ما الذي حدث للسينما المصرية؟ سؤال بدأ يتردد مجددا مع بداية موسم الصيف وعرض أفلام «اللمبي» و«سحر العيون» و«فلاح في الكونجرس» والتي جاءت مخيبة للآمال وجاءت لتهدد وتنذر بسينما جديدة تكرس لنوعية، جديدة من الأفلام يراها البعض افرازا طبيعيا للطفرة الانتاجية الغير مدروسة ويرى البعض الآخر أنها تعود لسينما تغييب العقول التي سادت في فترة ما في السينما والتي كانت تطرح تجار المخدرات ومدمنيها والجهلاء والدجالين كأبطال وهو ما يحدث مع الأفلام الثلاثة التي سبق ذكرها. «البيان» تفتح ملف سينما تغييب العقول وتضع طرفي الرأي في هذا التحقيق. الناقد عبدالغني داود يؤكد أن ظاهرة أفلام تغييب الوعي التي كانت في فترة نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات والتي كان نموذج البطل فيها هو تاجر المخدرات سوف تعود على يد اللمبي ويضيف: مشكلة السينما المصرية أنها سينما النمط الواحد فاذا نجحت الكوميديا تتحول كل الأفلام الى الكوميديا واذا نجحت أفلام المخدرات تصبح كل الأفلام عن المخدرات والنجاح الذي يحققه «اللمبي» وهو نجاح كبير ومغري يؤكد أن المرحلة القادمة سوق تشهد افلاما مثل اللمبي حيث البطل فيها هو «البلطجي» الجاهل الذي يتحدى المجتمع ويسخر من رموزه فقد شاهدنا في الفيلم البطل محمد سعد يغني بخلاعة إحدى أغنيات كوكب الشرق أم كلثوم وهو تطاول لا أدري لماذا وافقت عليه الرقابة. ويواصل عبدالغني داود: المشكلة الأساسية ليست في نجاح فيلم أو اثنين لسنا راضين عنهم فدائما الأفلام الأقل قيمة تحظى بنجاح جماهيري ولا أعرف السبب المشكلة أن تعم الظاهرة وتتحول كل أفلامنا الى مهازل مثل اللمبي و«فلاح في الكونجرس» وهما نموذجان سيئان للسينما المصرية، السينما التي قدمت كلاسيكيات السينما العربية والتي نافست سينمات عالمية كثيرة وكانت مصدر دخل قومي لانتشارها في العالم كله ولكن لا أعتقد أن فيلم مثل الليمبي سوف ينجح في الخارج فهو فيلم للاستهلاك المحلي يسيئ الى سمعة الفن في مصر. انهيار أخلاقي السيناريست والمؤلف مصطفى محرم يؤكد على أهمية الحرية في التناول السينمائي ومن هذا المنطلق فهو أيضا حر في نقد هذه الأفلام ويقول: محمد سعد ممثل جيد لكنه للأسف وقع فريسة لطمع منتجي سينما لا علاقة لهم بالفن أرادوا استغلال نجاح الشخصية التي قدمها في فيلم الناظر وجعلوا منه أداة غير متفهمة لما يحدث حولها.. فهو للأسف الشديد سوف يقع فريسة للدور والشخصية وسوف يحاولون تكرار شخصية اللمبي في أفلام أخرى لأنهم وجدوها ناجحة وتحقق ايرادات كبيرة واذا لم ينتبه محمد سعد لذلك سوف يكتب نهايته كنجم وممثل شاب. ويضيف مصطفى محرم: المشكلة ليست في عمل فيلم عن بلطجي أو فاشل أو اي شخصية غير سوية المهم ماذا تفعل هذه الشخصية وفي الأفلام التي شاهدناها في بداية موسم الصيف لا يوجد موضوع أساسي في الفيلم الحكاية كلها مجرد افيهات كوميدية أقرب الى النكت لا تصنع فيلما حتى أنني دخلت الفيلم وخرجت دون أن يبقى في ذهني أي شئ وهو انهيار كامل للأسس الدرامية بغض النظر عن أنه انهيار أكبر للأخلاق. مسئولية رقابة السيناريست عبدالحي أديب يحمل مسئولية تفشي هذه الافلام الى الرقابة التي وافقت على عرضها ويقول: من المسئول عن الكوارث التي أتت بها افلام الصيف هذا العام الى السينما ففي فيلم «سحر العيون» هناك محاولة لتأكيد أهمية السحر والدجل والشعوذة في حياتنا وتأكيد على أن الدجالين والمشعوذين ناجحين في أعمالهم ويستطيعون عمل المعجزات هذا التهريج لا أدري كيف وافقت الرقابة على عرضه أما فيلم «فلاح في الكونجرس» فهو تغييب مؤكد للعقل حيث يؤكد الفيلم على أن الجهل يمكن أن يعود ويسيطر على المجتمع من خلال بطله شعبان عبدالرحيم.. ويضيف عبدالحي أديب الذي قدم أعمالا كوميدية كثيرة وأفلاما خلقت جدلا فنيا: أنا لست ضد الكوميديا ومستحيل أن أكون ضدها وأنا واحد ممن قدموا أعمالا كوميدية كثيرة لكني ضد أن يسود العمل السينمائي نمط واحد يرسخ لضآلة الأفكار في العمل السينمائي فمؤلفو هذه الأفلام لا يتمتعون بأي حس فني وما يقدمونه مجرد «زغزغة» وليست كوميديا ويجب أن تقف الرقابة وقفة حازمة مع أصحاب هذه الأفلام الأشد خطرا من المخدرات نفسها. مخدرات فنية وعلى نفس المعنى يؤكد المخرج محمد أبو سيف قائلا: ما تقدمه هذه الأفلام بالفعل هو محاولة تغييب لشبابنا مقصودة فهذه الأفلام تفرغ تماما الوعي من محتواه وتسيء في نفس الوقت الى تاريخ السينما المصرية وهذه الأفلام الدخيلة على السينما تكرس للتخلف وتدعو الى التمرد على القيم الأخلاقية فلأول مرة نرى تطاولا على الأم ولأول مرة نرى تسيداً وانتصاراً للجهل والدجل وعودة أفلام تغييب العقل ليست بالأمر الهين وأتمنى أن تقف الرقابة موقفاً جاداً تجاه هذه الافلام فكيف سنسمح لهذه الأفلام بدخول منازلنا. الجانب الآخر المخرج فخر الدين نجيدة بعد أن قدم أول أفلامه «هارمونيكا» غاب لسنوات طويلة ثم عاد بأعمال الدجل والسحر والشعوذة في فيلم «سحر العيون» الذي واجه انتقادات كثيرة يقول عنها: مبدئيا أنا لن أستطيع أن ارضي كل الناس ونحن في العمل لا نؤكد أن مسألة السحر والدجل هي الأبقى وفي نفس الوقت لا نستطيع أن نقول أنها غير موجودة فهناك بالفعل من يملكون قدرات لعمل هذه المسائل ويستطيعون التأثير لكن هذه القدرة والمقدرة مهما كانت قوية فتأثيرها لا يدوم ولا يجب الاعتماد عليها وهذا ما قلناه في الفيلم ولكن للأسف البعض لم يفهم مقصدنا وراح يملأ الصحف البيضاء على حساب الفيلم. وأؤكد لك أنهم لو شاهدوا الفيلم نفسه ولكن من وجهة نظر أميركية لكانوا تقبلوا كل شيء موجود به، فنحن دائما نقسوا على أنفسنا بدون وعي وأنا شخصيا لا أنتبه الى كل ما يكتب وكنت أنتظر ممن يكتب ويقول أن أفلامنا تغيب الوعي أن يقدم لنا هو السينما التي لا تغيب من وجهة نظره. ويكفينا أن الفيلم يحقق ايرادات كبيرة والجماهير العادية التي صنع لها الفيلم أساسا معجبة به وتحبه وأحمد الله أنني أستطعت أن اقدم عملا جميلا به فكر وبسمة. ويضيف فخر الدين نجيدة تعليقا على ما قيل حول أن الفيلم يرسخ لمسألة الاعتماد على الدجل والشعوذة: لماذا لا تحاسبون أفلاما أخرى واذا كان سحر العيون يرسخ للاعتماد على الدجل والشعوذة فمؤكد أن فيلم «العار» مثلا يرسخ للمخدرات و«رأفت الهجان» ذلك المسلسل التليفزيوني يرسخ لأعمال الجاسوسية وهكذا. اللمبي يدافع النجم الشاب محمد سعد أكثر من وجه له انتقادات حادة في الصحف والمجلات بسبب فيلمه «اللمبي» حيث أجمع النقاد أن نموذج الشاب البلطجي الذي جسده سعد سوف يؤثر بالسلب على جيل الشباب ويساهم في تغييب الوعي لديهم.. يقول محمد سعد عن هذه الاتهامات: أنا لا أدري لماذا انزعج النقاد من الفيلم رغم أن هؤلاء النقاد هم أنفسهم الذين مدحوا أدائي للشخصية نفسها في فيلم «الناظر» اضافة الى أن شخصية «اللمبي» هي من قلب المجتمع المصري ومن الأوساط الشعبية فأنا شخصيا لأني من منطقة السيدة زينب أعرف أكثر من يعيشون على هذا النحو ويتصرفون مثلما يتصرف.. وأنا لا أعرف ما الذي كان يتوقعه النقاد من «اللمبي» هل كانوا يتوقعون أن البلطجي الفاشل في التعليم يتحدث خمس لغات مثلا ويتحدث مثلما يتحدث خريجي الجامعات.إنها طبيعة وسلوك شخصية ومن ينكر أن هناك شخصيات مصرية تعيش على هذا النحو أقول له إنه مخطئ.ويضيف محمد سعد الذي اتهم بتحريض جيل الشباب على التمرد وتعاطي المخدرات وتغييب الوعي: يجب ألا نخلط الأوراق عندما نتحدث عن شخصية درامية وأنا شخصيا ضد «اللمبي» وتصرفاته ولكنها شخصية موجودة في حياتنا ويحق للدراما تجسيدها واذا منعنا أو انتقدنا السينما لأنها تقدم شخصيات مثل اللمبي فهذا يعني أننا لن نستطيع تقديم شخصية مثل سعيد مهران في فيلم «اللص والكلاب» أو الشخصيات غير السوية.. السينما يجب أن تقدم كل النوعيات ولا تقتصر على الشخصيات الايجابية.. المهم هو كيف نقدمها.