بوضوح تام كما في اعلى حالات الصحو الذهني كان يقرأ الاعلان: «مطلوب كهل نحيف بطول مئة وسبعة وسبعين سنتمترا. يزن اقل من ستين كيلوغراما، حسن الوجه، بلا علة في الاطراف، ويستحسن ان يكون مريضا بمرض غير ظاهر مثل سرطان الكبد او المعدة، لتعيينه عارض ازياء في القبر». الله اكبر!! لفظها وهو يقتعد المقعد ذا العوارض الخشبية في الحديقة التي بث في فضائها كل احزانه المزعومة وهواجسه سنة بعد سنة. لو لم يكن موغلا في فرحته لاجفله صوته الذي انطلق من فمه عاليا مباغتا، ولتلفت حوله خجلا ومعتذرا من الوجوه التي ستلتفت مستغربة وهي تحدق برجل يقرأ في صحيفة ثم فجأة يصرخ: الله اكبر.. هو يعرف انهم لابد مرت عليهم حالات من الغبطة كهذه تنفلت فيها ازمة كبح السلوك بوجود الناس فشرعوا بصيحة مثل هذه، لكنها لسبب ما توقفت في حلوقهم، ولابد انهم تلفتوا رهبة من ان الاخرين لاحظوا شروعهم بصرخة استعصت قبل ان تهز حبال الحنجرة وقبل ان تلوب قطعة اللحم العفنة في الفم.. الله يلعنها من هبرة نتنة تفووووووو! فهي التي كانت السبب في ان يبقى بلا عمل طيلة شبابه.. تفووووووووووو.. تفووووووووو باصقة بلعاب على هذا العمر الذي يمضي ببطء سرسوب ماء عفن ضحل المجرى مغطى بالاشن.. لو لم يكن مزاجه قد تحسن، واغتبط بسبب هذا الاعلان لما نعت لسانه «بهبرة اللحم النتنة!!» صحيح انه كان بينه وبين نفسه شديد الحساب واللوم، يقضي يومه في تقريع نفسه على الحدة الفجة التي يتناول بها لسانه امورا تغضب الاخرين وتجعلهم ينفضون من حوله كما لو كان به مرض معد، صحيح.. لكنه ايضا كان مفخرته، فما كان يملك من الدنيا سوى ثيابه وقوت يومه وهذا اللسان اللاسع.. يخون به نفسه في اليوم الواحد مرات ومرات، منذ خيانته الاولى عندما وقع تخلصا من الالم على تلك الورقة اللعينة التي تحولت في ذهنه الى صحيفة شيطان يظل ينخسه اذا ما نام ليوقظه واضعا الورقة في بؤرة مخيلته، او يفرشها على الصحن الذي يتناول منه طعامه تماما عندما تكون لذة تذوق الطعام قد انسربت الى نفسه، او يبسطها على وجه العاهرة التي بين الحين والحين يتشهى مثل كل الرجال ان يبحث في جسدها عن لذة يفتقدها. ينسل حينذاك في خفاء من نفسه متصورا ذاته مثل ذيل كلب يسبل ذلا بين فخذيه .بدأ انحطاطه، كما يحب ان يصف، بكتابة مقالات مصنعة على هوى مجلات وجرائد لها اتجاهات يكرهها. ثم تطور الى كتابة اسخف، تأبى عليه ان يوقعها باسمه بقية الضمير الذي كان بحجم قاسيون واصبح الآن بقعة من طحالب ماء حيائه الاسن. لا يذكر كيف اهتدى الى اول مراسل لجريدة من تلك الجرائد التي تصدر في الخارج المتكاثرة تكاثر السرخس في مياه الخلجان، باعه مقالا وضيعا مصمما لهذا الزمان تحت تأثير بطحتين وكمية من النفاق، ثم سرسب الامر، ليجد نفسه محاطا بهؤلاء الكتبة الصغار المستعدين للدفع.. يلتقطهم في المقهى.. الاصح هم الذين يلتقطونه.. يتفق معهم بلا كلام منه. هم يتكلمون عما يريدون، بينما يظل هو صامتا الى ان يهز رأسه بالموافقة وهو ينطق بجملة سمية، يقنع نفسه بها كما لو كان يثأر ثأرا ذكيا من هذا الذي يستخدمه، مدعيا في نفسه انهم لو كانوا يدركون ما في جملته من اهانة، لانصعقوا ولانتحر على الفور البعض منهم ممن لديهم بعض الحياء!! لكن ماء الحياء غاض منذ انهزم جيل.. لا.. بل اجيال اقنعت نفسها ان العهر هو ايضا مهنة شريفة!! هكذا يحلو له انشاء جمل كبيرة ذات رنين مطرب لذاته المحتاجة ابدا الى تعزية واحساس وان كان كاذبا بالسمو والادراك المتميز عن العوام.. العوام!! تلك المفردة العزيزة التي يختصها للادانة سرا، ويجب ان ينعت بها حتى المثقفين الذين يثيره مشهدهم حين يراهم، برأيه، منشغلين اما ادعاء واستعراضا بقراءة الجرائد، او مشتبكين في حوارات يسودها كل انواع غصب الاخر على الاقتناع، من حدج بعيون تريد القول: «انظروا الى ما ورائي من جمر ذهن متقد! ومن تأشير بالايدي وبالاصابع المتوترة حيث تنثال الافكار سائلة في الاعصاب، والاهم تلك التشنجات والالتواءات والتغضنات المرسومة على الوجوه رسما متقنا ومعادا، فيه رغبة ملحة في الاقناع، حتى لو كان مشهد وجهي يوحي بأنك يا من تحاورني عليك السماح لفكرتي بالدخول في رأسك قناعة او بقوة مثقاب يدور الف دورة في الثانية.. اختر ايهما احببت!! وفي نقلة مريرة اخرى، هكذا يضمر وصف الامور في نفسه، تطور الى كاتب عرضحال للعاهرات والبدو والشوايا واصحاب الدكاكين المبهوظين من الضرائب، ومؤجري الغرف في سكن عائلاتهم، والعاطلين عن العمل، وامهات المفقودين، والنشالين الصغار، وذوي العاهات، والمتقاعدين، والطلاب المطرودين من مدارسهم، والحزبيين الذين بارت ادوارهم والاكراد الذين يحاولون الحصول على الجنسية، واللاجئين الهاربين من بلادهم، والشغالين الذين جفت عروقهم قبل ان يحصلوا ثمن تعبهم، والمشعوذين الذين ضبطت بحوزتهم ادوات الشعوذة.. يكتب لكل هؤلاء انشاء لا يجد من اصحاب الشأن في القرار الا سخرية من لغة غريبة عليهم، لغة تموت كلماتها تماما في اللحظة التي تنزاح عنها عيونهم المعتادة على اصول مرعية في المكاتبات الى المقامات الاعلى فيها كم من النفاق الاصيل يجعل صاحب المقام في خجل ان هو رد عرضحالا ينقط ذلا واستجداء، ومع ذلك بالطبع لا يمكن الاستجابة لهذا العدد الهائل من التظلم المستكين، اذ لا بد وان يكون الكثير منه استمراء لنهب مال الدولة الذي يجب ان يصرف في منجزات تبقى ابد الدهر شواهد!! هكذا بالضبط وبمثل هذه الجملة المأخوذة من الخطاب الاعلامي، يعذب نفسه بنقد مبغض يأكله من الداخل ولا يجرؤ على اظهاره الا بلفظ كلمات لا يفهمها احد غيره.. يسخر.. ويسخر في السر وهو منكب على كتابة العرضحال مدمدما لشخص في داخله وصريف اسنانه خلف تقلص عضلات حنكه يظهره كما لو كان مضروسا بوجع سن العقل.. مال الدولة هو مال الدولة وان اختصصنا نحن بجزء منه!! لا عيب !! أبدا لا عيب من ان يمتاز البعض عن البعض!! يا أخي حتى النبي خص نفسه وأهل بيته بخمس. فاذا كان النبي وهو نبي قد خمس الاموال فلم لا نناصفها نحن؟!! اذ الكل عائد ان عاجلا أو آجلا الى الوطن.. قل يا من يعيب علينا أين يصرف المال؟؟ اليس لبناء بيت وشراء حاجيات في البلد ومن البلد؟!!...، هكذا يحاور الشخص الذي في داخله بلسانهم، ملتذا بالم تصوره لهم وهم يحيكون في رؤوسهم كلاما لن ينطقوا به، لكنه متأكد من انهم يتلفظون به في اذهانهم، بل ويحدس شعورهم بالحسد النافط من حروف الكلمات في العرضحالات الذليلة، اذ لا يمكن للمعوز الا ان يحسد ذا النعمة!! وقديما كان الحسد بين الناس!! يقتبس عنهم، مسرورا بذكائه، هذه العبارة التراثية الجاهزة التي كانت ايام شبابه الفائر تنفره وتجعله يسب التراث وكتبه الصفراء لانها تسمى «الصراع الطبقي» بزعمه تسمية مهينة: الحسد.. حسد! يا ابناء الزناة والزانيات.. قديما كان!! قديما كان.!! قديما كان..!! يهمس في نفسه مكررا تلك الجملة الصفيقة لكن المكثفة لخلاصة تجربة بشرية وكأن كلمة «قديما!!» باتت تخصه وحده ولا تعني سوى ما ابتلى به من انكسار احلام وفوت رغبات وموت افكار تفوووووووو.. لو لم يكن الاعلان مكتوبا بخط عريض وبتفصيل دقيق، لما جرؤ على نزول ذاك الدرج الهابط من كل الاتجاهات بشكل دائري نحو جوف مظلم. درج اثري احجاره مثلمة بينها شقوق نبت فيها عشب قصير على تربة حملتها الرياح والقتها هنا لتكون مهادا لهذا الطفيلي الاصفر. عند باب الظلمة اقشعر شعر رأسه وتردد بين ان يتقدم او يعود صاعدا، ففي اعماقه اندفق شعور مفاجئ يحثه على النكوص الى حيث اعتاد، لكنه وبعزيمة اهتبال فرصة لن تعود في ايجاد عمل شق بخطواته القلقة الظلام.. خطوات قليلة ووجد نفسه فجأة على حد نور يملأ صالة كبرى تغص بناس دائبين في عملهم لا يلتفتون الى شيء، ومن الغريب ان يلاحظ وهو في موقف الذهول ان خطا وهميا يفصل النور عن الظلمة، وانه هو نفسه ينتصب مقسوما من قمة رأسه الى اسفل قدميه بذاك الخط.. قفاه في الظلمة ووجهه في النور.. ليس ثمة ما أخسره! همس لنفسه وخطا، الخطوة التي أوقعته في لألاء الصالة الصاخبة بدمدمة الكثرة لا بالصياح. تقدم بحذر الغريب من امرأة تكاد تكون عارية وبشرتها ذات اللون الاخضر المزرق تثير فيه استفهاما. اتصبيغ البشرة جزء من عدة الشغل هنا؟ أم ان في هذا العالم اسراراً لا يعرفها وستكشف له ان هو تولى الشغل؟ سألها وصفحة الجريدة مبسوطة على يده.. أين...؟ لكنها لم تنتظر ليكمل سؤاله، إذ أشارت نحو منعزل بلوري مميز فيه مكتب من بلور يلمع بنور لا يظهر مصدره وخلف المكتب جلس رجال لهم لون البشرة ذاتها بثياب رسمية مبالغ بها كالتي تلبس في المحافل منكبّين على اوراق بين أيديهم بكل ما فيهم من اهتمام.. متهيبا اتجه الى حيث أشارت المرأة مدركاً ان ذاك الجمع من الرجال هم اللجنة الفاحصة. وبمعرفة خفية فهم ما يتوجب عليه فعله عندما ألفى نفسه في وسط صالة صغيرة تصطف الى أساس جدرانها الزجاجية مقاعد فخيمة مكسوة بقماش من الدامسكو الفاخر وخشبها الثمين مشغول ومذهب. يا للعجب! مقاعد مفردة ملوكية المظهر للانتظار؟ على مقعد منها جلس وهو يحس بالهام أعلمه تمام العلم ان هذا المقعد وهذه الطربيزة التي أمامه وفنجان الصيني الذي يفوح منه البخار والخزانة الوطيئة المليئة بالمجلات والجرائد كلها بانتظاره وتخصه وحده. رشف من الفنجان رائحة ونكهة غمرته بلذة لا يمكن ان تكون إلا في الحلم أو في الجنة، ثم استل المجلات والجرائد واحدة واحدة ملقياً عليها نظرات عجلى، مستوعباً بلحظات ما كان يمضي فيه اياماً أو شهوراً، مدركاً بلا اندهاش انه يعرف كل هذه المعلومات الكثيفة المنشورة في الصفحات، ويعرف وجوه كل البشر المصورين فيها.. صور رجال تحتل الصفحة الأولى.. يعرفهم.. بلى يعرفهم جميعاً، لكنهم في نضارة شباب لم يعهده فيهم من قبل زمن نزول الدرج. على وجوههم ابتسامات ملغزة بطيبة غريبة كما لو ان أحداً أثناء التقاط الصور أمرهم جميعا: ابتسموا.. فابتسموا. وفي الصفحات الداخلية صور لنساء ملس البشرات مثل زجاج صاف، مصبغات مقيفات كأن خلق الله ما عاد يفي للشهوة فزدن على خلقه.. يعرفهن ايضاً بل.. وداخله شعور بأنه سيعرف كل أصحاب الصور حتى لو كان العدد سيصل الى الملايين. لفظ اسمه من مكبّر صوت خافت لكنه يملأ السمع كأنه يتكلم في الأذن مباشرة: عبدالجبار.. تفضل. عادة من لعثمة المشي مما قبل نزول الدرج اعترته وهو يشهد متباغتا انزياح حاجز البلور المواجه لخطواته المضطربة.. هكذا ألفى عبدالجبار نفسه في مواجهة عيون تروزه وتمسحه من فوق الى تحت مروراً بصفحة الاعلان حيث رأى بانتباه شديد ان عيونهم المتحركة بتوافق وانسجام لم تتلبّث عندها، ففزع من ان يكون كل هذا الذي يحدث عبث حلم، لكنه أبعد الشك بيقين ان الحلم لا يمكنه أبداً ان يحتوي كل هذه التفاصيل. بلا ابطاء بادلوه عناية أسئلة بأجوبة لا تعني شيئاً أبداً، لكنها كانت تمر بأذنه، ثم الى باطن دماغه لتستثير فيه نشوة معرفة نفسه، وانه هو وحده من يهتم به هؤلاء السادة المحترمون... على شفتي الرجل الذي يجلس في الوسط افترت ابتسامة لا تشبه الابتسامات التي تركها أعلى من الدرج هناك، ابتسامة تعني اننا نعرفك جيداً يا عبدالجبار!! قال الرجل كمن يقرر حقيقة دهرية: ـ أهه.. انت آت بسبب الإعلان. ثم سكت وهو يتفحص عبدالجبار بعينين تكادان تجسان جسده. وأضاف: ـ هل تنطبق المواصفات عليك؟ أجاب عبدالجابر ومن عجب انّه سمع صوتاً هو صوته بالتأكيد لكنّه مختلف كل الاختلاف: ـ أجل... مؤكد! أضاف كلمة «مؤكد» خوفا من ان تضيع فرصة العمل. ـ آااااا... آااااا تلفظ ذلك الشخص.. وهل بك مرض باطن كسرطان الكبد.. أو البروستات مثلاً؟ وهل نقص وزنك سريعاً منذ ان اعتقدت انك خنت لأول مرة؟!! انبهت عبدالجبار مصعوقاً من انكشاف سره المعذب، وتأتأ: ـ فِفـ ... في ال... حق... ـيق... ـه.. لا أدري!! لأنني لا أملك مالاً استقصي به جسدي. لكنني فقدت خمسة عشر كيلوغراماً في السنة الأخيرة. ـ عظيم.. عظيم، صاح الشخص كما لو انه يغبطه على فعلٍ يستاهل المكافأة. ـ هيا الى العمل، لفظ احدهم وهو يقوم ويخطو خطوات ليصبح الى جانب طاولة صُفت عليها أدوات قياس، بينما تهيأ آخر لكتابة النتائج: ـ 177 سنتيمتراً.. (عظيم!) لفظوها جميعاً. ـ 55 كيلوغراماً.. (عظيم!) لفظوها جميعاً. ـ ... انتقالات سرطانية متعددة في الكبد منشؤها الأول سرطان قصبي بسبب التدخين الكثيف.. عظيم.. عظيم.. عظيم!!.. لفظوا جميعاً. ـ الفحص العملي.. همس أحدهم بأبهة استعراضية، وبدا همسه كصوت مهيب ينبع من كل الارجاء... ـ تعرّ لو سمحت يا عبدالجبار. ... أمر مدهش ألا يرى غضاضة من التعري وسط هذا الألاء من النور في هذه الصالة البلورية الشافة التي يرى فيها الناظر من هنا الى الأفق الأول الذي بات عبدالجبار على يقين من ان وراءه آفاقاً وآفاقاً.. تعرى عبدالجبار من كل شيء وهو يبادل الجميع ابتسامات سعيدة. ثم ألبسوه مختلف أنواع اللباس، وفي كل مرة ينبهتون، ويبدو على ملامحهم اعجاب مثير يشي بأنّك يا عبدالجبار لقية وأي لقية؟! ـ والآن جرّب لنا يا عبدالجبار هذا الكفن الفرعوني المصنوع من الكتان وتخيل نفسك محنطاً داخله.. يعني تخيل دمك مفرغاً وأحشاءك منزوعة ودماغك مسحوباً.. نعني انك داخل كفن الكتان تتكوّن من جلد وعظم... هل استوعبت يا عبدالجبار؟ ـ بلى تصورت تماماً.. تفاصح عبدالجبار مغتبطاً ولسان حاله يقول أي مهنة جميلة هذه، انها حتى لا تلتزم جهداً! ـ عظيم! رائع! جميل!.. صاحوا جميعاً عندما تمدد عبدالجبار في هيئة فرعون محنط. ـ عظيم! هائل! رائع!! قم يا عبدالجبار. انزع هيئة الفرعون عنك.. مقبول بامتياز يا عبدالجبار.. اقترب يا عبدالجبار.. هذا عقد عملك يا عبدالجبار.. وقع هنا يا عبدالجبار... ... بضع خلايا من ذاكرة عبدالجبار تذكرت تماماً برعب لا يطاق صورة اعترافه في خيانته الأولى، انها تكاد تتذكر حتى الخطوط النسيجية للورقة.. الورقة ذاتها.. الحجم ذاته.. الكلمات ذاتها التي لا تفصلها علامات ترقيم ولا تنقيط... انه ليس عقداً لعمل، بل هو اعترافك ذاته يا عبدالجبار!.. بهذه الكلمات أرادت خلايا الذاكرة ان تصرخ على لسان عبدالجبار.. لكن... في اللحظة نفسها كممت وماتت لتخلف ذاكرة جديدة ناصعة. ومن عجب ان عبدالجبار العاري الجسد وهو يمسك القلم لاحظ بلا استغراب لون جلده الأخضر المزرق فما همّه بشيء ولاحظ ايضاً ان القلم خط توقيعه متقناً. وبالهام عرفاني ادرك عبدالجبار ان قطعة اللحم التي في فمه.. لسانه.. ستصبح من الآن فصاعداً ذات وظيفة هيّنة بسيطة لا تزعج أحداً ولا تتعب صاحبها.. ستصبح حتماً أداة نافعة مثل ملعقة عميقة مخصصة لتناول الحساء... يا للغبطة!! ـ قاص سوري يعمل في حقل الطب صدرت له المجموعات التالية: «قمر على بابل» 1993، «دفقة أخيرة» 1995، «عصا اللافتة» 2000، وله في النقد كتاب «محمود درويش بين الزعتر والصبار» 1999.