فازت الممثلة اللبنانية برناديت حديب بجائزة «أفضل ممثلة» في البينالي السادس للسينما العربية الذي ينظمه معهد العالم العربي في باريس عن دورها في فيلم «لما حكيت مريم» للمخرج أسد فولادكار. عرف الجمهور اللبناني والعربي الممثلة حديب في أعمال مسرحية مميزة عدة، وفي عدد قليل جداً من الادوار التلفزيونية. لكنها ظلت بعيدة عن السينما، وهي لم تشعر أساسا بميل قوي نحوها لأن شخصيتها ومزاجها وقدراتها التقت اكثر مع خشبة المسرح.لكن رب صدفة خير من ألف ميعاد. فدخلت الى الشاشة الفضية للمرة الثانية عبر دور ثانوي وهامشي جداً، لكنه مؤثر بامتياز في فيلم «زنار نار» وهو الروائي الطويل الأول للمخرج الموثق بهيج حجيج. وقبل ذلك كان دورها الأول سينمائياً حتى الآن في «لما حكيت مريم» وهو أحد الفيلمين اللبنانيين اللذين شاركا في بينالي السينما العربية الى جانب «أرض مجهولة» لغسان سلهب. تقول برناديت ان جائزة البينالي أثارت فيها فرحاً لا يوصف، لماذا؟ تجيب: «الواقع ان فرحتي بها ازدادت حين وقفت الى جانب محمود عبدالعزيز (الفائز بجائزة أفضل ممثل عن دوره في «الساحر» للمخرج المصري الراحل رضوان الكاشف). لم استطع ان أتخيل المشهد. بدا لي الأمر غريباً ورائعاً في وقت واحد: أنا أفضل ممثلة، ومحمود عبدالعزيز أفضل ممثل، كيف لي ان أقف الى جانبه، وهو الذي مضى عليه ثلاثون عاماً من التمثيل والاحتراف، وأنا الفائزة عن دوري السينمائي الأول. هذا أمر أعتز به كثيراً، والجائزة مهمة جداً بالنسبة لي. ولعل ما زاد من فرحتي ايضاً ان الجائزة كانت بمثابة «فأل خير» حيث تلقيت بعدها عدة عروض للتمثيل والعمل. توضح: «رشحت لتجربة اداء مع مخرجة سويدية، فزرت القاهرة لهذا السبب، حيث تم الاتفاق لأداء الشخصية. المخرجة السويدية اسمها «ايفا برغمان» وهي بصدد اخراج مسرحية «حلم ليلة صيف» لشكسبير. والعمل سيبدأ مع مطلع عام 2003 حيث سأكون في الاسكندرية للتمارين، أما مدة العرض فمن المقرر ان تستمر لـ 3 أشهر، ومن ثم ينتقل العمل الى السويد، مع العلم ان المسرحية باللغة العربية. وهناك ايضاً مسرحية اخرى يتم تحضيرها مع عصام أبوخالد، وهو عمل لبناني فرنسي مشترك، لكنني لا أريد الدخول في تفاصيله حاليا بانتظار نضوجه. ثمة صدفة جميلة حدثت معي في باريس، فقد عرض عليّ قراءة سيناريو للمخرج الفرنسي فريدريك لوران الذي سبق له ان صوّر العديد من الافلام القصيرة وهو الآن بصدد تصوير أول فيلم طويل له. وإذا أعجبني السيناريو فسأكون أمام مشروع سينمائي فرنسي قريباً. ومن تلك المشاريع الجديدة ايضاً انتهاء برناديت حديب من تصوير مشاهد خاصة بدورها الثانوي في فيلم سينمائي ثان لها هو «زنار نار» لبهيج حجيج: «دوري صغير للغاية، فالفيلم ليس من بطولتي، انه دور امرأة مهجرة، حامل، ولديها ابن وحيد، وجدت في مكان ما مع شخص غريب (بطل الفيلم). هناك تفاعل ما مع هذا الرجل الذي يعاني فراغاً روحياً وعاطفياً خلال الحرب اللبنانية. أما هي، فلا حول لها ولا قوة، فهي تعاني ايضاً من فراغ كبير اثر وفاة زوجها. ما أغراني للموافقة على هذا الدور، فكرة اللقاء بين هاتين الشخصيتين، والجو العام الذي يظللهما معاً. أتصور ان هذه الشخصية «المرأة الحامل» هي اكثر شخصية حقيقية وموجودة في الفيلم بالنسبة الى الرجل، فقد فرضت عليها ظروف الحرب التهجير، ولم يكن لها من تلجأ اليه إلا «عبدو» قريبها الذي يعمل ناطوراً والذي اراد استغلالها، حيث وضعها في منزل مع رجل لا تعرفه. ومع كل الظروف التي تعيشها عاطفياً ومادياً، فهي لم تستسلم، لا للناطور ولا للرجل الذي سكنت معه في الشقة، لقد أرادت القول، عبر هذا الدور، انه حتى وان كانت المرأة وحيدة وضعيفة يمكنها التمسك بارادة قوية، يمكنها ان تقول لا لكل من يزعجها. وفي النهاية لا وجود برأيي لدور صغير وآخر كبير، وأي دور نعطيه حقه فهو لاشك سيجد مساحته ضمن الفيلم. لكل سينمائي شلة ذلك ما حصل من عروض وأعمال جديدة أعقبت فوزك بجائزة أفضل ممثلة في باريس، لكن بصورة اكثر شمولية: ما الذي تنتظرين القيام به وتتوقعينه بعد الجائزة؟ ـ لو كانت الأمور بيد الممثل، لكان الوضع أفضل، ولكن الانتاج أكثر غزارة. هنا أقصد السينما والتلفزيون وليس الحركة المسرحية، فالأمور بالتأكيد مرتبطة بحركة الابداع الفنية في لبنان.. لكن المعروف ان الانتاج عندنا ضئيل جداً، وهو ان وجد، يكون محصوراً بعدد من المنتجين والمخرجين الذين يعملون ضمن جماعتهم، ولذلك يبقى الكثيرون خارج دورة الانتاج هذه، ولسبب واحد هو «عدم الانتماء الى مجموعات أو شلل»! وهذا ما ينطبق على السينما في لبنان، إذ لم يكن انكفائي عنها سابقاً ارادياً بل لأن المحسوبيات عندنا كثيرة، أي ان لكل مخرج أو كاتب مجموعته الخاصة التي تلتف من حوله، وتعمل دائماً معه. لذا تكرر الوجوه نفسها تقريباً في الأعمال اللبنانية كلها. لهذا السبب، كانت شخصية مريم في فيلم «أسد فولادكار» دوري السينمائي الأول. أضف الى ذلك ألا سينما في لبنان. المحاولات القليلة والتجارب متواضعة بالنسبة اليّ، اعتبر ان هذا الأمر تجربة وليس فيلماً بمعنى كونه فيلما خاضعاً لشروط الشاشة الكبيرة ومتطلباتها. ـ اذن كيف حصلت الممثلة الشابة على الدور؟ ـ صديق لي رشحني للمشاركة في تجربة أداء، وكممثلة محترفة أحترم كثيراً قيام المخرج بمثل هذه التجربة. وافقت، نجحت في «الكاستنغ» ووافقت على الدور. بعد ذلك كله قال لي أسد ان شكلي لا يتطابق مع الشخصية، لم يشعر لحظة بذلك. لكنه في تجربة الأداء فوجيء بي، إذ انه كلما كان يطلب مني تغيير الانفعال والاحاسيس، كنت أعطيه ما يريد. لهذا طلب مني تمثيل الدور. ـ لكن هل وافقت الممثلة على دور لأنه أعجبها أو لأنه الدور السينمائي الأول؟ ـ بصراحة لم تكن شروط العمل مناسبة للموافقة لا على الصعيد المادي ولا بالنسبة الى وقت التصوير، إذ كان موعد بدء التصوير قبل عرسي بأسبوع واحد. بمعنى آخر، هناك أمور عدة تضاربت مع الموافقة، غير ان الشخصية نفسها أثرت بي كثيراً. فبعد قراءتي السيناريو شعرت بأن الدور يعنيني، وان وجع المرأة العربية واللبنانية يخصني، فهذه الشخصية عاشت مثل نساء عربيات كثيرات، وعانين ما عانينه سابقاً والآن. لذا فإنه من الجيد والجميل ان يتم تسليط الضوء على هذا الموضوع، بغض النظر عما إذا طرح الفيلم حلاً أم لا، فالعمل وضع اصبعاً على الجرح، لهذا وافقت على المشروع. لما حكيت برناديت ـ إذن فكرة الفيلم «لما حكيت مريم» اعجبتك منذ البداية.. ما رأيك به بعد مشاهدته في باريس؟ ـ لم تخف الممثلة الشابة حقيقة انها شاهدت «لما حكيت مريم» في باريس للمرة الأولى كفيلم سينمائي، إذ ان تصويره تم على أساس «فيديو ديجيتال»، على الرغم من مشاركته في العديد من المهرجانات، بصراحة أقول لك اني شخصياً لا أحب نفسي في كل ما مثلته تلفزيونياً وسينمائياً. في المسرح، لا أشاهد نفسي على الخشبة حتى ولو تم تصوير العمل المسرحي، فأنا لا أستطيع معاينة نفسي كما يجب، وبالتالي لا أستطيع ان أحكم عليها كممثلة مسرحية. اجمالا، لا أحب نفسي ولن أحبها في أي عمل أمثله. ربما لأني اركز بقوة على ما فعلته في الفيلم. انتقد نفسي هكذا: لماذا فعلت هذا هنا؟ لماذا التعبير عن الاحساس ضئيل هناك؟ باختصار انتقد نفسي كثيراً وهذا ما يجعلني أكرهها. أضافت حديب: لكني تعلمت خلال عشر سنوات ان احدى عشرة سنة من العمل في هذه المهنة، ان رأيي غير مهم. إذ الأهم هو رأي الجمهور لأنه يراني «صح» اكثر مما أرى نفسي. تماماً كما يحدث معي حين اشاهد الاخرين «صح» اكثر مما يشاهدون هم أنفسهم». ـ ماذا عن الفيلم؟ ـ «اولا، انجز الفيلم في ظروف صعبة جدا، اقول هذا الامر كي اكون موضوعية. والصعوبة تكمن في نواح عدة: تم تصوير المشروع خلال خمسة عشر يوما فقط، علما ان الحد الادنى الذي احتاجه العمل لا يقل عن شهر واحد. الظروف الانتاجية صعبة، والتقنية أصعب. في ظروف كهذه، اقول ان الفيلم جيد. كان يمكن ان يكون افضل من ذلك بكثير، لو توفرت له ظروف طبيعية». ـ ما العناصر المؤثرة في ترشيحك لدور «مريم» من قبل المخرج اسد فولادكار؟ ـ لم اكن اعرف المخرج فولادكار سوى بالتحية، والمدير الفني للفيلم هو الذي رشحني للقيام بتجربة الاداء.. وكأنها تذكرت أمرا مهما، توقفت للحظات قبل ان تقول: من وجهة نظري ليس من الضروري ان يكون الممثل الناجح مناسبا لكل الادوار، او ان يتلاقى مع نظرية المخرج ورؤيته للدور. بعد التجربة بأيام، اتصل بي المخرج لعقد اجتماع عمل وقال لي بكل صراحة، انه لم يكن قد فكر بي لدور «مريم» وانه اجرى اختبارات للكثير من الممثلات.. ثم قال لي بالحرف «تجربة الاداء معك اشعرتني بأنك مريم، ففي كل مرة كنت اعطيك مفتاحا، كنت تعطين في المقابل ما اريده».اما بالنسبة لي شخصيا، فقد تعلقت بالدور منذ قراءته، ورغبت بتجسيد شخصية «مريم» لشدة ما تركت في اثر من نفسي، وذلك لانها شخصية فيها الكثير من المقاومة. ـ السيناريو يدخل بشكل حميم الى تفاصيل حياة المرأة العاقر. فهل انت متضامنة مع هذا النموذج من النساء؟ ـ «مريم» لم تترك اثرها في نفسي لكونها عاقرا، بل ان اي موضوع خاص بالمرأة ارغب بتجسيده، خصوصا وان مجتمعنا يعج بمثل تلك النماذج، انه مجتمع يقهر النساء، ويهمشهن.. بارادة او بغير ارادة. كما ان هناك تعتيما على القضايا التي تمس حياة النساء.. تضامنت مع «مريم» لانها عاقر بل لانها تعيش معاناة كبيرة، يفترض ان تسلط الاضواء على موضوعات حساسة جدا كموضوع «مريم» لان مجتمعنا فيه الكثير من هذه الحالات، ومن الممكن عرض هذه الموضوعات من دون طرح الحلول، وهذه الأخيرة نتركها للناس. اصداء اوروبية ايجابية ـ ان اتيح لفيلم «لما حكيت مريم» ان يعرض في الدول العربية، فهل يمكن ان يفتح لك ابواب التمثيل خارج لبنان؟ ـ لست شديدة الطموح للتمثيل خارج لبنان، واملي ان استمر في التمثيل في لبنان اولا. لكني ارغب بأن تتم مشاهدة الفيلم على نطاق جماهيري واسع نظرا لاهمية موضوعه نظرا لردة فعل كل من شاهده. كما ان الكثيرين من المنتجين والموزعين وكبار النقاد الذين كانوا في باريس خلال المهرجان رحبوا بالفيلم، ومنهم رفيق الصبان الذي قال انه من الضروري عرض الفيلم في مصر، ذلك لان الفيلم، من قبل النقاد، اعتبر نقلة نوعية في السينما اللبنانية. اما بالنسبة لي فان عرض الفيلم على نطاق تجاري واسع سيكون امرا ايجابيا، خصوصا وانه اول فيلم امثل فيه دور البطولة. ـ عندما عرض الفيلم على نطاق ضيق في لبنان، كتب عنه النقاد بشكل ايجابي. الم يكن هذا امرا مشجعا لك حتى تحلمين بالفوز كأفضل ممثلة؟ ـ الى جانب العرض الضيق في لبنان، عرض الفيلم «لما حكيت مريم» في مهرجان الافلام الاوروبية، وقد سمعت اصداء جيدة عنه وعن دوري فيه. من المؤكد ان كلام النقاد يعتبر مشجعا، ويرضي الممثل الذي يتمنى ان يكون اختياره دائما صحيحا، فالممثل، مع كل عمل جديد يقدم عليه، يخشى ان يسجل خطوة الى الوراء في حياته المهنية. لا انكر ان كلام النقاد مفيد جدا، لكن مهما يكن، يبقى الناقد فردا وليس جمهورا». ـ ومع ذلك، فان لجنة التحكيم في أي مهرجان تتكون من مجموعة افراد وليس من الجمهور؟ ـ «صحيح.. لكني سبق وقلت بأني نلت جائزتي من جمهور مهرجان معهد العالم العربي قبل جائزة لجنة الحكم التي اشكرها، ومع تأكيدي اني لا اعرف احدا منها سوى نور الشريف الذي كان في لجنة تحكيم مهرجان المسرح التجريبي في القاهرة الذي منحني ايضا جائزة افضل ممثلة مسرحية وحتى هذه المعرفة، لم تكن شخصية». ـ جائزتك الأولى كانت من تونس كأفضل ممثلة واعدة.. وأنت الآن مع جائزة «افضل ممثلة». فما هو دور هذه الجوائز في حياتك الفنية؟ ـ بصراحة، الجائزة مفرحة جدا في لحظة نيلها، ومن شأنها ان تشعرنا بتقدير الآخرين للجهود التي نبذلها في سبيل الوصول الى اداء جيد. الجائزة داعم حقيقي، كما انها ترفع المعنويات.. انها مهمة جدا على الصعيد المعنوي. بعد نيلي لجائزة المسرح التجريبي في القاهرة، كرمتني نقابة الممثلين بالتعاون مع وزارة الثقافة في لبنان، وقلدتني درعا.. كل هذا مهم على الصعيد المعنوي».