لسنوات عديدة، شأني مثل معظم المترددين على البر الغربي للأقصر، كانت مقابر وادي الملوك هدفي الرئيسي في كل سعي أقوم به إلى القرنة، العام قبل الماضي، كنت أغادر فندق النور يوميا إلى الوادي، وقبل أن يستدير الطريق حول ما يعرف هنا بداع أبو النجا، ذلك المرتفع الصخري المطل على أطلال المعابد الكبرى التي قامت هنا لمئات السنين، وأشهرها الآن الرمسيوم، في كل مرة كنت أتطلع إلى المرتفع وأرى واجهات المقابر المنقورة في الصخور، والتي تذكرني بمقابر بني حسن في المنيا والقريبة من تل العمارنة عاصمة اخناتون الذي قاد ثورة دينية كبرى كان لها آثار بعيدة المدى، أدت إلى انهيار الحضارة المصرية ومنظومتها الروحية، ثورة أخناتون بدأت من هنا، من طيبة، قبل أن ينقل العاصمة شمالا، كثيرا ما كنت اسأل نفسي عن تلك المقابر وما تحويه، لم أعرفها إلا من الكتب المصورة التي صدرت عن الآثار المصرية ومعظمها باللغات الأجنبية، واعتبارا من العام الماضي أصبحت هذه المراقد الأبدية المعروفة باسم «مقابر النبلاء» هدفا رئيسيا. أسعى إليها وأتأمل نقوشها وتصاويرها، باختصار شديد، إذا كانت مقابر الملوك في الوادي تصور الرحلة في العالم الآخر، مراحلها المتخيلة، ما تحتويه من أخطار، وعوائق حتى المثول أمام أوزير قاضي وسيد عالم الموتى، فإن مراقد النبلاء تصور الحياة اليومية. على جدرانها لا نرى صور الآلهة كما تخيلها الكهنة ورجال الدين، إنما نرى شخصيات من الحياة اليومية، بدءا من صاحب المقبرة وأفراد عائلته إلى الخدم، إلى الراقصات إلى الحيوانات والأسماك والطيور. في الصباح الباكر، كنت أجلس إلى مائدة الأفطار في ساحة البيت القديم الذي حوله صاحبه إلى نزل مريح، كنت أستعد لتناول أفطاري قبل خروجي إلى مراقد الأجداد، المنضدة في ساحة تشبه تماما الرحبة الموجودة أمام بيت خالي الذي ولدت فيه بقرية جهينة والتي تقع إلى الشمال، في محافظة سوهاج، وفي الرحبة طيور، بط وأوز ودجاج، وكلاب صغيرة وأخرى كبيرة تنشط ليلا، فجأة انطلق جرو صغير وراء فرخ بط صغير أيضا، راح يعضه من ذيله، وعندما هممت بالحركة لكي أطرده عنه، ابتسم محمود صاحب البيت، قال لي أنهما يلعبان، وأن الكلب لن يؤذي فرخ البط الصغير، تذكرت تصويرا جداريا لمشهد على جدران مقبرة منا، قط تحت كرسي وأمامه سمكه يلهو بها، تذكرت الحيوانات المصورة على الجدران. أسماك في مياه النيل معظمها انقرض بعد تلوث مياه النهر، أمكنني التعرف على بعض الانواع، خاصة البلطي والقراميط وكلاهما مازالا يقاومان عوامل الإبادة التي أدت إلى اختفاء أنواع أخرى، مازالت أذكر صيد سمك القراميط بما يشبه الحربة في برك المياه التي يخلفها الفيضان أو الدميرة كما نعرفها في الصعيد و«الدميرة» هو الاسم المصري القديم للفيضان، لكن بعد بناء السعد العالي اختفت «الدميرة» وغابت أخطار الفيضان، كانت أسماك القراميط تظل فترة طويلة على قيد الحياة بعد صيدها، وعندما يكشف الصياد غطاء القفة تقفز إلى أعلى وتبلط وتبلبط الأرض، لاتزال الجدران في مراقد النبلاء تحتفظ بصور السمك والطيور والكلاب والحيوانات التي كانت تعمل في الحقول مثل الأبقار والثيران والاغنام، أخرج من تلك المراقد وأتأمل الكلاب الضالة في الطرق أو تلك التي أسعدها الحظ بمأوى عند بعض العائلات، أصدق الأنساب في البر الغربي تلك الحيوانات والطيور، لقد جاء أقوام كثيرون إلى مصر، فرس ورومان، ومن شعوب البحر، ثم القبائل العربية وحدث اختلاط واسع ومؤثر، لكن تلك الحيوانات لم يطرأ عليها تحول كبير، لقد احتفظت مراقد النبلاء بالعديد من نماذج الطيور والأسماك، الحيوانات بحيث يمكن اعتبارها مرجعا للحياة اليومية بكل ما تحويه وعلى الرغم من غلبة تفاصيل الحياة اليومية العادية تصاوير مواقد النبلاء، فإنها تمدنا بفكرة أشمل عن رؤية المصريين القدماء للأبدية وللحياة معا، كثيرمن تفاصيل الحياة ومفرداتها كان يمكن أن تختفي إلى الأبد وألا تعرف عنها شيئا لولا تلك اللوحات، النقوش والمتون والتصاوير في مراقد الملوك تدور حول الأبدية المتخيلة، وفي مراقد الفنانين بدير المدينة نجد الوسط، فالرموز الدينية موجودة، وتفاصيل الحياة اليومية أيضا، لكن في مراقد النبلاء تبدو صور الحياة اليومية بكل تفاصيلها، بدءا من ملامح النبلاء وأفراد عائلاتهم إلى الأزياء، وإلى موائد الطعام، واللعب. في مرقد «منا» الصغير الحجم، توجد حياة كاملة، صور العمل في الحقل، واللهو، توقفت طويلا أمام رسم جداري، غاية في البساطة، غاية في العمق، فتاتان من العاملات في الحقول، خطوط رسمهما تذكرني بالفن الحديث وجرأته، تذكرت ما قاله بيكاسو عن بداية الأصول لحركة الفن الحديث عن مصر القديمة الفتاة تتراجع قليلا إلى الوراء مرتكزة إلى الأرض، تمد ساقها اليسرى وتستقر قدمها فوق ركبتي صديقتها التي يبدو عليها الاهتمام بينما تنهمك في استخراج شوكة من قدمها، منظر تلقائي، بارع، يفيض بالحيوية والصدق، وتبدو مشاعر متباينة فوق وجهي الصديقين، فالأولى التي تعاني من دخول الشوكة يبدو عليها الألم، والثانية يبدو عليها التركيز والاهتمام، منظر حقيقي لابد أنه علق بذاكرة الفنان وأبدعه أثناء عمله في تزين المرقد الأبدي لمنا أحد كبار موظفي الدولة الوسطى، كان ممكنا لهاتين الفتاتين أن تختفيا تماما، أن تندثرا من ذاكرة البشرية، تماما كما اندثر غيرهما، لكن هذا الفنان المجهول أمسك بهذه اللحظة ودونها وحفظها من الاندثار وهذا جوهر الفن. التوقف عند كل مقبرة، والوصف الدقيق لها، يحتاج إلى كتب مطولة، وجميع ما قرأته حتى الآن لا يشير إلى حقيقة تلك المراقد، لا شيء يعادل رؤيتها، ولذلك فإنني أتحدث عن الجوهر، عن المضمون الفني الرائع لهذه المراقد التي تخص الوزراء، وكبار القادة والموظفين العاملين في خدمة الفرعون. ان ذاكرتي عامرة بالأيدي، تفيض الجدران بحركة الأيدي، وقد نجح الفنان المصري القديم في التعبير عن المشاعر الإنسانية الدقيقة من خلال حركة الأيدي، وأول ما لفت نظري إلى الأيدي في المتحف المصري بالقاهرة، ذلك الوضع العائلي، حيث تلمس الزوجة كتف زوجها بحنان بالغ، بينما تبدو يد الزوج من الناحية المقابلة، ثم لفت نظري الأيدي المبتهلة، المرفوعة للدعاء. إما في مواجهة آلهة متخيلة أو غائبة، غير أن أكشف حركة للأيدي لاحظتها وشدتني طويلا، أيدي النسوة النائحات في مرقد راموزا، وزير اخناتون، يتقدمن المشهد، الجنائزي لصاحب المقبرة، ويرفعن رؤسهن وأيديهن، لم أعرف في الفن الإنساني تعبيرا عن الحزن واليأس والتضرع مثل هذه التعابير المتداخلة الماثلة في تلك الأيدي، الحديث عن الأيدي يحتاج إلى وقفه أطول، ويبدو أن علماء المصريات أدركوا أهمية وضع الأيدي، خصصوا صوانا كاملا في قسم المصريات بمتحف اللوفر لمجموعة من الأيدي. ليست رسومات، لكنها منحوته من الخشب وسن الفيل والخزف، أيدي ضارعة، أخرى مبتهلة، متوسلة، أيدي مترفعة. في مقبرة راموزا توقفت أمام رسم يمثل أتون، أي قرص الشمس الذي دعا اخناتون إلى اعتباره رمزا للخالق بدلا من الرموز المتعددة للديانة المصرية والتي كانت ترمز للإله الواحد برموز مختلفة، لكنها في جوهرها تعبير عن اله واحد، واضح أن راموزا كان من رجال اخناتون وكبار دعاته، يذكر عالم المصريات اسمه هكذا «رع موسى». فهل ثمة علاقة بين هذا الوزير والنبي موسى؟ بالنسبة لي أشك، لكن علمت من الأهالي في الأقصر أن هذه المقبرة يأتي إليها كثيرون من الاجانب، خاصة من الولايات المتحدة وأنهم يقيمون صلوات خاصة في المقبرة، وهناك دعوة لها اتباع كثيرون في الولايات المتحدة لعبادة اخناتون! المقبرة التي ستظل مسيطرة على لفترة، تلك التي بناها الوزير «رخ مي رع» وزير الفاتح العظيم تحتمس الثالث، هندسة بناء المرقد تستدعي إلى ذاكرتي على الفور البهو الأعظم بالهرم الأكبر، يرتفع سقف الصالة الداخلية من مداخلة إلى أعلى، فكأنه أشعة الشمس الصاعدة عند الشروق، وينتهي السقف بكرة كان يوجد فيها تمثالان لصاحب المرقد وزوجته، لم أر جدرانا شديدة الثراء بالمشاهد المستمدة من الحياة اليومية كجدران هذا المرقد، ويقدر العلامة سليم حسن سطح جدرانها بمائة وأربعين مترا، معظمها مغطى بتصاوير تصور الحياة اليومية، خاصة المهن المختلفة، مثل النجارة والصياغة، وصناعة الزجاج، كما نرى على الجدران حيوانات لم تعرفها مصر من قبل إلا بعد توسعات الفاتح العظيم تحتمس الثالث، والذي وصل بالجيش المصري إلى الضفة الأخرى من نهر الفرات، وأقام نصبا حجريا يحمل اسمه هناك، هذه القوة الحربية الهائلة، ظهرت بعد تحرير مصر من الغزاة الهكسوس، وهنا نلاحظ الصعود والهبوط في التاريخ المصري القديم، إلى الدرجة التي تجعلني أقول أن أهرام الجيزة ليست عمارة فقط، ولكنها تلخيص لمضمون التاريخ المصري. من صعود قوى، يليه هبوط، ثم انسحاق، ثم صعود آخر. على جدران المرقد رأيت هذه الحيوانات الغريبة عن مصر، ومنها الفيلة والزراف، لقد وسع الفاتح العظيم الحدود، وأصبحت مصر امبراطورية مترامية الاطراف، وتدفقت على البلاد ثروات طائلة، لكن هذه الغنائم جاءت ولم تكن بمعزل عن أخطار الجهات التي انتجت فيها أو جلبت منها، هذه الاقطار سوف تنمو في مصر، وتؤدي إلى مسارات مغايرة تماما لروح الحضارة المصرية ومنظومتها الروحية والأخلاقية، وسوف تعمل عملها، وسينتج عنها نهاية هذه الحضارة التي كانت مصانة، سليمة، طوال بقائها في بيئتها داخل النيل، وهذا موضوع يطول الحديث فيه، أفكر فيه طويلا عند انتهاء زياراتي إلى مراقد النبلاء وعودتي إلى البيت الذي أقيم فيه مشيا رغم الحر حتى أستوعب وأتذوق، فالجدران لا تقدم لنا تصاوير فنية أبدعها أولئك الذين لا نعرف أسماء معظمهم قبل أربعة آلاف عام من زماننا، لكنها تقدم أيضا المضمون الروحي لهم، ولأفكارهم، ولا أبالغ إذا قلت أنني في عمق تلك المراقد تحت الأرض، كنت لا أرى فقط، ولكني أسمع وأفهم أيضا