهم إزاء دعايتها. كان الواحد من هؤلاء يبحث بحثاً مثابراً عن السلبيات ويغفل الإيجابيات متعمداً، ومنهم من وضعت مؤسسته في تصرفه ميزانيات مرموقة للحصول على ما يتوخاه من معلومات. وأقل هؤلاء انحيازاً ضد المقاومة كان هو الذي قد يذكر الإيجابي إلى جانب السلبي، لكنه يمر على الإيجابي مرور الكرام ويسلط قلمه على السلبيات. غير أن الأمر حتى بين هؤلاء لم يخل من استثناءات، من صحفيين غربيين تمتعوا بدرجة عالية من النزاهة وأكسبتهم متابعتهم لمسائل الصراع العربي - الإسرائيلي وشئون المنطقة الرغبة في إنصاف الضحايا. وها أنا ذا أتذكر من هؤلاء الصحافي البريطاني مايكل آدامز وتقاريره في «الغارديان» اللندنية. زار مايكل قطاع غزة المحتل أواخر العام 1967 أو أوائل 1968. وكان مايكل إلى نزاهته شجاعاً، فتحدى المشاعر المنحازة إلى إسرائيل ووصف ما عاينه، وحكم بأن سلوك المحتلين الإسرائيليين لا يختلف عن سلوك النازيين الذي عاينه بنفسه. وبعد غزة، زار مايكل مصر ثم لبنان، واعتزم زيارة سوريا. تصور الصحافي الذي صار هدفاً للإعلام المؤيد لإسرائيل أن أبواب سوريا مفتوحة له، لكنه عند الحدود فوجئ بأن دخوله إلى البلد، هو الصحافي البريطاني، متعذر ما لم يحصل على إذن مسبق من وزارة الإعلام وتأشيرة دخول. ويبدو أن أحداً ما في القاهرة أو بيروت كان قد زود مايكل برقم هاتفي فاستنجد بي. واستنجدتُ أنا بوزير الإعلام. ولم يدهشني أن الوزير لم يعرف من هو صاحب هذا الاسم، مايكل آدامز، فمعظم وزراء الإعلام جاء من مواقع لا صلة لها بالمهنة. وعوّلت على شيء واحد: أن يقتنع الوزير بسلامة دوافعي حين أخفّ لإنجاد صحافي من دولة إمبريالية، أنا الذي لا يتهمني أحد بالانحياز إلى هذه الإمبريالية أو التقصير في مقارعتها. وكان مما دل على حسن السلوك أن مايكل جاء إلى مكتبي في «البعث» ليشكرني. وشئت أن يظفر الرجل بأوفر الإحترام، فطلبت من رئيس التحرير أن يستقبله. وكان هذا آنذاك هو د. ناجي الدراوشة وهو مثله مثل الوزير لا يعرف من هو الزائر وقد تهيب استقبال صحافي بريطاني ولم تنفع شروحي. وتكرر الأمر بصورة أو بأخرى مع مسئولين بعثيين آخرين. أما في أوساط المقاومة الفلسطينية فقد لقي مايكل أتم الترحيب. وقتها، كتب مايكل بإفاضة عن جولته هذه، إلا حين تعرض لحكام سوريا البعثيين، فقد أوجز الوصف: «يحكون كثيراً، ولا يفعلون إلا القليل».ديفيد هيرست بريطاني من «الغارديان» أيضاً، جاء إلى المنطقة وأقام فيها واستغرقته شئونها. تمتع ديفيد بدرجة عالية من النزاهة، وقد لا أبالغ إن قلت إنه أنزه من لقيت في حياتي من الصحفيين الغربيين. وتميز ديفيد بحرص شديد على تدقيق أي معلومة تصل إليه والتثبت من صوابها، ولم يكن من السهل تضليله. وظل هذا الرجل عصياً على الفساد، ولم يركن في أي شيء يكتبه إلا إلى نوازع ضميره. إذا نحينا الاستثناءات، فسيبقى العام. وقد تبنى الإعلام الغربي مقولة أن إسرائيل هي الضحية التي تدافع عن نفسها إزاء العرب الذين يعتدون عليها ويهددون وجودها. وفي هدي هذه المقولة، ضؤل الاهتمام بالمدلولات الصحيحة للوقائع بما فيها الوقائع التي يشاهدها صحافي بأم عينه، وأهملت حقيقة أن إسرائيل هي التي تعتدي على العرب وتحتل في كل اعتداء أجزاء جديدة من أرضهم وتزرع الدمار والبطش وتشرد المواطنين أو تروعهم وتذلهم. ومن الحق الإقرار بأن الأقوال المتبجحة والدعوات المزايدة في الجانب العربي قد استخدمت بما هي أدلة تسوّغ هذه المقولة. غير أن أقوالاً ودعوات من هذا النوع لم يكن لها أن تقلب صورة الواقع رأساً على عقب لو لم ينحز الغرب لإسرائيل وتتفق مصالحه مع مصالحها في العدوان على العرب والعمل على إخضاعهم، ولو لم تتجند الصحف المحتلة لهذه المصالح في حملة ضارية قوامها التضليل. وقد وفرت اللغة الفلسطينية المزايدة الكثير مما يبحث عنه صحفيون منهمكون في الحملة. لكن هذا لا ينفي أن هؤلاء أغفلوا حقائق لا يغفلها إلا منحاز: هوّنوا من وقائع العدوان الإسرائيلي الصارخة وتصيدوا أخطاء مقاوميه.