وصل سعر الكيلوغرام من الطماطم الحمراء في أسواق الخرطوم الى ستة الاف جنيه بالتمام والكمال ويشمل ذلك الطماطم المحلية الشهباء التي تنتجها الجروف الشحيحة المهددة بفيضان النيل وتلك الطماطم المستوردة من سوريا والاردن ومصر متوسطة الحجم في تغليفها البلاستيكي المتقن. ويضرب المشترون من النساء و«الأفندية» في الأسواق كفاً بكف ويعلنون عجزهم عن مجاراة هذه الاسعار وفي ايديهم المصروف اليومي البسيط المخصص لرحلة التسوق اليومية من اجل وجبة الغداء، ويتندر الساخرون منهم كيف ان السودان الذي يعد سلة غذاء العالم يستورد الطماطم من انتاج اراضي مصر الضيقة وبيارات الشام المحدودة المساحة بين المرتفعات والجبال في حين تعجز كل سهول السودان واراضيه القابلة للزراعة بحجم مئتي مليون فدان من توفير الاكتفاء الذاتي من الطماطم.. طعام الفقراء ومتوسطي الحال والبديل الموضوعي للحوم.والطماطم في السودان خاصة في مدنه ليست سلعة عارضة فهي «التميمة» المفضلة في كل وجبة من وجبات اليوم الثلاث فهي الطبق الذي لا يرفضه احد عندما يصب عليها الزيت وعندما يتم خلطها بالجبنة البيضاء وعندما يتم اعدادها في ساندوتشات التلاميذ وعندما يتم غليها مع الماء فتصبح ادام الرغيف الحافي الذي يتم تقطيعه الى اجزاء صغيرة متقاربة «السخينة» وهي كذلك حلية الفول المصري الوجبة الشعبية الاولى للفطور والعشاء وهي كذلك المكون الرئيسي للسلاطة السودانية الشهيرة التي لا يمكن ان يقدم ادام في غيابها. ولكن السلاطة الان حتى في بيوت متوسطي الحال ومن هم ايسر منهم اصبحت هذه الايام عارية من الطماطم الحمراء ومشتملة على نثار من العجور والجرجير والبصل الابيض وربما مع بعض شرائح البنجر والجزر.. يتعلل اصحاب الدكات الخشبية في الأسواق من بائعي الخضروات بالتجزئة بان الموسم ليس موسم الطماطم وان هذا الشح فيها والارتفاع الكبير في أسعارها هو امر موقوت يحدث كل مرة في مثل هذا الوقت من العام حيث يمتنع المزارعون عن زراعة الجروف الطولية على ضفة النيل تحسباً من ارتفاع المياه التي تغمر الحيازات المخصصة لزراعة الخضروات، ويقول احد الباعة لماذا لا يحتمل المواطنون هذه الزيادة الموسمية في أسعار الطماطم مع ان اسعارها في شهور طويلة من العام تهبط حتى يصل سعر الكيلوغرام خمسمئة جنيه فقط بل اقل من ذلك. ولكن مشكلة السودانيين مع الطماطم ليست في مجرد طبق السلطة او السخينة «الحساء المرقق الحار» انها عند الأسرة السودانية اكثر اهمية من ذلك فهي العجينة التي تقوم عليها صناعة الطبيخ السوداني عندما يتم غليها مع البصل وتشكل بذلك «البنية التحتية» لكل انواع طبخ الخضروات المكلل باللحم الذي يخلط بها في مرحلة لاحقة، كما ان الطماطم هي الصلصة الشعبية التي تستعيض بها ربات البيوت عن الصلصة المعلبة غالية الثمن جافية المذاق وغير الصحية مقارنة بخلطة الطماطم الطازجة، وليس هذا هو نهاية امر السودانيين مع الطماطم فانهم يشرّحونها ويعرضونها للشمس والهواء حتى تجف لتصبح ذخيرة الصلصة المحلية في خزانة المطبخ التي تسعف ربات البيوت لاعداد الطعام في الايام المقبلة وعند كل طاريء يدعو الى الاعداد المتعجل للوجبات!. احد المشترين العابرين في السوق يشير في مقارنة ساخرة الى الفرق بين سعر الطماطم وسعر التفاح المستورد فاذا وضعت اربعة او خمسة الاف جنيه اخرى على سعر كيلوغرام الطماطم يمكنك ان تظفر بكيلوغرام من التفاح الاحمر او الاصفر واقل من ذلك للتفاح الصيني الجديد الذي غزا اسواق العاصمة مؤخراً وتجار التجزئة يقولون ان هذا السعر العالي للطماطم من صناعة المستوردين الذين تسمح لهم الدولة باستيرادها من الخارج، ومستوردو الطماطم يحتجون على الضرائب والرسوم ومعوقات الاستيراد والدفع بالعملة الصعبة والضمانات البنكية والتخليص وبطء دورة العائد... الخ. يصحّح اقتصادي مهتم بشئون الاسواق والاستيراد والتجارة المحلية ان الطماطم المعروضة بالأسواق الان معظمها مستورد من جمهورية مصر وان هذا الارتفاع الجنوني في أسعارها يعود الى الندرة الكبيرة في الناتج المحلي والى رسوم الاستيراد والشحن وكثرة الايدي التي تدخل في وساطة انتقال السلعة حتى تصل الى المستهلك..! .. وعلى كل حال فالميسورون وحدهم هم الذين يتباهون هذه الايام بوجود الطماطم على موائدهم!.