منذ الحرب العالمية الثانية وحتى وقت قريب كانت مدينة برمنجهام، او مدينة «بريم» كما يحب اهلها ان يشيروا اليها، تلقب بـ «المنطقة الميتة» في بريطاينا على الرغم من كونها ثاني اكبر مدن المملكة المتحدة قاطبة، وذلك بعد ان اتت معارك الحرب العالمية الثانية وقوات المحور على الجزء الاكبر من جوانب الحرب بها لا سيما وسط المدينة وأكبر مراكز التسوق. ناهيك عن تفشي مظاهر الجريمة بها بشكل يفوق معظم المدن الانجليزية الاخرى والتلوث الذي يسيطر على الاجواء بسبب المصانع الموجودة بجانب وداخل المدن السكانية والاختناق المروري الذي تعاني منه المدن البريطانية كافة. فضلا عن ذلك كله ترى لهجة اهل المدينة على انها الاقل جاذبية بين جميع اللهجات الانجليزية في جميع مدن المملكة. لكن زائر المدينة اليوم يجد هناك ما يشبه العنقاء التي نهضت وتعملقت من تحت رماد مكثت داخله لأعوام طويلة حتى اصبح ينظر الى المدينة على انها من اكثر المناطق الثقافية جذبا في انجلترا، بجانب قدرتها المتنامية على اجتذاب السياح، وهو الامر الذي كان غائبا عن المدينة طوال السنوات الفائتة. فمجلس المدينة عزم على تحويل «بريم» الى واحدة من أرقى المدن الانجليزية كي تتناسب مع المساحة الكبيرة التي تشغلها من ناحية وكي تتخلص من الصورة السلبية المأخوذة عنها والتي ثبتت في أذهان السياح والشعب البريطاني نفسه طوال الفترة الماضية. وقد كللت جهود التطوير التي بدأها مجلس المدينة في السنوات الاخيرة والتي شملت تطويرا كاملا لمركز تسوق بول رينج او حلبة الثيران كما تعني الترجمة، وتطوير البنية التحتية من شوارع وطرق سريعة وتجميل المتنزهات والحرائق، باحتلال المدينة لمركز متقدم للغاية في قائمة اكثر اماكن العالم جذبا للعيش بها، متقدمة على مدن اخرى كبيرة مثل روما وميلان وبرشلونة وهونغ كونغ. ويصعب على البعض احيانا تصديق الصورة التي كانت عليها هذه المدينة في الماضي البعيد، حيث كانت قبل القرن السادس عشر عبارة عن مدينة صغيرة يشغل سوق داخلها المساحة الاكبر منها. واستمر الوضع كذلك حتى الثورة الصناعية التي جعلت من برمنجهام واحدة من اكبر المدن الانجليزية وشهد عام 1911 تطورا اضافيا في مساحتها حيث توسعت حدودها لتصبح ثاني اكبر مدينة في انجلترا. وجاءت الحرب العالمية الثانية لتحول «بريم» الى مدينة اشباح لا تمت بأي صلة الى الجمال الطبيعي المعروفة به الربوع الانجليزية ولكن الصورة تغيرت تماما في السنوات الاخيرة لتستعيد بريم البريق الذي كانت عليه قبل الحرب العالمية. فالحكومة البريطانية آخذة في إنفاق ملايين من الجنيهات الاسترلينية في مشروعات متنوعة لاعادة صياغة هيكل المدينة على المستوى الترفيهي والسياحي والصحي والاقتصادي وحتى الاجتماعي عن طريق العمل على القضاء على بؤر الجريمة والفساد. ومن اول رحلة تبدو برمنجهام ككتلة ضخمة من الاسمنت، حيث تحيطها من كل جانب شبكة مترامية الاطراف من الطرق السريعة التي تتقاطع مع القنوات المائية ويتخللها عدد كبير من مراكز التسوق الحديثة. في قلب المدينة يقع مبنى ضخم يعود بناؤه الى القرن التاسع عشر، وهو كاونشد هاوس، احد الابنية القليلة التي لم تدمرها نيران الحرب العالمية الثانية. هذا المبنى يطل على منطقة مشاة تحتوي على ميداني تشامبرلين وفيكتوريا اللذين يتمتعان بأجمل التصاميم المعمارية التي يمكن للزائر ان يراها في الربوع الانجليزية. في غرب المدينة تقع مناطق الترفيه من مسارح ودور عرض وملاه ليلية. في حين تقع احياء الذهب والمجوهرات في الجزء الشمالي الغربي من المدينة. ويعتبر الحي الصيفي من اشهر الاحياء في المدينة لاحتوائه على اكبر قدر من مظاهر الاستجمام والترفيه، ويقع هذا الحي في الجزء الجنوبي من المدينة. وتعج برمنجهام بمناطق الجذب السياحي. فهناك متحف وقاعة برمنجهام الفنية الواقعة في ميدان تشامبرلين، حيث يشتهر المتحف بوجود مجموعة نادرة من الاعمال الفنية التي تعود للقرن السابع عشر والثامن عشر. ويحتوي المتحف ايضا على معروضات خاصة بالتاريخ الصناعي للمدينة وكذلك تاريخها الطبيعي والعرقي والمعماري. اما حي المجوهرات الذي لا يبعد اكثر من 15 دقيقة مشيا على الاقدام عن قلب المدينة، فيحتوي على مصوغات نادرة ترجع الى القرن السادس عشر. وداخل الحي يمكن للسياح ان يزوروا متحف حي المجوهرات، حيث يمكن مشاهدة العمال اثناء صناعتهم لمشغولات ذهبية نادرة والاطلاع على تاريخ صناعة المجوهرات في برمنجهام. وبجانب المتحف وحي المجوهرات هناك العديد من مناطق الجذب الاخرى مثل شبكة القنوات المائية التي تحيط بالمدينة وتربط قلب المدينة بالمناطق الاخرى، وهناك ايضا بريندلي بليس وهي عبارة عن مجمع واسع تكلف بناؤه حوالي 250 مليون جنيه استرليني، حيث يضم داخله عددا كبيرا من المطاعم ومتاجر الهدايا ومراكز التسوق ومسرح. ويوجد بجانب هذا المجمع مركز الحياة المائية، وهو عبارة عن مجمع ترفيهي ايضا يمكن للشخص ان يجلس من خلاله داخل نفق من الزجاج ويرى الحيوانات المائية المفترسة تسبح بجانبه مثل سمك القرش والحيتان البيضاء وغيرها من المخلوقات المائية المخيفة. بالاضافة الى ذلك هناك متنزه كانون هيل، الذي يعد اكبر مساحة خضراء في برمنجهام يهرب اليه سكان المدينة بعد ساعات من العمل والكد داخل القالب الاسمنتي للمدينة. والمدينة تحتوي على 200 متنزه، ولكن هذا المتنزه هو الاكثر جذباً بينها لكنها حيث يقع جنوب المدينة على مساحة 3.25 كيلومترات. ويحتوي المتنزه داخله على عدد من البحيرات التي يمكن تفقدها عن طريق القوارب، وكذلك ملاعب تنس ومساحات مفتوحة لهواة الراحة والهدوء والاستجمام. ولقد حظيت برمنجهام بلقب المدينة الرياضية الاولى في بريطانيا، وذلك بفضل تنوع وثراء الساحة الرياضية بها، فهناك سباق السيارات في ابراندون وسباق الجياد في عدد كبير من احياء مناطق المدينة وسباق كلاب الصيد في سبري بار وهناك اقبال كبير كذلك من السياح على خوض مغامرة ركوب القطار البخاري الذي يرجع الى ايامه الاولى. ولهواة رياضات الشتاء هناك وفرة من الخيارات للتزلج وركوب الامواج في منتجع تامورث سنودوم بجانب نوادي الرجبي وكرة القدم والكريكيت والجولف. بشكل عام وعلى الرغم من الانطباع غير الايجابي الذي يمكن ان يأخذه الزائر من اول وهلة من المدينة بسبب طغيان الحياة المادية على باقي نواحي الحياة في المدينة، فإن برمنجهام تعد نموذجاً ناجحاً للجهود السياحية الناجحة داخل المملكة المتحدة.