يبدأ يومه عند صلاة الفجر وينتهي يوميا بعد صلاة العشاء، ومنذ ان كان طفلا في الثانية عشرة من عمره وملازما لوالده لم يتخلف يوما عن أداء الصلاة في المساجد، هذه حياة الوالد محمد راشد الجروان، الحديث مع مثل هؤلاء الاعلام ليس سهلا، ولكننا حاولنا ان نقتحم صومعة هذا الرجل بعد ان نمى الى علمنا ما يتمتع به من شفافية الروح والاصرار على فعل الخير، «البيان» التقت الوالد محمد راشد الجروان بعد ان وافق على لقائه من اول محادثة هاتفية، حيث فتح قلبه لنا وحاورنا عن الزمن الاول، زمن قبل طفرة البترول، كما تطرق الحديث الى العديد من المواضيع التي تعتبر منارا لشباب اليوم يحذو حذوها، فبدأ الوالد بالحديث قائلا: عندما يتحدث أي انسان عن مجتمع لابد ان يتكلم بحساسية حيث سيتكلم عن نفسه وعن وطنه، سنتكلم عن جيل ما قبل 1950 لاننا في مثل هذا العمر لا بد ان يكون هناك تفاهم مع جيلنا ويتفهم ما نسرده والذي يستمع لهذا الكلام سيتأكد منه ويتفهمه لانه قد عاش هذا العمر، كما ان الجيل الجديد يتفهم هذا الامر لانه واثق من ان هذا الكلام يتضمن معلومات صحيحة، قبل خمسين عاماً من الان كانت الحياة صعبة جدا، لاتوجد كهرباء، لان الله سبحانه وتعالى جعلها وسيلة للتبريد، لبعض الصناعات الخفيفة ولكل ما يحتاجه الانسان سواء أكانت ترفيهية او ضرورية للانسان، وقال الله عز وجل في كتابه العزيز (رحلة الشتاء والصيف)، في الشتاء كنا نعيش في مساكن خاصة، ولكن مع بداية شهر يونيو لم يستطع الانسان ان يعيش في هذه المنازل لانها حارة، لا يوجد فيها وسائل ترفيه وتكييف، ويتم انتقال (المقيظ) فمن الناس من ينتقل الى الواحات، مثل رأس الخيمة، شعم، رملة خصب واطراف رأس الخيمة، فلج المعلا، ومن ينتقل الى العين هذه المناطق التي يتوفر فيها البرد والماء، لانه من الصعب على الانسان ان يعيش في المقيظ بسبب شدة الحرارة. واشار قائلا: الحياة قبل الخمسينيات كانت امتداداً للماضي، وكانت وسيلة التنقل الوحيدة خلال هذه الايام هي الجمال، المسافة من الشارقة الى الذيد والتي يمكن قطعها الان في ساعة، كان اهل البادية يقطعونها في اربعة ايام من خلال الجمال، والرحلة الى العين كانت تستغرق اسبوعا، الحكومات المحلية خصصت بعض الاراضي واطلقت عليها البراحة يمنع فيها كافة انواع البناء ولكن تكون مقرا للمقيظ اي «المصيف»، وكل امارة خصصت مساحة لهذا الغرض، وبعد ان ينتهي المقيظ في أواخر شهر سبتمبر يعود كافة الناس الى مساكنهم ولا يوجد أحد في هذه المنطقة (البراحة) والتي خصصت للمقيظ، وهي المناطق التي يقصدها كل من ليس له المقدرة على الذهاب الى الواحات مثل الذيد، فلج المعلا، البواطن، ساحل الباطنة. ويضيف الوالد محمد راشد الجروان: تعتبر هذه الحياة امتدادا للماضي وحتى عام 1950، وبعد عام 1950، بدأت الكهرباء تدخل بعض الاحياء من خلال ماكينات كهرباء صغيرة، كانت بحوزة التجار لتساعد حوالي 30 منزلاً على استخدام الكهرباء بعد حصوله على المقابل، وكانت هذه الماكينات تجلب من بريطانيا، واوروبا، وكانت توجد في الشارقة محطة كهرباء تابعة للانجليز منذ عام 1934 وكانوا يمدون بعض المساكن وخاصة مساكن الحكام بالكهرباء، ثم بدأ ناصر بن عبداللطيف السركال يجلب بعض ماكينات توليد الكهرباء ويتم توزيعها على الاحياء وفي الاسواق وبدأ الناس يشتركون فيها بوضع عدادات، حتى بزغ فجر الاتحاد فأصبحت الكهرباء متوفرة في كل الاماكن على مستوى الدولة، اما الحياة في الخمسينيات فكانت صعبة للغاية. أميرة الصحراء ـ كان كتابك «اميرة الصحراء» من الكتب المميزة التي كانت تعنى بشئون النخلة، فماذا عن هذا الكتاب؟ ـ يعتبر التمر والنخلة هي بالمناسبة صمام الامان بالنسبة لنا (البدو) ونحن نعتز بباديتنا، والتمرة ضرورة بالنسبة لنا، لاننا كنا لا نستطيع الزراعة او الصناعة في ذاك الوقت، وبسبب عدم توفر الماء باستمرار فان النخلة صبورة، وقد قمنا بتسمية النخلة اميرة الصحراء لاننا نعتمد عليها كلية في طرح التمر، ومن خلال الكتاب كنت حريصاً جدا على ان يقوم كل فرد بزراعة النخل، حيث يوجد الان في الامارات اكثر من 30 الف نخلة وهي ليست بالشيء البسيط، كما كان لتوجيهات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة واخوانه حكام الامارات على الحث على زراعة النخل اثر طيب فقد قام كل فرد في الدولة بزراعة ما يمكنه زراعته من النخيل، وكل من يقوم بزراعة النخيل تمده الحكومة بالارض الزراعية، وتحفر له البئر ليروي منها، بالاضافة الى ماكينة خاصة للزراعة. ولذلك بدأ المواطنون الاهتمام بالزراعة، وكانت الحكومات المحلية تشتري من المواطنين محصول هذه النخلات، فكانت تشتري منهم الانواع الجيدة مثل اللولو والخلاص الكيلو بثمانية دراهم. ويضيف الوالد محمد راشد الجروان: لقد تضمنت ابواب الكتاب (اميرة الصحراء) كيفية المحافظة على النخلة واهميتها بالنسبة لبدو الصحراء، لاننا كنا نجلب التمر من البصرة بالعراق. ـ وماذا عن كتاب (رسالة لولدي)؟ ـ تتم حاليا تدريسها في المدارس، قدمت فيه نموذجاً للشباب ليحذو حذوها، سواء قبل طفرة البترول وبعده لتكون عبرة لشباب اليوم، بالاضافة الى حياتنا كانت تعتمد على صيد اللؤلؤ، ومعرفة الشباب بكل من الطواش والغواص، فالطواش هو الذي يشتري اللؤلؤ اما الغواص فهو الذي يجلبه من قاع البحر، وكانت حصيلة الامارات في العام 1915 من اللؤلؤ حوالي 15 مليون درهم. من خلال التصدير الى كل من الهند وباريس، وبعد ظهور اللؤلؤ الصناعي لا يستطيع الانسان ان يفرق ما بين اللؤلؤ الطبيعي من اللؤلؤ الصناعي، الا التجار والجيل القديم، ومع انتهاء عصر اللؤلؤ الطبيعي وبدأت حضارة البترول، هذا واقع كل دول الخليج. أول صالون ـ كنت من اوائل الذين فكروا في عمل صالون ادبي في الدولة، ويعتبر الوحيد الذي استمتع به الناس، فماذا فكرت في هذا الصالون؟ ـ من خلال سفرياتي الكثيرة الى السعودية وبعض الدول العربية من مصر والشام انشأت في منزلي مكتبة، من خلال تأثري بالحياة الادبية في البلدان التي قمت بزيارتها ، بالاضافة الى حرصي على زيارة المتاحف في هذه الدول والمكتبات وكان عمري آنذاك 28 عاما. وكانت العديد من المنازل يوجد فيها العديد من الكتب القليلة مثل القرآن الكريم وكتب التفسير والتوحيد. اما في مكتبتي فقد جمعت فيها العديد من الاف العناوين منها الادب والدين والسياسة وبسبب تفرق سكان الاحياء القديمة، فشعرنا بان هناك بعض التحول، ولتجميعهم مرة اخرى بدأت بعمل هذا الصالون الادبي ليستفيد منه اهل المنطقة، فكان البعض يتساءل ماذا يعني صالون ادبي، فالبعض كان يتخيله صالون حلاقة، فكنت اشرح لهم ان مثل هذه الصالونات معروفة عند العرب ففي مصر صالون العقاد وصالون مي زيادة، وفي بغداد صالون الماوردي، وفي لبنان ايضا، ولكن هنا يعتبر الحدث جديداً وغريباً، فبدأ الصالون وبدأ زواره يزدادون في التردد عليه حيث تم تجميع حوالي 2000 كتاب في كافة المجالات، ومازال موجودا حتى الان ويزوره الطلاب والسائحون لانه اصبح جزءاً من حياتنا الخاصة. واتمنى ان تعمم فكرة هذه الصالونات على كافة المناطق بالدولة حتى يستفيد منها اكبر قدر من الناس. ـ كان الوالد محمد راشد الجروان من اول مؤسسي الاندية الرياضية خاصة في امارة الشارقة، فماذا عن اهتمامك الرياضي؟ ـ كل شاب مرتبط بجيله، وانا لست لاعبا، بل كنت اشجع الرياضة والرياضيين وكنت اشارك في تأسيس بعض الاندية مثل نادي العروبة بالشارقة، نادي الذيد والنادي العماني، وكنا ندعم هذه الاندية حتى تستطيع ان تلبي متطلباتها. وكانت منطقة الذيد التي تعتبر واحة تتوسط ما بين المنطقة الشرقية والغربية، يتوفر فيها العديد من الشباب من خلال القرى المتواجدة حولها، فكان لنا ان ننشيء لهم نادياً ليتجمعوا فيه ويمارسوا نشاطاتهم الرياضية والثقافية والادبية. فلسفة الموبايل ـ انك لم تستعمل هاتفاً متحركاً حتى الان، ما هي فلسفتك في ذلك؟ ـ سمعت بعض العلماء يقولون انه مضر بالصحة فآثرت الابتعاد عنه، والاهم من ذلك قررت عدم استعماله لعدم ازعاجي في اي لحظة ، وعودت الناس على ان من يحتاجني فانا موجود في مكاتبي وفي الاوقات المحددة، واما عندما اكون خارج العمل فانا ملك نفسي لا اريد لاحد ازعاجي ، بالرغم من انه ضرورة للتاجر، كما ان العمل له اوقات محددة وهناك اوقات للراحة وعدم استعمالي للموبايل هو راحة لي. ـ ماذا عن يوم في حياة الوالد محمد راشد الجروان؟ ـ احمد الله منذ ان كنت في الثانية عشرة من العمر وكنت ملازماً للوالد لم يفتني وقت للصلاة، وحتى الان احرص على اداء الصلاة في المساجد، هذه فلسفتي في الحياة، كما انني اعتمد على الله ثم على نفسي في التجارة، فيبدأ يومي عند صلاة الفجر ثم اباشر عملي في المكاتب والمحلات في العاشرة صباحا حتى الواحدة، فاقوم باداء صلاة الظهر في المسجد ثم اتوجه الى المنزل للغداء والراحة، ثم اعود للمحلات والمكاتب في الخامسة وحتى العاشرة هذا يوم من ايام حياتي واحمد الله على هذا. ـ هل يمكن ان توجه رسالة الى شباب اليوم الذي يشق طريقه في البداية؟ ـ الشباب هم رجال المستقبل وقد وفرت الحكومة كل شيء للشباب من عمل واندية ومساكن، ولكن لابد ان نعطي الدولة حقها في العمل والارتقاء بها الى السمو والعلو، وان يكون الشباب المتعلم والملتزم في المنزل شعلة نشاط وقدوة لاهله وايضا في الحي حتى يحذو الشباب حذو هذا الشاب. ـ ما هو أحدث كتاب قرأته؟ ـ في الواقع كتاب الله هو كتابي المفضل الذي دائما استعين به في كل اوقاتي، واتمنى ان يكون كل انسان ان يحتفظ بكتاب الله في منزل، ولكن ليس كديكور بل ليقرأه ويعمل به فانا أذكر فقط (فان الذكرى تنفع المؤمنين) وهذه ايضا وصية للشباب ان يقرأوا القرآن. حوار: فهمي عبد العزيز