في اطار التعبير عن منظومة التيمات التي مثلها ثلاثة اجيال من السينمائيين لا نستطيع الفصل بين المخرج وباقي فريق العمل الذي يضم كاتب السيناريو والحوار، مدير التصوير، مهندس الديكور، كاتب الموسيقى وقبل كل هؤلاء من وجهة نظر الجمهور، الممثلين، فلنبدأ اذن بهؤلاء. ان اساطير القدر وسوء الحظ سوف تتجسد في عدد من الممثلين الذين يؤثر طابعهم الدرامي بشدة في سينما تعتمد اساسا على الشخصيات تتشكل ملامح هذه الاسطورة من خلال ورقة «جابان» الفظة، وصلافة «جوفيه» المستهترة، وحتى طيبة «ريمو» وانسانيته «لوبرون» ويجب ان نضيف في المكان المناسب «ميشيل سيمون» الذي سيمثل تحت ادارة رجال مثل رينوار وفيجو وكارنيه ودوفيفييه وكلير. ومن الناحية النسائية، حاشانا ان نستبعد «مادلين رونو» و«ميشيل مورجان» وفي اوج الواقعية الشعرية، «ارليتي». علينا ان نتوقف قليلا امام ذلك الذي كان سيزيف وبروميثيوس هذا العصر والذي عمل مع كل المخرجين الكبار، منذ جريميون وحتى أوتان ـ لارا، حتى عام 1958 تقريبا قبلما ينصاع للعمل التجاري البحت، ولنستمع الى بيير دوفيلار وهو يعرف بهذا الممثل في كتابه «السينما، اسطورة القرن العشرين» حيث يقول: «ان جابان يطارده القدر، القدر الحديث، حتى انه يبدو مثل ضباط الشرطة، تثقله الواجبات الاجتماعية الحمقاء ومتطلباتها، او الرغبات التي لا علاقة له بها والتي توضع في طريقه بلا رحمة» في فيلم «طلع النهار» كما في «الوحش داخل الانسان» تبدو نوبات غضب جابان وكأنها نتاج القدر الاجتماعي الذي يوقعه في فخه والذي يبلغ احيانا مرتبة المأساة الاغريقية. هل كان ثمة انقطاع، في مجال كتابة السيناريو، بين كتاب الثلاثينيات وكتاب الستينيات؟ لنقل ان شارل سباك وهنري جانسان لم يأتيا بالشيء الكثير للواقعية الشعرية، غير ان ظلما شديدا وقع اولا على جان اورانس وبييربوست اللذين اعطاهما جان تافرنييه فرصة ثانية بعد 1975، ثم على جاك سيجور الذي اتاح لايف اليجريه ان يعطي افضل ما عنده بين عامي 1947 و1952 والحقيقي ان خيال جاك بريفير وميله للتغريب وتوافقات الكتابة كانت هي العناصر المؤسسة لكتابة السيناريو بشكل رائع. ولقد اتصلت بشكل حميم بمعنى الجنون والعبث اللذين لونا سينما مارسيل كارنيه حتى اننا ادركنا فيما بعد كيف اينعت غنائية شاعر ديوان «كلمات» الحارة والأخوية وتهكمه السوريالي وعشقه لكل ما هو حي باقات من الامل والضوء أثناء عمله مع رينوار «في فيلم جريمة السيد لانج» ومع جريميون « في فيلم قاطرات»، ومع بيير بريفير «في الرحلة المفاجئة» ومع بول جريمو «في فيلم العسكري الصغير». هكذا كان بريفير شاعر ذلك العالم: الواقعي والسيريالي المرعب والمضحك الليلي والنهاري المألوف واللا مألوف الجميل مثل كل شيء هذا العالم المفعم بالحركة، الذي ينسج من التناقضات وينزلق من الواقعية الى الحلم، صنعه هؤلاء التشكيليون الذين يصوغون الضوء ويبنون المكان. ولنذكر لكل منهم واحدا على الاقل من افلامهم المتميزة: من مديري التصوير نذكر جورج بيرينال «الحرية لنا»، بوريس كوفمان «الرشيقة» اوجين شوفتان «رصيف الضباب» كلود رينوار «نزهة في الريف» ارمان تيرار «الصمت من ذهب» نيكولا هاير «زينات» روبير دوفبر «خوذة من الذهب» كريستيان ماتراس «السيدة دو..» لوي باج «ضوء الصيف»، هنري اليكان «معركة السكة الحديد»، فيليب اجوستيني «رقيقة»، ومن مهندسي الديكور علينا ان نعطي مكانا مهما للازار ميرسون التي تأكدت موهبته منذ بداية تعاون مع فيدير «السادة الجدد» ومع رينيه كلير «تحت اسطح باريس» وقد ظل مخلصا لهما وكانت اشهر افلامه «السوق الخيرية البطولية». غير ان الكسندر ترونير، الذي ظل يعمل بالسينما حتى 1989، سلك درب معلمه وحاز شهرة دولية: فقد اشتغل في فرنسا مع جريميون، كارنيه واليجريه وبشكل خفي عمل في «ضوء الصيف» و«ابناء الفردوس» وارتبط اسم ليون بارساك بالفيلم الاخير. وقد تعاون بارساك بين 1938 و1956 مع كلير وكارنيه. اما ماكس دوي فقد شكل مع اوتان لارا اجواء شديدة الخصوصية والحميمية كما في «شيطان الجسد». وقد توفى كريستيان بريار ذو الاسلوب الموحي قبلما يعطي كل ما عنده كما يشي بذلك فيلم «الجميلة والوحش». كان لانصهار الصورة والموسيقى فعالية خاصة بفضل موريس جوبير الذي عمل مع فيجو، كلير وكارنيه. وهو نفس الطباق الموسيقى الساحر الذي نجده عند جوزيف كوزما، مؤلف موسيقى افلام رينوار، كارنيه وجريمو. وعلينا ان نذكر ايضا جورج فان باري «المليون» رينيه كليورك «سيلفي والشبح» موريس تيريه «زائرو المساء» وجان فنير «ممنوع لمس المال». وبعيدا عن الجماليات المؤرخة، كان لدى فرسان الواقعية الشعرية ميل عميق لأسرار النفس البشرية وثقة هائلة في الرجل وفي المرأة يشوبها قلق رقيق واهتمام بالغ بالحياة المعاصرة، وهو الذي حافظ على افضل ما عندهم من الشيخوخة.