اقدم مدن المنطقة بعد مدينة «اريحا» الفلسطينية.. عرفت بجادارا اي «الجدار اي الحائط» واطلق عليها في بعض الحقب «الصلت» كما ذكرها بهذا الاسم ابن الاثير عام 630 للهجرة، وهي ايضا اجادورا الاسم الذي ورد ذكره في احدى الوثائق الاشورية، ومن اسمائها ايضا «السلط» ويعتقد ان اصل هذه التسمية هو الكلمة اللاتينية SALTUS التي تعني الغابة حيث تزخر بأشجار البلوط.. وهي الان مدينة السلط والتي تعني «القهر والشدة» التي تقع في البلقاء الاردنية. وقد كان اول من حفظ اسمها هذا الجغرافي ابن سعيد المغربي منذ ما يقارب ثمانمئة عام، وتعد المدينة واحدة من اغنى المدن الاردنية بالتراث المعماري المتميز، الذي لايزال اهلها يحافظون عليه. والسلط ثلاثة جبال «السلالم، والجدعة والقلعة» مزدحمة الروائع المعمارية الحجرية كما تزدحم بالاشجار والغابات، حيث تتشكل المدينة عند ملتقى الوديان الثلاثة المشكلة من جبالها على مركز مصغر للمدينة يضم المرافق الاساسية، كالمسجد الجامع، وقصر الحكم، والمرافق التجارية وعيون الماء «السبيل» وغيرها من المرافق العامة. على أن الاحياء السكنية فيها تحتل سفوح الجبال وتمتد متصاعدة بين المركز وقمم الجبال على شكل ما يعرف «بالمحلات»، والمحلة هي منطقة سكنية تضم عددا من الحارات وتضم عشيرة او اكثر، وبذا فان المدينة تتوزعها التقسيمات على اسس النسب او المصالح او القرابة، والتي سيؤتى على ذكرها لاحقا. والمؤرخون على اراء في تحديد بروز اسم المدينة الا انهم اجمعوا في المقابل على انها بدأت منذ العصور الحجرية ومع بداية استقرار الانسان الاول وتعرفه على الزراعة، وخضعت المدينة لسيطرة العديد من الاجناس منهم الهكسوس القادمين من مصر، والعمونيون في العام الالف ما قبل الميلاد، والبابليون، والاشوريون والكلدانيون، ثم الفرس واليونان، كما دخلت بعدئذ تحت حكم الرومان، ومن ثم دخلها البيزنطيون، الى ان دخلتها جيوش الفتح الاسلامي. وقد نجح اهالي ومسئولو مدينة السلط في ادراج مدينتهم ضمن قائمة التراث العالمي المعتمدة من قبل منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو، ففي المدينة اكثر من 700 مبنى تراثي يصل عمر بعضها الى اكثر من 400 عام وتراوح عمر بعضها الاخر بين 100 و200 عام، كما يتميز بعضها بطراز البناء التجاري حيث عرفت السلط كمركز تجاري لتجار بلاد الشام. ولكن كانت ابرز الفترات التي اشتهرت بها المدينة وارتفع اسمها فترة في فترة الحكم الاموي، اذ اهتم الامويون بالمدينة اهتماما كبيرا لما لها من تاريخ واهمية استراتيجية. وكان أفول عهد الامويين واستقبال العهد العباسي اعلانا لبدء افول نجم المدينة حيث انتقلت عاصمة الخلافة الاسلامية من دمشق الى بغداد، ولكن ذلك لم يطل الى الابد، فقد كان للمدينة موعد مع عهد الايوبيين حيث لم يغفل المحرر العظيم صلاح الدين الايوبي عن اهمية مدينة السلط اثناء حروبه مع الصليبيين، بيد ان اجتياح التتار للمنطقة كان مدمرا للمدينة، كما كان لغيرها من مدن ومناطق العالم الاسلامي الى ان اعاد الظاهر بيبرس بناء ما تهدم منها في القرن الثالث عشر الميلادي. ويجيء الحكم العثماني في القرن السادس عشر للميلاد ليقوم على تنشيط حركة العمران في المدينة بشكل لم يسبق له مثيل، وقد كانت المدينة في الفترة العثمانية تابعة للواء نابلس، حيث لم تكن فلسطين ـ بحدودها المعروفة حاليا ـ وحدة ادارية واحدة اواخر العهد العثماني، وكان يضم اللواء في جانب نهر الاردن الغربي نابلس وأقضية جنين وفي الجانب الشرقي من النهر قضاء السلط «عمان كانت قرية صغيرة في قضاء السلط» بين نهر الزرقاء ونهر الموجب، وذلك حتى العام 1905، عندما ضم القضاء الى ولاية سوريا. ونظرا لعلاقة التجارة والاتصال مع المدن بفلسطين، فقد كان لمدينة نابلس اثر معماري متميز على المدينة، اذ انتقلت «الاعراف البنائية» من خلال «معلمي البناء»، عدا عن الحجارة التي تزخر بها مباني السلط التراثية. ولطبيعة منطقتها الجغرافية وتوزع العشائر والقبائل فيها تحولت المدينة الى طرقات رأسية معالجة بالادراج مما زاد من تميز المدينة وفرز مشهد لها خاص فريد في نوعه. يضاف الى ذلك ان الحرف البنائية المكتسبة من مجاوراتها من الأقاليم كفلسطين اكسبت الطابع المعماري مستوى من التفاصيل المعمارية الانيقة باستخدام الحجارة والتي تشي بقدرة المالك المادية ووسع ذات يده. وتعتمد اساليب البناء في السلط على الاساليب البنائية التي سادت في معظم مدن العالم العربي التقليدية، باعتماد الحجر كمادة اساسية في حمل المبنى، ومازال الامر على ما هو عليه، فالحجر القلب. ولعل الجود في البيئة المعمارية المبنية كان انعكاسا حسيا للكرم والجود في نفوس ابنائها، مما يتسم به العرب عامة، فسرعان ما يلتقي اهلها بالغرباء بالترحاب والضيافة، ولك ان تزور السلط فترى ذلك. اما بيئتها الاجتماعية فتأبى ترك العادات الى الان فهي المدينة في حيويتها القرية في خصالها ومازالت لم تتراجع اهميتها مع انتقال المركز السياسي الى عمان، ولاتزال واحدة من اهم المدن الاردنية ثقافيا، وحضاريا وسياسيا، وفيها اقدم المدارس الاردنية التي خرجت معظم ساسة الاردن من العهد القديم. عشائر السلط من اشهر سكان السلط «العدوان» وهي قبيلة تعود بنسبها الى قبائل قيس كما قال صاحب صبح الاعشى «1م346»: ومن قبائل قيس عدوان ـ وهم بنو عدوان واسمه الحارث بن عمرو ابن قيس بن عيلان قال ابو عيد: وسمي عدوان لانه عدا على اخيه فهم فقتله قال في العبر: وهم بطن متسع وكانت منازلهم بالطائف من ارض نجد نزلوها بعد أيلد والعمالقة ثم غلبهم عليها ثقيف فخرجوا الى تهامة وبافريقيا الان منهم احياء بادية وقد عد الحمداني عدوان من عرب برية الحجاز من آل فضل من عرب الشام فيحتمل انهم هؤلاء وانهم غيرهم. وفي تاريخ شرقي الاردن وقبائلها يشار الى ان البدو ينسبونهم الى الصويت امراء عرب الضفير بيد ان العدوان انفسهم ليسوا متفقين في الانتساب الى هذا الاصل. والضفير اليوم من اشهر قبائل نجد والعراق وهم في الاصل قبائل متعددة تضافرت وكونت مجموعة بحيث اصبحت قوة كبيرة ولهذا لم تنسب الى قبيلة. على ان البعض يرجح ان يكون العدوان عدنانيين من قيس عاشت في وقت ما في شرق الاردن مع الضفير. وللعدوان شأن في تاريخ شرق الاردن الحديث وهم الذين ينزلون شتاء في الشونة في غور نمرين وصيفا يقيمون بجوار صويلح وغيرها في جوار عمان. ومن العشائر التي تتبع العدوان الثوابية البحارات في ناحيتي الكرك والطفيلة. وينسب الى العدوان «نمر العدوان» الشاعر القومي العامي ونمر بدوي امي مضى على وفاته ما يقرب من قرن وقبره قائم في قرية تسمى «ياجوز» القريبة من عمان ولقبه بعضهم بلقب امير شعراء البادية بلا منازع. ذكره اديب وهبة مدير معارف شرق الاردن بقوله: «ومن اشهر شعراء البادية نمر بن عدوان في عبر الاردن كانت له امرأة اسمها وضحاء تتيم بها كما تتيم قيس بليلاه فرثاها بعد موتها بعشرات من القصائد ومنها ما فيه من معان. وذكر هذا الشاعر ايضا «البدوي الملثم» في كتابه «القافلة المنسية» حيث قال ان منظوم «نمر العدوان» ضرب من الشعر العذري العفيف لا اثم فيه ولا فجور.. تفيض مقاطعه بالحب الخاص والوجد البريء الذي يملك على السامع له ويرقى به الى طور من اطوار النفس هو «الهيام» بعينه فيصوره في شعر عذب لذيذ يغري الباحث على مدارسته وتلاوته. وينقل «البدوي الملثم» ما كتبه مؤلف «خمسة اعوام في شرقي الاردن» عن الشاعر نمر العدوان قوله: الشاعر المجيد منحة الدهر وشرف البادية هو «نمر العدوان» ومن اسباب عظمته وشهرته وتناقل شعره بين العرب براعة تصويره لعواطف القلب ومشاعر الحزب وهو مبتكر الشعر الرثائي في شرق الاردن والشعراء من بعده يتأسون خطاه واسلوبه وشعره عود يئن في الصحراء بانغام شجية ترنم بها الاعراب في تلاهم ووهادهم وكان له حظ كبير من الهموم وقسط وافر من الاحزان والتعاسة لفقده زوجته «وضحاء» وقد كانت اسيرة حياته ومنية فؤاده وموضوع سروره وكآبته. وترجم كثير من المستشرقين شعر «نمر العدوان» واقدم على فعل ذلك المستشرقين الالماني (wetzstein) قنصل بروسيا في دمشق عام 1860 فقد نقل قصيدة من قصائد «نمر» الى الالمانية بشرح واف مفصل وفعل مثل ذلك الاميركي الالماني (spoer) الذي ترجم من قصائد «نمر» منتخبات نشرتها «مجلة الشركة الالمانية الشرقية». غور السلط اما عباد فتتألف من عدة عشائر لا ينتمون الى اصل واحد وهذه العشائر المختلفة النسب تعود الى نجد والحجاز والجولان والحويطات وبلاد غزة وغيرها. وتقيم هذه العشائر في عدة مناطق في السلط وحولها ومن عشائر غور السلط «القرضة» وهي عشيرة كبيرة عرفت بولائها الشديد للعدوان ومنازلها بالغور وصويلح و«المشالخة» وتقيم هي مع اقسامها المتعددة في غور دامية. اما الحياصات والدبابسة فقد نزحتا من منازلها في الخليل وقضائها واستقرت في السلط بعضها نزلها من نحو 200 سنة والبعض الاخر من نحو 300 سنة والراجح ان اصل هاتين العشيرتين قرية «يطة» الفلسطينية واما النسور والحمامرة نسبة الى آل الحموري العائلة الوجيهة في الخليل ولهم ابناء عم في بعض قرى الاردن والفواعير ولقطيشات ويذكرون انهم حسينيون. ونزح من فلسطين الى السلط ايضا عشائر العمايرة ولهم اقارب في كفر عوان من اعمال اربد قدموا الى شرق الاردن من نواحي القدس و«الخليفات» واصلهم من احدى العشائر البدوية الفلسطينية وينضم اليهم العناسوة واصلهم من عين سيناء و«الرمامنة» نسبة الى قرية «رمون» من اعمال رام الله وقد استقروا في «ام جوزة» شمالي السلط. اما العشائر التي تعود باصلها الى الجزيرة العربية فهي الجزازية ويذكرون انهم من قبيلة ولد علي في باديء امرهم «الجزازة» بجوار جرش واليها نسبتهم و«الخريسات» قدم جدهم من الحجاز ونزل ومن معه وادي خريس بعمان ومنه اسمهم واستقر بعضهم في السلط وغيرهم في اربد و«الحدابدة» وهم اشراف من اعقاب «الحسين بن علي» رضي الله عنهما والعربيات ويعودون بنسبهم الى «شمر» من قبائل نجد وتنتشر شمر اليوم فضلا عن نجد في العراق وفي بلاد الشام ومصر وشمر هذه هي «طيء» العصور القديمة وتكثر في فلسطين القبائل والعائلات التي تعود بنسبها الى طيء كثرة ملحوظة كما تكثر فيها الاماكن التي مازالت تحمل اسماء منزلها من القبائل الطائية الى يومنا هذا. بالإضافة الى الزعبية القادمين من حوران وجبل عجلون والعطيات واصلهم من دير عطية بضواحي دمشق والعواملة نزلوا السلط من القسطل والحيارات نسبة الى جدهم «حيار» الذي كان اميرا على العرب في عام 752هـ نزلوا السلط من قريتي صمد وايدون من أعمال اربد والحياريون من «طيء» من القحطانية. ومن امراء الحياريين «مدلج بن ظاهر الحياري» امير عرب الشام وقد كان ذا قوة وبطش يمسك الدرهم من الفضة باصبعيه ويفركه فيذهب نقشه ويفت الحنطة بين اصابعه مات عام 945هـ بقرية من قرى حماة. وفي السلط عدد من العشائر النصرانية الذين يعودون باصلهم الى دمشق التواضرسة نسبة الى نادرس والشرابشة ولهم اقرباء في الكرك وبعض قرى اربد وحمص وجبل الدروز وغيرها. ومنهم ايضا من يعود باصله الى حوران «بما فيه جبل الدروز» والدبابنة و«الحدادين» وهم قسمان: اورثوذوكس واصلهم من حوران والقسم الثاني البروتستانت غسانيون ولهم ابناء عم في بعض القرى اللبنانية وفي محافظة اربد. واللبنانيون: وهم «الفواخرية» نزلوا بلاد السلط منذ اكثر من 300 سنة. والفلسطينيون: وهم «البشارات» فرع من عائلة «القرة» بنابلس ويقيمون في السلط وعمان وغيرها. والاردنيون: «القماقمة» يقال ان جدهم كان يقطن في الدير بجوار والفحيص. والاردنيون يعرفون السلطيون بقوة عزيمتهم وانتمائهم للاسلام وبذكائهم الشديد وكانت المدينة قد شهدت حراكاً اجتماعياً دعا البعض خلالها للتساؤل ومن خلال العديد من التقارير الصحفية المحلية في الاردن عن السر التالي: لماذا «السلط» بالذات وفي غمرة القصف الأميركي لافغانستان كانت تستقبل عددا من نعوش الشهداء القادمة من البلاد البعيدة، هذه النعوش التي تحمل في قلبها اجساداً لاناس ساحوا في الارض طلاب شهادة مصدقين قوله صلى الله عليه وسلم: «ان من خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة انطاق اليها يبتغي الموت مظانة».