لم تنته مشاعر الاحترام التي كان يكنها الاميركيون في السابق للثقافة والأخلاق والحكمة الأوروبية وحسب، وانما تحولت تلك المشاعر الى امتعاض عدواني. لقد تملكت الولايات المتحدة الأميركية، على الاقل على مستوى الصفوة ، وربما بشكل أوسع من ذلك، فكرة أن الأوروبيين ضعفاء ويائسون وناكرو الجميل وجهلاء ووضعاء ومذنبون ومعادون للسامية، وبالذات تلك الصفة الأخيرة: معادون للسامية.يوجد اليهود الأميركيون باعداد كبيرة بين المفكرين من ذوي الاتجاهات المتحفظة الجديدة، ويأتي قدر كبير من فكرة ان اوروبا هي عش وملاذ مهاجمي اليهود وأعدائهم من أفكار اليمينيين. في احدى المرات، كتب جورج ويل في صحيفة «واشنطن بوست» قائلا: معاداة السامية اصبحت قوة ذات شأن متزايد في الكبر في ادارة شئون العالم مقارنة بما كان عليه الوضع عندما اختفت هذه المعاداة بعد اخلاء معسكرات اعتقال اليهود بعد النازية. واليوم يقول عدد كبير من الناس ان العرب وحلفاءهم من الأوروبيين سوف يهدأون اذا غيرت اسرائيل من سلوكها. هؤلاء الذين يقولون هذا لا يفهمون مدى تورط مشاعر معاداة السامية في الأزمة الحالية. لقد أصبحت الأزمة بمثابة المرحلة الثانية والنهائية للكفاح من اجل حل نهائي للقضية اليهودية». بالطبع لا يفكر جميع اليهود بنفس الطريقة. فقد وبخ الناقد الليبرالي الادبي ليون ويسلتير في مقال له في «نيوريبابليك» الكتاب والمعلقين الاكثر هيستيريا من ويل بسبب اعتقادهم بأنه يمكن لمكبرات الصوت ان تستدعي اليهود الى ميدان التايمز في نيويورك لاستخدام وسائل النقل، كما قال أحدهم ذات مرة. ان هذا محض هراء، على حد قول ويسلتير. ان اميركا هي المكان الوحيد بعيدا عن اسرائيل، التي يمكن لليهود فيها ان يجدوا مسكنا لهم. ولكن هذا الفهم المنطقي الذي يعضده اي ادراك سليم كان بالطبع خاصاً بأميركا فقط فلا يوجد يهودي عاقل يختار أوروبا ليقيم بها. وكتب ويسلتير قائلا: «القومية اليهودية لا تتضمن اي مفهوم لدولة متعددة الاعراق. والثقافة الأوروبية يتخللها بغض كبير للاخر». وجاءت الصدمة الاكبر على يد واحد من اشهر الكتاب الاميركيين وهو توماس فريدمان الذي كتب في عمود له في مايو الماضي ان مشاعر معاداة السامية التي تأسست من أوروبا توحي بأن الاوروبيين يريدون ما هو اكثر من مجرد انهاء للاحتلال الاسرائيلي، فهم يريدون ان يرتكب ارييل شارون مجزرة ضد الفلسطينيين او يريدون ان يصفوا ما صنعه في جنين بالمجزرة، وبالتالي يتخلصون نهائيا من ذنب المحرقة ويقدرون على الصياح قائلين: «انظر الى هؤلاء اليهود، انهم اسوأ منا». لم يستطع ويل او ويسلتير ان يقدما اي دليل على هوس معاداة اليهود، و يبدو ان الامر اصبح واضحا بحيث لا يحتاج لدليل من جانبهما. وبالنسبة للدليل الذي يسوقه، يقول فريدمان انه اشترك في مؤتمر مع صحفي فرنسي يدعى ايريك رولو الذي بدوره قال ان الذي قام به الاسرائيليون في جنين كان اسوأ مما قام به الفرنسيون في الجزائر. تلك كانت بالطبع ملاحظة متسرعة، ولكنها ليست بالضرورة معاداة للسامية فاتخاذ صحفي فرنسي كدليل على كرة الاوروبيين لليهود لامر بطولي في افتراضاته. اننى اجد تهمة معاداة السامية امرا مرعبا للغاية لدرجة انني سألت كل شخص قابله ما اذا كان الامر جديا ام لا وعلى الرغم من ان البعض اصابهم الاحراج، الا انهم كانوا عادة ما يقولون: «نعم انهم يعتقدون ان الامر فيه بعض من معاداة للسامية». وفي احدى حفلات العشاء التي حضرتها مؤخرا كان يحضر مجموعة من المفكرين ورجال السياسة وفتحوا باب المناقشة حول موضوع «استعداء الاوروبيين»، وكان من ضمن الحضور مجموعة من الاختصاصيين في العلاقات الاميركية الالمانية. وكان هؤلاء من المتشككين في اعتراضاتي بشأن معاداة السامية وقلت ان هذه التهمة بنيت على حوادث قليلة منها ما حدث في بريطانيا عندما دعا توم باولين من جامعة اكسفورد الى قتل المستوطنين الاسرائيليين، وقيام البروفيسور مونا بيكر بانهاء عمل مترجمين يهوديين في مجلة الترجمة التي تملكها، ودعوة مجموعات من الاكاديميين لمقاطعة الاكاديميات الاسرائيلية ودعوات معاداة السامية من قبل بعض المسلمين الذين يعيشون في فرنسا. وسألتني ويندي شيرمان، من مجموعة اولبرايت الاستشارية، وهي المجموعة التي انشأتها وزيرة الخارجية الاميركية السابقة مادلين اولبرايت، لماذا قمت بطرح هذا الموضوع وقالت: «بصفتك شخصا له خلفية يهودية فأنا اعتبر الامر غريبا ان تقوم انت باثارة هذا الامر». قلت لها لقد فتحت الموضوع «لانني اجد الامر غير منصف» بعد ذلك قال لي عضو آخر في المجموعة ان احد كبار مسئولي الاتحاد الاوروبي قال له: «نحن نعلم لماذا تناصر وتدعم اميركا اسرائيل بهذه الطريقة الكبيرة، ان الامر بسبب قوة اليهود هناك. الكثير من الاوروبيين يرجعون هذا الانحياز الاميركي لليهود الى قوة وثراء اللوبي اليهودي، وقد اخبرني والتر راسيد ميد، وهو احد كبار العلماء في مركز العلاقات الخارجية في نيويورك قائلا: الاوروبيون القائلون ان اللوبي اليهودي قوي للغاية يتشابه قولهم مع تلك المناقشات المناصرة لمعاداة السامية والتي تقول ان اليهود متآمرون، فاللوبي اليهودي يلعب دورا ولكنه ليس دورا ضخما فالاقوى من اللوبي اليهودي هو الحقيقة التي تفيد ان هذه الدولة مسيحية فعودة اليهود لفلسطين بالنظر لهؤلاء المسيحيين هو جزء من الخطة الالهية». في واشنطن يقول وليام كريستول، احد مساعدي جورج بوش الاب للسياسة الخارجية في السابق: «نحن متعاطفون مع اسرائيل بشكل عام لانهم يبدون شديدي الشبه بنا فهم يتمسكون بالدين بشكل جدي، وهم مستعدون لمحاربة عدوهم فهم وطنيون وفخورون بدولتهم وهم مجتمع استيطاني يملكون حدودا تشكل خطرا كبيرا عليهم». وقد سألت جيديون روز، من مجلة فورين افيرز لماذا يحدث كل هذا؟ قال لي روز: «من الواضح ان هناك انحيازا ضد الاسرائيليين في اوروبا لا اعتقد ان الامر هو بالضرورة معاداة للسامية، فمعاداة السامية تهمة خطيرة للغاية فالاسرائيليون يعتقدون ان الاوروبيين لن يساعدوهم باي شكل من الاشكال واذا كان عليهم ان يعتمدوا على الاوروبيين في السابق لما كان لهم وجود اليوم. وفيما يتعلق بيهود الشتات قال روز: «الكثير من اليهود يعتقدون ان الاوروبيين لم يفعلوا الا القليل لحمايتهم اثناء المحرقة». وقلت له ان هذا يخلط بين معاداة السامية ونقص الشجاعة وعدم التعرض لخطر الموت الذي كانت تنص عليه القوانين النازية لأي طرف يساعد اليهود. ورد روز قائلا انه ليس متأكدا من هذا الطرح، وقال: «اوروبا فشلت في التعاطف مع الورطة الاسرائيلية وربما بدا الامر بالنسبة لهم ان التعاطف مع الفلسطينيين قد يعني التكفير عن ماضيهم الاستعماري». وتعد وجهة النظر القائلة بأن اوروبا تكفر عن ماضيها الاستعماري هذه جزءا من لائحة الاتهام التي يعدها هؤلاء الذين يشعرون بالامتعاض من اوروبا. كتب ميد في مجلة اطلانطيك منثلي قائلا: «عندما انسحب الاوروبيون من مستعمراتهم تركوا خلفهم قدرا كبيرا من الكره والفوضى: باكستان والهند واسرائيل وفلسطين والتوتسي والهوتو وعلى المستوى التجاري والاكاديمي والسياسي والعسكري فان علاقات اميركا مع العالم النامي اليوم تعادل بشكل عام كل ما يمكن ان تقدمه اوروبا ». ويصر ميد على التأكيد بأن اوروبا لا يمكن ان تقدم اي شيء على اي مستوى افضل ما تقدمه اميركا وهو الصدى الاجوف بما في ذلك بين هؤلاء الذين لا ينتمون الى اليمين اذ ان احد الموضوعات الرئيسية على ساحة النقاش في اميركا هو ان الولايات المتحدة الاميركية مسيطرة على الاوضاع في جميع انحاء العالم والى اقصى حد يمكن التفكير فيه. يقول كل من البروفيسور ستيفن بروكس ووليام ولفورث في مقال في مجلة «فورين افيرز» ان الولايات المتحدة ليس لها ند يملك اي قدر من القوة الكبيرة. لم يكن هناك قط هذا النظام من الدول المهيمنة الذي يتكون من دولة واحدة تتمتع بهذا القدر والدرجة من الهيمنة. ولكن الامر لا يتمثل فقط في الهيمنة العسكرية والاقتصادية والثقافية والتقنية التي تتمتع بها اميركا ولكن ايضا بسبب تلك الهيمنة والقوة فان قادتها ودبلوماسيها وجنودها ينظرون الى العالم من اعلى حيث يتواجدون هم الى اسفل حيث تتواجد بقية العالم. وفي احد اجزاء هذا العالم توجد اوروبا التي تنتابها الفرقة من بعض الاوقات ولكنها قارة متحدة ومتمتعة بأجواء سلام وحالة من الرخاء الاقتصادي، وبصرف النظر عن البوسنة، فإنه من غير المحتمل ان يعاني الاميركيون اي خطر هناك. لذا فإن هؤلاء الذين يديرون السياسة الخارجية والامنية لاميركا مثل كولن باول في وزارة الخارجية وكوندوليزا رايس في مجلس الامن القومي. اضافة الى الرئيس جورج بوش نفسه، مهتمون بالبقية من دول العالم، والزعماء الاوروبيون اقرب في التقاليد وطريقة التفكير وفلسفة الحياة اليهم من زعماء القارات والدول الاخرى، ولكن الولايات المتحدة لا تقوم في العادة بصياغة سياستها تجاه الدول والمناطق الاكثر تمرداً مثل دول الشرق الاوسط او الصين وروسيا والهند وباكستان وأميركا اللاتينية، عن طريق الاوروبيين او تطلب مساعدتهم او نصيحتهم في ذلك الشأن، فالدول المهيمنة هي مهيمنة في كل شيء. لقد وصف المحلل السياسي روبرت كاغان الجدل الاوروبي الاميركي في مقال له بعنوان «القوة والضعف» حيث اصبح هذا المقال على انه تلخيص للحالة الحالية للاوضاع. ولم يعتمد كاغان على اي صفات او سمات أوروبية حقيقية أو مفترضة فهو يرى التوجهات الراهنة كنتاج للاحداث الاخيرة، فكل من الفجوة في القوة عبر الاطلسي والفجوة الايديولوجية الواسعة تعدان نتاجاً لخبرات وتجارب مختلفة بشكل كبير للغاية واستجابات مختلفة لهذه التجارب. فالاوروبيون لا يحبون المخاطرة وهادئون ومتعددو الاطراف، في حين ان الاميركيين ليسوا كذلك يقول كاغان لقد افزرت القوة العسكرية الاميركية نزعة لاستخدام تلك القوة في حين افرز الصلف العسكري الاوروبي مقتا له اسباب المفهومة لممارسة واستخدام تلك القوة العسكرية. ويضيف كاغان انه علاوة على ذلك فإن اعتماد اوروبا توفير اميركا للأمن يعني ان تهديدات مثل تلك التي يمثلها نظام صدام حسين في العراق، موجهة بشكل اكبر لاميركا وليس لاوروبا، ويستطرد كاغان قائلا: في الخليج العربي والشرق الاوسط وفي معظم مناطق العالم الاخرى بما في ذلك اوروبا تلعب اميركا دور الطرف الذي يفرض ارادته في النهاية وهو الامر الذي تفرضه قوة اميركا الكبيرة، وبدورهم فإن الاوروبيين راضون بابقاء الوضع على ما هو عليه ولهم اسبابهم المفهومة لذلك. ويمكن من هذا المنطلق القول بأن الاوروبيين مثل الشخص الذي يقضي اوقات فراغه كلها في مشاهدة التلفاز في البيت ولا يصنع اي شيء آخر، وهو القول او وجهة النظر التي لا يرفضها كل القادة الاوروبيين، لاسيما هؤلاء الذين اصيبوا بالاحباط بسبب عدم قيام اوروبا بزيادة معدلات انفاقها في المجال العسكري واعادة تنظيم قواتها المتفرقة، ولكن هل هذا له صدى لدى الادارة الاميركية؟ ام انه كما يدعى البعض يعتبر مجرد صراخ بين الطبقات المتفرقة والمجتمعات السياسية وليس له اي ثقل سياسي؟ ليس الامر مجرد زوبعة في فنجان او صراخ فالادارة الاميركية ليست مهتمة بالضعف الاوروبي والشكاوى الاوروبية وحسب، ولكن ايضا هناك انقسامات عميقة بشأن كيفية رد الفعل تجاه هذا الضعف. يقول ريتشارد هاس رئيس قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية والذي يعتبر اكثر الاصوات التحررية الداعمة لاوروبا، هناك القليل جداً مما يمكن ان نقوم به في العالم بشكل احادي يمكن ألا نتفق على الجزئيات، ظاهرة الاحتباس الحراري او المحكمة الدولية لمجرمي الحرب الخ. ولكن في كثير من الحالات عندما يكون هناك ازمة حقيقية في العالم، فإن أول شيء سيصنعه مسئولو الرئاسة هو الحصول على قائمة بأسماء هؤلاء الذي ينبغي للرئيس ان يتصل بهم في اوروبا. وعندما كنت في واشنطن حضرت حدثا يتحدث فيه احد مسئولي السياسة الخارجية الى مجموعة من الاشخاص معظمهم رجال اعمال، ولم اجد شيئا مما قيل يخالف بشكل مباشر ما قاله هاس لي، فالمسئول بشكل فعلي اكد على فعالية الاحداث التي شهدتها في اوروبا فور احداث الحادي عشر من سبتمبر مثل المسيرات المؤيدة لاميركا في المانيا وعزف النشيد الوطني الأميركي في لندن. ولكن نبرة الحديث كانت مختلفة، فقد كان الحديث يوحي بالشك في النوايا الأوروبية وأكثر انتقاداً للأفعال الأوروبية. وقال المسئول: «لقد قبلنا مسئولية أن نكون حارس الأمن العالمي على غير ارادتنا. لذلك عندما نتكلم عن العراق وإيران، يعتقد المرء ان الدول الأوروبية تقول: ما مدى خطورة هاتين الدولتين؟ لا يعتقد أنها يتملكها القلق مما سوف نفعله. فأوروبا يجب ان تشعر أنها مهددة. فأنا أتابع وكالات الانباء كل يوم وأرى أن أوروبا مهددة. فهذه هي هجمة على الحضارة، وهجمة أكبر من أي شيء قمنا بمواجهته من قبل. يمكن أن يكون الهدف لندن أو باريس أو روما. وأنا جالس في مكتب، يأتي إلي أعداد كبيرة من الزوار الأجانب. كل لديه مشكلة يريد أن تحلها أميركا. وأقول لنفسي في نهاية اليوم، كيف يمكننا أن نتعامل مع كل هذا؟ ولذلك فنحن في حاجة الى اصدقاء وشركاء يشاركوننا هذا العبء. هناك احتمالات تاريخية كبيرة الآن، ونحن كلنا في حاجة إلى ان ندرك تلك الاحتمالات. أحيانا عندما تتعامل مع الروس فإنه يكون لديك الانطباع أنهم لايزالون لديهم عادة التفكير العالمي الذي فقده الأوروبيون. ويضيف المسئول: واذا لم نستطع العثور على الطريقة التي من خلالها يمكن تعبئة الدول التي استفادت من القيم الليبرالية الجديدة، واذا لم تستطع التعاون، فإنه لن يمكننا النجاح. والأوروبيون شركاؤنا في ذلك، بل هم أكبر شركائنا. وعلينا ان نعمل معاً. فلا يمكننا ان نقوم بالأمر وحدنا. ولكن العمل معاً كان يعني ولايزال يعني القيام بالأمور فيما يكون لأميركا اليد العليا. فالولايات المتحدة قد أمدت حلفاءها بالأمن طوال ستة عقود تقريباً. وقد قامت بذلك لأنها قد حددت مصلحتها القومية على أنها ترتبط بالحفاظ على الدول الديمقراطية، ولأنها لم ترد أن يكون هناك خصم استراتيجي آخر (مثل الاتحاد السوفييتي) حتى ولو كان هذا الخصم مسالما والآن ليس لدى اميركا اي خصوم، وهو ما اغراها لأن تخلص إلى أن الوضع الحالي هو افضل العوالم الممكنة. فلربما تثير القوة امتعاض الضعفاء ولكنها ايضا تخيف من يفكر في انماء قوته. يعتقد الأوروبيون المقربون بشدة من الادارة الأميركية ان هناك مشكلة حقيقية ودائمة هنا. وقد اخبرت ولفجانج ايشنجر، سفير ألمانيا لدى واشنطن، ان هاس قال ان الولايات المتحدة الأميركية تريد أوروبا قوية تلعب دوراً نشطا في العالم وتشارك في تحمل الاعباء مع اميركا لكن. ايشنجر يقول: «ريتشارد يصدق هذا. ولكنهم جماليا يصدقون. فالاميركيون يفكرون في كيفية تنفيذ أهداف سياساتهم الخارجية عن طريق وضع الثقة في دولة تستطيع تنفيذ هذه السياسة. دعنا نواجه الأمر: امكاناتنا لا تسمح لنا بالتفكير بشكل جدي في القضايا الاستراتيجية. ولكن عندما يتحدثون عن اوروبا اكثر قوة، فهل بالفعل يعنون ما يقولون؟ فالكثيرون الذين ينتمون الى الجانب المتحفظ لا يؤيدون هذا الأمر. يتملك الأوروبيون القلق من نفوذ القوة، وهو الامر الذي يطلقون عليه النزعة الفردية الأميركية. قال اشنجر في خطاب له في واشنطن في مايو الماضي: التورط في مفاوضات متعددة الاطراف لا يبدو امرا طبيعيا للدولة العظمى الباقية والتي تعد قارة في حد ذاتها. ولكن هل السياسة الواقعية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر هي البديل؟ الاجابة على هذا السؤال هي «نعم» ان الامر يبدو ان الأوروبيين الآن في وضع ينظر اليهم من قبل ـ قطاع كبير من الصفوة الأميركيين كأطراف تثير الازدراء مرفوضة، وهي نفس الطريقة المتعالية التي من خلالها كان ينظر البريطانيون الى بقية العالم، بما في ذلك بقية أوروبا، عندما كانوا يمسكون بمقاليد العالم. ان الامر كان سيئا بالفعل، وكذلك هو الآن. ترجمة : حاتم حسين عن« فاينانشيال تايمز»