تعمل حاليا مراكز الأبحاث والمختبرات الطبية وشركات الأدوية على تطوير أسلوب لفحص الجينات الموجودة بالخلايا التالفة للتعرف على وجود دلائل غير عادية تومئ إلى احتمال الإصابة بالسرطان قبل ظهور الآفة أو الندب السابقة للإصابة بهذا المرض. وقد دلت الفحوصات الأولية التي أجريت في أحد المستشفيات على دقة هذه الفحوصات، بعد أن استطاعت كشف «91%» من حالات سرطان القولون والمستقيم و«73 %» من الإصابات التي ما زالت في مراحل الأورام غير الخبيثة حتى الآن. ولم يكن من بين النتائج أية حالة إيجابية غير صحيحة على الإطلاق، ولو أمكن دعم هذا الاكتشاف بواسطة فحوصات إضافية أخرى فإن هذا الفحص الذي يقوم على اختبارات خصائص الحامض الأميني سيساعد على تجنب آلاف الوفيات المتوقعة بسبب السرطان سنويًا. ويأمل الكثير من العلماء أن تتمخض فحوصات بيانات الخارطة الجينية البشرية عن ثروة هائلة من الأدوية والعلاجات لكثير من الأمراض التي تصيب الإنسان. كما أن هذه الآمال العريضة قد أثارت آمالاً أخرى على مستوى إجراءات التشخيص فأطلقت شرارة جيل جديد من الفحوصات التشخيصية. فالأطباء متشوقون جدًا لرؤية طلائع هذا الجيل، ولاسيما أن الاكتشافات الجديدة ستساعد على التعرف على أولئك الأكثر عرضة للإصابة، وستمكن الأطباء أيضًا من ملاحظة التغيرات التي تطرأ على جزيئات مكونات الخلايا، والتي تسبق عادة بداية الإصابة بأنواع الأمراض مثل السرطان أو أمراض القلب وقبل ظهور الأعراض. وهذا التقدم في إمكانات التشخيص يعتبر ثورة حقيقية في عالم التطبيب كما يتنبأ «غريغوري كريتشفيلد»، رئيس قسم أبحاث التشخيص في شركة «مايرياد» لأبحاث التشخيص، حيث يقول: «سيكون بالإمكان التحول من مرحلة تشخيص الأمراض إلى الوقاية منها قبل حدوثها بفضل أدوات وأساليب التشخيص هذه التي توفرت لنا». كما أن هنالك العديد من الشركات التي تعمل بهدوء على ساحة التقنية الحيوية، مثل شركة «إنسايتي جينومكس» التي توصلت إلى تحديد البروتين الدهني الذي يعتقد أنه المسئول عن أمراض القلب. كما طورت شركتان أخريان فحوصات جديدة لكشف سرطان الثدي، إضافة إلى قيام إحدى الشركات البريطانيه بتطوير أسلوب تشخيص متقدم لكشف حالات التخلخل بالعظام. وحيث إن الخارطة الجينية البشرية قد تحتوي على 50 ألف جين حسب التوقعات فإن تحديد نسبة 1% من هذه الجينات هدف مفيد في مستقبل علاج الأمراض المزمنة، وسيعني الحاجة إلى خمسمئة فحص تشخيصي جديد، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه للاستثمار التجاري في هذا المجال. وسيتوجب على جميع هذه الفحوصات الجديدة اجتياز اختبارات دائرة الأغذية والأدوية الأميركية مثل بقية الأدوية العلاجية التي تتوصل إليها الصناعات الدوائية، مع فارق الاستخدام الذي يجعل الموافقة على الأدوية التي تدخل إلى دم الإنسان أكثر صعوبة، ومن المتوقع أيضًا أن تستغرق رحلة الاكتشاف من بدايتها حتى طرح المنتجات بالأسواق للتداول أربع سنوات بالنسبة إلى الاختراعات الجديدة في مجال التشخيص، بخلاف رحلة الاكتشاف وتسويق الدواء التي تستغرق أحيانًا أكثر من عشر سنوات. لقد جاءت هذه الفحوصات لتخفف القلق والتوتر عن الكثيرين من أولئك الذين ولدوا لآباء مصابين ببعض الأمراض المزمنة أو أمراض السرطان، خشية أن تكون الجينات الوراثية المسببة لتلك الأمراض قد نقلت إليهم. وبفضل هذه الإمكانات الجديدة صار بإمكان هذه الفئة الاطمئنان على مستقبلها الصحي ومعرفة احتمالات الإصابة لديها من عدمه.