ظاهرة التشرد من الظواهر التي باتت مألوفة في شوارع دمشق على الرغم من المحاولات المتكررة للحد منها الا ان تزايد مستويات البطالة والظروف المعاشية الصعبة للاسر الفقيرة، ساعدت على استمرار هذه الظاهرة وتزايدها الامر الذي جعل الصحافة المحلية تستمر في الحديث عنها من خلال التحقيقات الميدانية لرصد واقعها واسبابها وحالاتها المختلفة. وفي تحقيق نشرته احدى الصحف المحلية السورية تمت عملية تصنيف المشردين في المدينة الى فئتين فئة مخملية كما اسمتها وفئة شعبية وتفضل الفئة المخملية الاقامة في الأماكن الراقية كأبي رمانة والصالحية والقصور اما الفئة الثانية فلها كل المدينة. واجرت الصحيفة حوارا مع متشرد اختار الاقامة في مصعد كهربائي يأتي إليه بعد الساعة الثانية عشرة لكنه مع اشتداد موجة الحر الحالية اخذ ابو جعفر كما يلقب نفسه بالبحث عن مكان اخر لان الحر يمنعه من تحمل حرارة المكان. وذكر التحقيق ان نسبة المتشردين في الأماكن التي تمت زيارتها هي في الغالب ممن تعدوا سن الاربعين باستثناء بعض الحالات واشار التحقيق الى ام تقيم مع طفليها في الحديقة الواقعة في اسفل منطقة المهاجرين وهي من ريف حلب وتنتقل بين اكثر من مكان ويقدم التحقيق نماذج مختلفة من المشردين تتراوح اعمارهم بين الثلاثين والثماني سنوات ويتواجدون في اماكن مختلفة كما ان بعضهم يعاني من مشكلات عقلية بالاضافة الى ان بعضهم مجهول الهوية في حين ان بعضهم يعاني من مشكلات اجتماعية وأسرية دفعته الى التشرد وكما هو الحال بالنسبة الى طفل الثماني سنوات الذي ينام في احدى حدائق دمشق المعروفة والذي ذكر ان اهله لا يسألون عنه سواء حضر ام لم يحضر الى المنزل وهو يقوم نهارا بالبيع على البسطة او مسح زجاج السيارات التي تقف على اشارات المرور ويكشف هذا الطفل عن معاناة التشرد التي يعيشها فهو يتعرض للضرب من الاخرين احيانا ويبقى احيانا بلا طعام اذا لم يكن لديه المال الكافي لشرائه. شاب اخر في الخامسة والثلاثين من عمره قدم من قرية بعيدة الى دمشق ولانه لا يملك المال الكافي لتأمين السكن يضطر للنوم في الحدائق وتحت الجسور او يذهب الى الجامع في بعض الاحيان وهو يقف كل يوم في الساحات العامة ينتظر ان يأتي من يطلبه للعمل عنده وقد يبقى اياما بلا عمل فيضطر لصرف المال الذي ادخره سابقاً. اب اخر اقنعه اولاده بعد وفاة والدتهم ببيع البيت الذي يملكه والاقامة عند كل واحد منهم مدة من الزمن لكنه ما ان انجز عملية البيع حتى تخلوا عنه ولم يعد له من مكان يحميه سوى الشوارع والحدائق او اي مكان يتوفر له، وهو يعيش على ما يقدمه له اصحاب المطاعم. ويقدم التحقيق نماذج مختلفة لمتشردين بعضهم يعاني من اختلال عقلي وغالبا ما تكون اسباب التشرد هي البطالة او حالات التفكك الاسري او الاختلال العقلي اذ يرتاح الاهل بان يتخلصوا من ابنهم المختل وقد يجد بعض الابناء حريتهم بالتشرد اذ ان ذلك يريحهم من تقديم ما يربحونه من عملهم الى الاب فهم عندما لا يلتزمون بأسرهم يصبح بمقدورهم ان يتصرفوا بالمال الذي بين ايديهم بحرية واشباع رغباتهم كما يذكر احد الاطفال المتشردين في التحقيق. ويروي احد المتشردين الذي يبلغ من العمر تسعة واربعين عاما ان سبب تشرده يعود الى المشاجرات العائلية المستمرة وتسلط زوجته عليه ولا يتوقف التشرد عند الاطفال والشباب والرجال بل هو يطال النساء ايضا. ويقدم التحقيق صورة لاحدى المتشردات الكبيرات بالسن التي رفضت الكلام واكتفت بالبكاء فقط للرد على الاسئلة. ويؤكد التحقيق ان اخطر ما في هذه الظاهرة هو تشرد الاطفال الصغار الذين يفترض ان يحاطوا بالرعاية والعناية من قبل الاهل يستظلون بأفياء الحياة الاسرية الهانئة والحنان وكمثال على تشرد هؤلاء الاطفال يقدم التحقيق صورة لفتاة صغيرة تعيش في كراج الانطلاق بدمشق بثياب رثة بالية وجسد متسخ لا تعرف غير الانتقال بين السيارات الكبيرة والصغيرة من دون ان تعرف اي مصير قائم ينتظرها او اية مصيبة ستطالها وهي على هذا الحال من الضياع والتشرد. كما يقدم التحقيق صورا اخرى لاطفال متشردين في الشوارع والساحات ليس لهم من عمل سوى التسكع والتفرج على حركة الحياة والناس من حوله دون ان يعرف ماذا يعمل او اين يذهب وغالبا ما ينامون على أطراف الجسور او في بعض الحدائق او مداخل بعض العمارات. وتبرز صورة الشيخوخة في المقابل وهي تواجه مصيرا مجهولاً اما بسبب كونها تعاني من امراض عقلية ونفسية او بسبب الادمان او المشاكل العائلية التي تدفع بها الى التشرد والاقامة في الأماكن العامة كالانفاق والزوايا وتحت الجسور حيث تتحول هذه الاماكن الى اماكن دائمة لاقامتها اليومية خاصة بعد ان تخف حركة الناس في هذه الاماكن ويصبح من الممكن النوم فيها. ويذكر التحقيق ان الخطورة في حياة التشرد هي انه تتيح فرصة التشوه بعيدا عن اية رقابة اسرية او توجيه او حماية وتمثل صورة هؤلاء المتشردين تعبيرا عن حالة الانقطاع وغياب التواصل التي بات هؤلاء المتشردون يعيشونها مع المجتمع او بات المجتمع يواجههم بها مما ادى بهم الى ان يفقدوا انتماءهم وهويتهم. ويضيف التحقيق انه ليس كل من ضمتهم جدران البيوت وعلت على رؤوسهم سقوفها هم في منجى من التشرد فمن يعيش غريبا في وسطه تبدأ غربته اولا عن ذاته ثم لا يجد متنفساً الا بالهرب من المحيط ومن الذات ولذلك فان هؤلاء المتشردين اصبحوا لا يبحثون عن مأوى لهم. وللتعرف الى مخاطر هذه الظاهرة ودور المجتمع تجاهها يجري التحقيق لقاء مع احد الاختصاصيين التربويين الذي يذكر ان السبب الرئيسي لتشرد الاطفال هو غياب الامن والرعاية داخل المنزل وغالباً ما يحدث ذلك في الاسر المفككة التي تعاني اما من حالات الطلاق بين الاب والام وادمان الاب على الكحول كما ان هناك متشردين ينتمون الى بيئات اسرية لا تعاني من التفكك لكنهم قلائل والذي يدفعهم الى التشرد محاولة تلبية الرغبات الشخصية التي قد ينميها عندهم رفقاء السوء. ويتابع المختص ان ظاهرة التشرد موجودة في سوريا ولا يمكن انكارها وهي بحاجة الى دراسة حقيقية ويعتقد الباحث ان 20% من الاطفال في سوريا هم من تنقصهم الرعاية والمتطلبات الاساسية في بيوتهم مما ينجم عن ذلك ظواهر عديدة كالتشرد والتسول ويطالب المختص في هذا المجال بدعم دور وزارة الشئون الاجتماعية والعمل بتشريعات قانونية جديدة على ان يكون هناك تعاون بين وزارة العمل ووزارة التربية في هذا الشأن من اجل مكافحة هذه الظاهرة. ويسأل الباحث انه كان هناك الزام تعليمي في المدارس فما معنى ان يكون هناك اطفال في سن الالزام مشردين ويؤكد ان في كثير من دول العالم مؤسسات خاصة تقوم برعاية الاطفال في حال لم يتمكن الاهل من ذلك. ويذكر التحقيق ان ظاهرة التشرد موجودة في مدن العالم ففي نيويورك وحدها ثمانون الف متشرد لكنه يشير الى ما ذكرته مصادر في وزارة الشئون الاجتماعية والعمل حول الاطفال الذين يتم ادخالهم الى معهد ابن رشد لاعادة تأهيلهم فهؤلاء لا يتم سوقهم الى هنالك الا اذا ارتكبوا عملا مخلا بالقانون وتم عرضهم على محكمة مختصة ولذلك فان الوزارة لا تعرف عن الاطفال المشردين في دمشق سوى العدد الموجود لديها ويسأل التحقيق هل تنتظر ان يرتكب الحدث عملا مخلا حتى نسارع الى ادخاله الى معهد الرعاية والتأهيل في حين يبقى العدد الأكبر منهم في الشوارع والحدائق وتحت الجسور ويتعرض لاغراءات وتأثير الوسط الذي يعيش فيه لكي ينتهي الى الجريمة او الانحراف.