على بعد 450 كيلومترا الى الشمال من بغداد، يتفق سكان الموصل باجماع الرأي الى ان أهم معالم مدينتهم الاسلامية هو جامع النبي يونس بالرغم من وجود نيف وخمسين ومئة جامع ومسجد في هذه المدينة، التي تكاد تنطق كل أحجارها بلسان التاريخ وهي تشير الى تعاقب الحضارات فيها على مر الزمن. ومصدر الاهتمام على ما يبدو نابع من عوامل عديدة، تاريخية ودينية ومعمارية ومكانية و جمالية، فهو من اقدم الجوامع ـ ان لم يكن أقدمها فعلا ـ وأوسعها مساحة ومن أكثرها تميزا في أسلوب البناء، كما ان موقعه الاستثنائي المرتفع على تلة عالية في وسط المدينة جعل منه محط الأنظار وكرة ضوئية تسطع في سماء الموصل وأماسيها الشمالية الرائعة، خاصةً اذا ما اقترنت بشهر رمضان الكريم حيث يتوافد الآلاف من المسلمين الى مجالس الذكر وحلقات حفظ القرآن وتلاوته والى صلاة التراويح، حتى تكتظ دواخل المبنى وفضاءاته الخارجية المفتوحة بالحركة والزحام المبارك. على ان الجانب الروحي ـ في ما نرى ـ هو اكثر تلكم الأسباب أهمية في وجدان الناس، لأن ( يونس ) ليست مجرد تسمية مباركة أطلقت على المكان وانما لكون المكان - الجامع - يضم قبر وجثمان النبي يونس عليه السلام كما يعتقد أهل الموصل، وهو الأمر الذي يضفي على المكان ما يجب ان يضفى من القدسية، ومن محبة واعتزاز لمجاورة صاحب الحوت واستغاثته المعروفة الواردة في القرآن الكريم اذ مسه الضر وحكايته المشهورة مع اهل الموصل. والسؤال الكبير الذي يفرض حضوره هنا: هل ان اعتقاد الناس في هذا الموضوع اعتقاد صحيح؟ وما هي حدود الصحة فيه؟ ثم ما الدليل على ذلك؟ وهل الجثمان الشريف في هذه البقعة الطاهرة التي يقوم عليها بيت من بيوت الله؟ ذلك ما سنحاول الاجابة عليه في سياق هذا الموضوع. سيرة ذاتية بعد ان تلقى النبي يونس عليه السلام أمر الله سبحانه وتعالى بالعودة الى قريته في نينوى ـ والموصل هي مركز نينوى ـ وأمضى البقية الباقية من حياته بين أبناء قريته وهم بنص القرآن الكريم مئة ألف او يزيدون، حتى اذا ما توفي دفن في المكان الذي يقع فيه او عليه الجامع حاليا. هكذا تشير الرواية التاريخية، وسوف نعود بعد قراءة السيرة الذاتية للجامع الى التثبت من الوقائع المادية لهذه الرواية. يعد هذا المبنى من بين اقدم المباني المماثلة في العالم الاسلامي والأقدم على مستوى مدينة الموصل، وقد أفادنا الشيخ المؤرخ طلال سليم الخالدي بان أول اشارة لبنائه تعود الى ما ذكره ابن زكريا الأزدي في حوادث سنة 183 هـ عن وجود محل يأوي اليه الزهاد من المسلمين فوق تل ( التوبة ) وقد شيد الخليفة العباسي المعتضد بالله عام 279 هـ بناءً على التل يأوي اليه المسلمون. وذكر المسعودي في استعراضه لأحداث سنة 332 هـ انه رأى فوق تل التوبة مسجدا يسمى ( مسجد التوبة ) يخرج اليه الناس للزيارة والتبرك، وفي أواخر القرن الرابع الهجري كان المكان يعرف باسم ( مسجد يونس ) حيث توسع المبنى وما زال كذلك في التوسع حتى بات مع نهاية القرن السادس الهجري ( رباطاً ) يضم دوراً وسقايات ومطاهر، وصار به ( محل مقدس ) يشير الى الموقع الذي وقف به النبي يونس عليه السلام مع أهل نينوى وتابوا الى الله. وتتواصل أحداث سيرة المكان عند ابن جبير فيذكر ضمن حوادث سنة 580 هـ بأنه ( كان على المكان ستر وينغلق دونه باب مرصع، وكانت هناك عين مباركة يشرب منها ويتطهر بها أهل الموصل ) وفي أوائل القرن السابع الهجري يجمع ياقوت الحموي والهروي في كتابيهما على ان أهل الموصل كانوا يخرجون الى ( مشهد النبي يونس ) للزيارة وطلب البركة. كان السؤال الذي ما زال يشغل بالنا، هو كيف ولماذا اكتسب هذا الجامع اسمه المتوارث باسم ( النبي يونس عليه السلام ) منذ أواخر القرن الرابع الهجري؟ يقول الشيخ طلال الخالدي : قام والي الموصل جلال الدين ابراهيم في سنة 767 هـ بتجديد مبنى المشهد وبناء المحراب الجميل وأثناء العمل عثر على قبر النبي يونس عليه السلام، كما عثر على صندوق، لا يذكر الآن ما كان فيه عند العثور عليه، فصار يعرف منذ ذلك الوقت بجامع النبي يونس عليه السلام. وربما شجع على الاعتقاد بنسبة القبر الى نبي الله يونس عليه السلام عاملان، أولهما وجود الصندوق والجثمان في مكان مرتفع وليس في ارض منبسطة، وفي ذلك اشارة الى اعتزاز القوم بصاحب الجثمان اذ أودعوه قمة تلة وهي أعلى شيء في المكان ليكون مكانه بارزا عاليا متميزا على قبور الآخرين. وثانيهما قيام زهاد المسلمين دون غيرهم من أبناء الطوائف الدينية في الموصل مثل المسيحيين واليزيديين بارتياد تلك التلة منذ وقت مبكر من فتح الموصل وانتشار الدين الاسلامي بين أبنائها. ويلاحظ ان أعمال الترميم والتنقيب لم تشر اطلاقاً الى وجود قبر او قبور أخرى على التلة، وعندها يمكن ان يكون ذلك المرتفع الأرضي مدفنا للعامة، وهكذا بات بحكم الثابت والمؤكد للباحثين ان الجامع لم يحمل اسم النبي يونس عليه السلام من باب التسمية الكريمة وانما هو كذلك من باب اقران الاسم بالحقيقة. صورة عامة يقع جامع النبي يونس عليه السلام في الجهة اليسرى من نهر دجلة، وهو كما سبق القول يقوم فوق تلة عالية في وسط المدينة تتقاطع عندها الطرقات وتمر بها حركة السابلة والسيارات وتنهض بالقرب منها حركة التجارة والأسواق، ويطلق على منطقة الجامع رسميا تسمية (حي النبي يونس) وهي من أقدم أحياء الموصل الشعبية وأكثرها ازدحاما بالسكان. ولكي نلجم اندفاعنا أمام الاغراءات الجمالية التي يعبر عنها محراب الجامع الذي بناه الوالي جلال الدين ابراهيم عام 767 هـ نعمد الى القول ان من اقدم معالم المكان الأثرية هي المحاريب الرخامية المسطحة والمزينة بزخارف التوريق المختلفة وبكتاباتها المتضمنة آيات قرآنية واسماء الشخصيات التي أنجزت بعض التجديدات والترميمات في الجامع. وكان من الطبيعي ان يمر البناء بمراحل متعددة ويشهد اضافات كثيرة لعل أبرزها اضافة المنارة التي يعود تاريخ أول ذكر لها الى سنة 1228 هـ وكانت مبنية من الآجر المزجج الأزرق وقد أعيد بناؤها من قبل عبد الله باش عالم العمري قبل 144 سنة، ثم بنيت المنارة الجديدة عام 1341 هـ وقد استعمل في بنائها حجر الحلان الأسمر المنتظم الأركان، وهي مشابهة لمنارتي جامعي النبي شيت والنبي جرجيس عليهما السلام الموجودين في الموصل أيضاً، الا ان احدث الاضافات هي التي شهدتها السنوات الأخيرة، وهي التي أكسبت المكان حلته الزاهية الجديدة التي تليق ببيت من بيوت الله تبارك وتعالى، وهي النقلة المعمارية الحقيقية في حياة هذا المبنى وامتدت على مدى ثلاث سنوات بين العامين 1989 و 1992، وقد وضعت الحكومة العراقية لأجلها ميزانية سخية مفتوحة ووظفت جهدا هندسيا ومعماريا وفنيا تم خلاله اجراء العديد من الترميمات الكبيرة والاضافات المهمة والتحويرات الجذرية بما يتناسب والأهمية التاريخية والدينية للمبنى بصورة خاصة ومدينة الموصل بصورة عامة، ويمكن تلمس تلك المزاوجة المعمارية الواضحة بين روح التراث والمعاصرة من واقع التصاميم المعمارية والهندسية للجامع، كما يمكن قراءة الهيبة المعمارية الحضارية له من نوع وحجم العمل المنجز. وواقع الحال ان أي جزء من أجزاء المكان داخل الجامع وخارجه لم يعف من يد التعمير ابتداءً من التلة التي كانت مساحتها الكلية مجرد ارض ترابية فقد تم تعبيدها بالكامل بحجر الحلان، وبات التحدب الترابي غير المنتظم الذي كانت تفعل فيه الثلوج والأمطار ما تفعل تحدباً غاية في الأناقة. ولتسهيل عملية الوصول الى الجامع في ارتفاعه والذي كان يرتقى اليه بواسطة سلم ترابي ضيق فقد تضمن الاعمار الجديد بناء مدرجات ( سلالم ) واسعة ومريحة مكسية بالحجر مع توفير فضاءات كبيرة تتخللها الأشجار، الى جانب استحداث طريقين للسيارات أحدهما للصعود والآخر للنزول. ولم ينس المعماري أهمية توفير الأبنية الخدمية للجامع، فضمن الخارطة العدد الكافي من تلك الأبنية مع بناء عدد من الدور السكنية للعاملين فيه والقائمين على خدمته. ولم يتوقف التحديث على صورة الخارج فحسب، بل امتد ليشمل الداخل أيضاً، حيث تم بناء وتغليف الهياكل والأقواس والمصلى وجميع الأبنية القديمة التي يضمها المبنى بالحجر المنحوت مع تزيين السقوف والأعمدة والجدران وعموم الأبنية الداخلية بشتى الزخارف والنقوش العربية الاسلامية، الى جانب اضاءة المنارة والجامع بمئات التشكيلات الضوئية التي حولت الجامع الى شعلة وهاجة تسبح في سماء الموصل ولياليها البهية.